العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

قراءة جديدة في فكر منظِّر صدام الحضارات

بقلم: بول ماي

الجمعة ٢٢ مارس ٢٠١٩ - 01:15

 

صامويل هنتنغتون هو منظر نظرية «صدام الحضارات» التي ظلت تثير حتى اليوم الكثير من الجدل كما كانت منطلقا لتأليف الكثير من الكتب التي تتصدى لما طرحه من أفكار وآراء. لقد طرحت أفكاره في مختلف المنابر والدوائر وحظيت بالكثير من النقاشات المستفيضة. يجب أن نعترف أيضا أن أفكار وآراء صامويل هنتنغتون قد طرحت بشكل خاطئ. فقد تحدث المؤلف في حقيقة الأمر عن «صدام الحضارات» واستشرف المستقبل ونبه إلى قرب عودة الهويات الثقافية بكل قوة. 

ذلك ما يطرحه بول ماي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد، في كتابه الجديد «فلسفة التعددية الثقافية». يخلص المؤلف إلى القول إن صامويل هنتنغتون لم يكن ينتمي إلى مدرسة المحافظين الجدد. 

عاش صامويل هنتنغتون في الفترة بين 1927 و2008 وقد ظلت كتبه وأعماله وآراؤه تثار باستمرار في الدوائر الإعلامية والأكاديمية في إطار تحليل تطورات الأحداث الحالية، مثل الهجمات الإرهابية التي استهدفت عديدا من الدول الأوروبية، مثل فرنسا وألمانيا وإنجلترا وإيطاليا والسويد، إضافة إلى ما يسميه البعض اليوم «الحرب التجارية» ما بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية. 

كثيرون هم المحللون الذين يقدمون قراءة متجنية ومنحازة، بل وخاطئة أيضا في التعبير عن مواقفهم من كتاباته. يجد هذا المفكر والمؤلف والأكاديمي الأمريكي هكذا نفسه التنظير لتفوق الغرب على بقية مناطق العالم وبالترويج لانتهاج سياسة خارجية عدوانية وعدائية والتشجيع على التدخلات في شؤون دول العالم الأخرى. 

في الحقيقة لم يدع صامويل هنتنغتون أبدا في مؤلفات ومقالاته وأفكاره إلى شن حرب صليبية ضد الإسلام والمسلمين على عكس ما يروجه البعض ويوجهون إليه انتقاداته على هذا الأساس. يؤكد المؤلف بكل وضوح أن «الحضارة الإسلامية» تتبوأ مكانة مهمة في العالم المتعدد الأقطاب المستقبلي كما أنه ظل يؤكد أنه يجب على الغرب ألا يتدخل أو أن يفرض قيمه الخاصة باسم «القيم الكونية». 

كان صامويل هنتنغتون يؤيد مبدأ عدم تدخل الغرب في الشؤون الداخلية في بقية دول العالم. فقد كان يعتبر أن تدخل الغرب، باسم حقوق الإنسان والديمقراطية وغيرها، في شؤون الدول النامية في العالم من شأنه أن يزعزع استقرار العالم. 

لو اتبعنا حقا المبادئ التي كان يشدد عليها صامويل هنتنغتون لما اندلعت الحرب في العراق سنة 2003 ولما اندلع النزاع في ليبيا ولما ظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام «داعش» الإرهابي. يجب أيضا ألا نضع صمويل هنتنغتون في سلة واحدة مع أقطاب المحافظين الجدد من أمثال بول وولفويتز أو نورمان بودهوريتس. 

كثيرا ما واجهت الانتقادات الشديدة صامويل هنتنغتون وهي تشكك في حقيقة اعترافه بإيجابية «التعددية الثقافية» في الأوساط الإعلامية والأكاديمية. في الحقيقة، فإن موقف منظر «صدام الحضارات» يعود إلى طبيعة العلاقات الدولية فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة. فقد كان في الحقيقة ينتمي إلى المدرسة الواقعية ويعتبر أن العولمة ستثمر مبادلات إيجابية وتلاقحا ثقافيا، لكنه كان يعتبر في الوقت نفسه أن حركة العولمة من شأنها أن تؤجج التوترات المتنامية ما بين المنظومات القيمية المختلفة والتي تعتبر متجذرة في التقاليد الثقافية المحلية التي فشلت العولمة اليوم في اقتلاعها أو محوها. 

بخصوص هذه النقطة تحديدا، اتهم الكثير من الكتاب صامويل هنتنغتون بالدفاع عن رؤية نمطية متصلبة للحضارات. صحيح أن بعض هذه الانتقادات لا يخلو من أساس ومنطق غير أن أصحاب هذه الانتقادات غفلوا عن معطى مهم في مؤلفات وأفكار منظر «صدام الحضارات». فقد عمل صامويل هنتنغتون على إبراز أهمية المعطى الثقافي في تحليل الظواهر الاجتماعية. 

يعتبر صامويل هنتنغتون أن المعطى الثقافي يتيح التعمق في فهم الأفراد لهويتهم في عصر العولمة ومدى انتمائهم أو تعارضهم مع مجموعة إثنية معينة. ففي معرض حديث عن أوروبا شدد هنتنغتون على أن الأزمة الاقتصادية وتراجع الدولة القومية وتفكك سوق العمل باتت تمثل عقبات هيكلية تعوق اندماج العمالة المهاجرة والتي تعتبر في أغلبيتها الساحقة غير ماهرة وهي تنحدر من بيئة ريفية. 

اعتبر صامويل هنتنغتون أيضا أن الهوية الإسلامية، أيا كانت هذه الهوية، يمكن أن تتحول إلى ما يشبه الملاذ للمهاجرين المسلمين في الدول الأوروبية وهو ما قد يعوقهم عن الاندماج في الغرب، الذي يعرف بقيمه الليبرالية والعلمانية. يعتبر المؤلف أن هذه الجاليات المتقوقعة في هويتها تعتبر أن الغرب يعاني من الانحلال الأخلاقي. 

لم ينظر صامويل هنتنغتون أيضا إلى هيمنة الغرب على بقية دول ومناطق العالم، بل إنه يؤكد، على العكس من ذلك كله، أنه بات يتعين على الغرب أن يتخلى عن نظرة الإثنية المركزية للعالم. فقد كتب يقول في أحد فصول كتابه المثير للجدل: «إن ما يعتبر الغرب قيما عالمية لا تعدو أن تكون قيما غربية صرفة». في ظل الليبرالية السياسية، ينظر الغرب إلى نمط سياسي معين يركز على الفرد أكثر من أي شيء آخر، باسم التحرر من التقاليد. 

على عكس هذه النظرة الليبرالية الفردية الطاغية في الغرب، فإن أغلب سكان العالم يعتبرون أن القيم الاجتماعية المحافظة تستمد شرعيتها من الإرث الديني أو التاريخي المتجذر في عمق المجتمعات والوعي الجمعي للشعوب البشرية.

يعتبر المؤلف أيضا أن قطاعات واسعة من النخب الفكرية والسياسية الغربية لا تخلو من سذاجة، ذلك أنها تتصور أن المهاجرين من ناحية، والشعوب التي كانت تئن تحت نير الاستعمار من ناحية ثانية ستتبنى بأعداد كثيفة ومن دون تردد المشروع الليبرالي التقدمي والحداثي الغربي.

يعتبر صامويل هنتنغتون أن دعوة الغرب إلى ما يسميه «الأخوة العالمية» بمثابة الخطاب الذي يسير في اتجاه واحد. يعتبر المؤلف أيضا أن الفردية الغربية تعتبر استثناء ثقافيا ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تمثل قدرا يسري على كل الإنسانية. 

في هذا السياق تحديدا، يتعين التمعن في دراسة المعطيات المهمة التي تنشرها مؤسسة World Values Survey Association والتي تتخذ من العاصمة السويدية ستوكهولم مقرا لها. تتولى هذه المؤسسة بانتظام متابعة تطور التقاليد والقيم والمعتقدات في أكثر من مائة دولة من دول العالم. 

لقد أظهرت نتائج البحوث التي أجرتها هذه المؤسسة المرموقة عالميا أن الشعوب في الصين والهند وروسيا والدول الإسلامية تتبنى بأغلبية كبيرة «القيم التقليدية»  فيما يتعلق على وجه الخصوص بالعلاقة ما بين الرجل والمرأة، وعمودية السلطة والرؤية الهرمية للبنية والمنظومة العائلية، إضافة إلى هيمنة المجتمع على حساب الفرد. 

يعتبر الغرب أن الولاء للجماعة أو المجموعة قد يعوق تكريس قيم التسامح مع الآخرين. في الحقيقة فإن القيم الفردية والتقدمية، التي تزعم النخب الغربية أنها تحملها، تمثل في الحقيقة أقلية من الناس في العالم. 

يرى صامويل هنتنغتون أن تعددية القيم الأخلاقية في العالم لن تتقلص مع تسارع قطار العولمة. ذكر الكاتب أيضا أن تحول موازين القوى الجيوسياسية في مطلع القرن الحادي والعشرين سيصب في مصلحة القارة الآسيوية، وهو ما يطرح بحسب رأيه، تساؤلات كثيرة حول مستقبل الأفكار وأنماط عيش الأفراد والجماعات، وهي الأنماط والأفكار التي تسود الغرب الذي يعاني اليوم من التراجع الاقتصادي والتقلص الديمغرافي على عكس بقية دول ومناطق العالم الأخرى التي تشهد نموا اقتصاديا وسكانيا مطردا. 

لا شك أنه يمكن انتقاد كتب ومؤلفات وأفكار صامويل هنتنغتون من مختلف النواحي، وهو ما يحدث في الأوساط الأكاديمية والثقافية منذ صدور كتابه «صدام الحضارات»: نذكر على سبيل المثال طريقته المثيرة للجدل في تقسيم العالم وفق الحضارات، وهي عملية حساسة ومعقدة سبقه إليها كل من توينبي وبرودل. يجب أيضا أن نذكر بعض العيوب التي شابت منهجية صامويل هنتنغتون واستهانته وسوء تقديره للتفاوت بين الطبقات الاجتماعية. 

قليلون هم الكتاب الذين أثاروا كل هذا الجدل في العصر الحديث. وحده صامويل هنتنغتون أثار كل هذا الجدل الفكري والأكاديمي وحتى السياسي ضمن عدد من كبار الكتاب والمنظرين الآخرين. رغم ذلك فإن الزوايا التي يتبناها في التطرق إلى مثل هذه القضايا تظل جديرة بالاهتمام. من أجل التعمق في فهم مراحل وعوامل تطور المجتمعات الديمقراطية الحالية. 

‭{‬ المؤلف بول ماي مؤلف عدة كتب أهمها «فلسفة التعدد الثقافي»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news