العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

قوانين إسرائيل تكرس الاحتلال

بقلم: جيدعون ليفي

الجمعة ٢٢ مارس ٢٠١٩ - 01:15

 

بعد أن أسقطت إسرائيل برقع الحياء وكرست طبيعة الفصل العنصري كدولة «أبرتهايد»، ها هي تعمد إلى إضفاء غطاء تشريعي على عمليتها المستمرة في ضم الأراضي المحتلة ما وراء الحدود المعترف بها للدولة العبرية؛ أي حدود 1948. 

لم تكن 2018 سنة جيدة لإسرائيل لكنها كانت بكل تأكيد أكثر سوءا بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني بطبيعة الحال. لم تكن سنة 2018 للوهلة الأولى سنة درامية، لكننا شهدنا خلالها المزيد من نفس الحروب مع تراجع في سفك الدماء مقارنة بما حدث خلال الأعوام القليلة الماضية. 

أعطتنا سنة 2018 أن الأوضاع قد تجمدت في مكانها. فقد تواصل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية من دون أي عقبة كما تواصل المشروع الاستيطاني من دون هوادة، فيما حاولت غزة الصمود من داخل القفص الذي تعيش بداخله. 

لقد حول العالم أنظاره عن واقع الاحتلال، وهو ما ظل يفعله العالم خلال السنوات الماضية، ليركز كل أنظاره على عدة أشياء أخرى. أما الإسرائيليون وعلى غرار بقية العالم، فإنهم لم يبدوا أي اهتمام بواقع الاحتلال، وهو ما ظل الإسرائيليون، والعالم معهم، يفعلونه على مدى العقود الماضية. 

لقد ظل الإسرائيليون، وبقية العالم معهم، يلازمون الصمت وواصلوا حياتهم اليومية، وهي حياة يومية جيدة ومرفهة. تعتبر الحكومة الإسرائيلية الحالية الأكثر يمينية وإغراقا في التطرف الديني والتعصب القومي في تاريخ إسرائيل. 

هذه الحكومة الحالية تريد الحفاظ على الوضع الراهن بكل السبل وهو ما تحقق لها بالكامل. لم يحدث أي تدخل أو محاولة من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي أدى الآن عقده الخامس. 

بدأت الحكومة التي يقودها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعمل في هذه المرحلة من تاريخ الاحتلال من أجل شرعنة عملية ضم الأراضي المحتلة بشكل تدريجي وعبر سن التشريعات. تخطئ الحكومة الإسرائيلية خطأ فادحا إن هي اعتقدت أن كل شيء قد ظل على حاله. لا يوجد أي وضع راهن فيما يتعلق بالاحتلال والفصل، رغم أن الأمر يبدو كذلك على أي وضع. 

كانت سنة 2018 هي السنة التي سعت خلالها إسرائيل إلى وضع البنى التحتية التشريعية لما هو آت. بخطوات متأنية وواثقة، ظلت إسرائيل تضع القانون تلو الآخر وترسي الأسس التشريعية لواقع كان دائما موجودا منذ وجد الاحتلال. قليلة هي الاقتراحات والمبادرات التشريعات التي أثارت بعض الجدل لكن تم بعد ذلك تمريرها. 

من الخطأ التعامل مع كل مبادرة تشريعية جديدة بشكل منفصل. فكل تشريع جديد هو جزء يدخل ضمن سلسلة من التشريعات المحسوبة والخطرة والتي تمهد لعواقب أخرى وخيمة تتمثل خاصة في شرعنة ضم الأراضي المحتلة، بدءا بالمنطقة «ج».

لقد وضعت إسرائيل فعلا الأسس والبنى التشريعية اللازمة والتي تؤسس لشرعنة الأراضي المحتلة. فقد عمدت إسرائيل منذ مدة طويلة إلى شطب الخط الأخضر الذي أقرته منظمة الأمم المتحدة وضمنته في قرار التقسيم، كذلك فرضت إسرائيل الأمر الواقع في الأراضي المحتلة، غير أن ذلك لم يكف اليمين المتطرف، الذي يشدد على ضرورة اتخاذ خطوات قانونية وتشريعية من أجل ضمان ديمومة الاحتلال. 

لقد قامت إسرائيل أولا ببناء المستوطنات لإيواء أكثر من 700 ألف يهودي وهو العدد الرسمي للمستوطنين اليهود في الأراضي المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية. ظلت إسرائيل تكثف مشاريعها الاستيطانية خلال العقود الماضية من أجل خلق واقع لا رجعة عنه في الأراضي المحتلة بما يمهد لضمها وابتلاعها تدريجيا. 

استكملت إسرائيل هذه المرحلة وبات أن المستوطنين اليهود وأنصارهم قد حققوا نصرا لا لبس فيه في ظل واقع الاحتلال. ترمي إسرائيل من وراء تكثيف المشاريع الاستيطانية بطبيعة الحال إلى إجهاض أي خطة لإقامة الدولة الفلسطينية في الأراضي المحتلة على أساس حدود 1967 وإسقاط حل الدولتين من أي مفاوضات مستقبلية. 

لقد انتصرت إسرائيل وحققت أهدافها المرجوة  في الوقت الراهن على الأقل. تريد إسرائيل الآن أن تشرع القوانين اللازمة من أجل تحصين الواقع الذي فرضته في الأراضي المحتلة والذي تعتبره واقعا لا رجعة فيه وذلك من إفشال أي معارضة لضم الأراضي المحتلة.

هذا هو الهدف الأساسي الذي ترمي إليه إسرائيل من وراء كل القوانين التي شرعتها سنة 2018 في الكنيست والتي تكرس للتمييز. فكل هذه القوانين ترمي إلى التغلب على كل الجهات التي تعارض ضم الأراضي المحتلة. 

لم يكن ممكنا للنظام القانوني أو ما بقي من التيارات اليسارية في المجتمع المدني الإسرائيلي التصدي لمثل هذه القوانين والتشريعات. فقد أعلنت الحرب على كلا الطرفين من أجل إضعافهما وإخضاعهما نهائيا مع اقتراب عملية ضم الأراضي المحتلة. إذا ما تواصلت هذه السياسة فإنه لن تبقى أي مقاومة في المجتمع المدني. 

في الواقع فإن إسرائيل قد بدأت تطبق نظام الفصل منذ مدة طويلة قبل أن تدشن مرحلة خطرة تسعى خلالها إلى أن تشرعن عملية ضم الأراضي. أما أولئك الذين ينكرون وجود نظام الفصل العنصري فإنه لن يكون بإمكانهم أن يخفوا حقيقة هذه الصورة. يزعم هؤلاء أن إسرائيل تختلف عن جنوب إفريقيا الماضية، إذ إنه لا توجد بحسب رأيهم أي قوانين عنصرية أو تشريعات تضفي الطابع المؤسساتي والقانوني على سياسة الفصل التي ظلت تنتهجها الحكومات الإسرائيلية. 

لقد أمكن تمرير بعض القوانين في سنة 2018 فيما تظل مشاريع قوانين أخرى تنتظر المناقشة والمصادقة وهي تقوض ما تردده إسرائيل من مزاعم بأنها دولة ديمقراطية تكرس المساواة. هناك جانب إيجابي في هذه القوانين والتشريعات الجديدة. فقد عرت إسرائيل وأظهرتها على حقيقتها وإنهاء واحدة من أكبر الأكاذيب في التاريخ. لن يكون بإمكان إسرائيل أن تزعم بعد اليوم أنها دولة ديمقراطية، بل الدولة الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط. 

في ظل مثل هذه القوانين، لن يكون بإمكان إسرائيل أن تنزع عن نفسها صفة الدولة التي تكرس الفصل والتمييز. لقد أبانت إسرائيل – مدللة الغرب – عن وجهها الحقيقي. فهي ليست بدولة ديمقراطية أو دولة تكرس المساواة. لن يكون بإمكان إسرائيل أن تزعم بعد اليوم أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط. 

لا شك أن قانون العودة الذي أصدرته إسرائيل سنة 1950 كان واحدا من أوائل القوانين التي تبنتها إسرائيل وهي التي حددت منذ البداية الامتيازات التي تمنحها هذه الدولة لجماعة عرقية من دون سواها على حساب مختلف المكونات الأخرى. لقد وضع قانون العودة منذ قرابة السبعين سنة من الآن من أجل خدمة مصلحة اليهود من دون سواهم. 

ظلت إسرائيل على مدى العقود الماضية تروج لنفسها صورة زائفة حتى تظهر وكأنها تمثل دولة تكرس المساواة. رغم سنوات الاحتلال الطويلة فإنها لم تغير لي أي شيء من هذا الواقع. ظلت إسرائيل تزعم في البداية أن الاحتلال مؤقت وأن الوضع سيتغير وينتهي، وأن هذا الوضع لا يمثل جزءا من الدول الديمقراطية التي تكرس العدالة والمساواة. 

بعد مضي أول خمسين سنة من الاحتلال لم يعد يمكن لإسرائيل أن تظل تكرر مثل هذه المزاعم بعد توطين كل هذه الأعداد الهائلة من المواطنين اليهود للعيش في الأراضي المحتلة، والتي سرقت من الفلسطينيين. 

لقد كرست إسرائيل كل جهودها خلال العقود والأعوام الماضية لبناء مستوطنات جديدة وتوسيع المستوطنات القديمة باسم التوسع الديمغرافي الطبيعي. في الأثناء ظلت إسرائيل تتصدى لكل مقاومة فلسطينية للاحتلال كما ظلت تضيق الخناق على الفلسطينيين حتى تجبرهم على مغادرة البلاد التي تعتبر بلادهم. في سنة 2018، أصبحت إسرائيل تركز كل جهودها على المجال التشريعي من أجل شرعنة الاحتلال وما يترتب عليه من ضم للأراضي المحتلة. 

كانت البداية بقانون يهودية دولة إسرائيل، والذي مرره البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) في شهر يوليو 2018. ويخول هذا القانون الجديد لأي يهودي الهجرة إلى إسرائيل كما أنه يخول للصندوق القومي الإسرائيلي بيع الأراضي لليهود من دون سواهم. يعتبر هذا التشريع الجديد الذي صدر في شهر يوليو الماضي ثاني أهم قانون يكرس دولة الفصل والتمييز، بعد قانون العودة الذي صدر سنة 1950. يمنح هذا القانون الجديد امتيازات كبيرة لليهود، بما في ذلك لغتهم ومستوطناتهم وذلك على حساب حقوق السكان العرب الأصليين. لم يتضمن نص هذا القانون أي كلمة عن العدالة في دولة لا يتجلى فيها أي مظهر من مظاهر العدالة.

لقد وافق البرلمان الإسرائيلي – الكنيست – على بعض القوانين والمبادرات الإضافية التي تصب في نفس السياسة. ففي شهر يوليو 2018، أقر الكنيست قانون التعليم لدولة إسرائيل. في إسرائيل، يسمى هذا التشريع الجديد «قانون كسر الصمت» لأنه يرمي أساسا إلى منع المنظمات والمؤسسات اليسارية من دخول المدارس والتحدث إلى الطلاب. إنه قانون يرمي إلى التصدي لكل مقاومة للاحتلال. 

أقرت إسرائيل هذا القانون الذي يمنح اليهود فقط ممارسة حق تقرير المصير في البلاد. تعتبر إسرائيل أن الهدف من هذا القانون هو «حماية شخصية دولة الشعب اليهودي بحيث تصدر القوانين معبرة عن دولة ديمقراطية يهودية انطلاقا من مبادئ إعلان الاستقلال».

تم أيضا تعديل البنود التي يتضمنها قانون المقاطعة حتى يتسنى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد أولئك الإسرائيليين الذين يعبرون علنا عن دعمهم وتأييدهم للحركة المطالبة بمقاطعة إسرائيل وفرض عقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها. يتيح هذا القانون أيضا بعد إقراره رفع قضايا للحصول على تعويضات ضد أنصار حركة المقاطعة، حتى في حال عدم حدوث أي أضرار اقتصادية. 

قد نصل بعد إقرار هذا القانون إلى مرحلة يحظر فيها تأييد حركة المقاطعة في إسرائيل. قد يمنع أيضا مستقبلا توجيه أي انتقادات للجنود الإسرائيليين أو لتصرفاتهم وما يرتكبونه في الأراضي المحتلة. لقد ازداد الحديث في الآونة الأخيرة عن مثل هذه التشريعات ومشاريع القوانين، التي سيأتي اليوم لإقرارها بسرعة.

قد يتم هذه السنة أيضا تمرير قانون آخر ينص على نقل قضايا الاستئناف التي يتقدم بها الفلسطينيون من المحكمة العليا الإسرائيلية إلى الدائرة القضائية الموجودة في مدينة القدس، حيث يعتقد أن مثل تلك القضايا لن تلقى الاهتمام اللازم.  ينظر الكنيست حاليا في مشروع قانون في قراءة أولية وهو ينص على طرد عائلات الفلسطينيين الذين ينفذون عمليات ضد المستوطنين، وهو ما يفتح الباب أمام فرض عقوبات جماعية على العرب من دون سواهم في الأراضي المحتلة. بل إن هناك من يتحدث عن فرض أحكام بالإعدام على الفلسطينيين المتورطين في مثل هذه العمليات. 

إن الهدوء النسبي الذين بات يسود البلاد في الوقت الراهن قد يخدع البعض. فدولة الفصل والتمييز قادمة لا محالة. 

قام الكنيست الإسرائيلي أيضا بتمرير قانون الإجراءات الذي يرمي إلى تبييض عشرات البؤر الاستيطانية المتقدمة التي أقيمت في الأراضي المحتلة والتي تعتبر غير شرعية حتى في نظر الحكومة الإسرائيلية.

تقرر تجميع مسودة تشريع جديد يعرف باسم «قانون الولاء الثقافي» في الوقت الحالي على الأقل، وهو مشروع قانون يلزم الدولة في إسرائيل بفرض الولاء لإسرائيل كشرط مسبق للحصول على تمويل حكومي للمؤسسات الثقافية والفنية. 

يجب ألا ننظر إلى التشريعات الجديدة التي أقرها الكنيست الإسرائيلي على أنها مجرد قوانين غير ديمقراطية تهدد النظام الديمقراطي مثلما تقول الأوساط الليبرالية الإسرائيلية. إن ما تهدف إليه هذه القوانين مسألة أكثر خطورة، وهي أكثر من مجرد تهديد للديمقراطية. ترمي هذه القوانين إلى فرض المزيد من مظاهر التمييز على المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل وتحويلهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية بالقانون.

تريد الحكومة الإسرائيلية في حقيقة الأمر وضع غطاء قانوني تضفي من خلاله الطابع الشرعي على عمليات ضم الأراضي المحتلة ما وراء الحدود التي أقرتها لمنظمة الأمم المتحدة لدولة إسرائيل. 

في سنة 2018، اقتربت إسرائيل من تحقيق هذه الأهداف. فالهدوء الحالي الذي يسود إسرائيل خادع ولا يعكس الواقع. إن دولة الفصل العنصري قادمة لا محالة. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news