العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

دراسات

احتمالات نشوب صراع عالمي بعد انسحاب أمريكا وروسيا من معاهدة «القوى النووية»

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الثلاثاء ١٩ مارس ٢٠١٩ - 01:15

انسحاب ترامب من معاهدة القوى النووية يتسق مع النزعة الأحادية للسياسة الأمريكية


تعززت التوترات العالمية بدرجة كبيرة وازداد سباق التسلح النووي، عقب إعلان كل من أمريكا وروسيا تعليق مشاركتهما في معاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، «القوى النووية»، الموقعة بينهما؛ لدرجة جعلت البعض يزيد من احتمالات خطر اندلاع حرب ونشوب صراعات حول العالم.

وأُبرمت المعاهدة عام 1987 بين الرئيس الأمريكي، «رونالد ريجان»، ونظيره السوفيتي، «ميخائيل غورباتشيف»، وألزمت كلا البلدين بعدم صنع أو تجريب أو نشر أي صواريخ باليستية أو مجنحة أو متوسطة، وتدمير جميع منظومات الصواريخ، التي يتراوح مداها المتوسط بين 1000-5500 كيلومتر، والقصير بين 500-1000 كيلومتر، وذلك بجانب إلزامهما بمنع تطوير وإنتاج هذه الفئة في المستقبل. وعلى الرغم من أنها تناولت في الغالب الصواريخ التقليدية؛ فإنها قللت إلى حد كبير من خطر نشوب نزاع نووي بين القوتين العظميين. غير أنها في فترة ما بعد الحرب الباردة، أصبحت في نظر الموقعين عليها، عائقا أمام تحديث قدراتهم العسكرية.

وكان الرئيس «ترامب»، قد برر إعلانه الانسحاب منها بحجة أن روسيا «تقوم بتصنيع أسلحة متطورة جديدة، بينما لا تقوم الولايات المتحدة بذلك». لكنّ مراقبين، رأوا أن هناك أسبابا أخرى من بينها؛ أن موقفه يأتي متسقًا مع النزعة الأحادية المتصاعدة للسياسة الخارجية الأمريكية، بالإضافة إلى تراجع تأثير الحلفاء الأوروبيين على قرارات الإدارة الأمريكية، فضلا عن ممارسة ضغوط على موسكو لتخفيض اختباراتها الصاروخية، والحدّ من إنتاجها للأسلحة الحديثة والمتطورة، ولا سيما بعد قيامها بالترويج لعددٍ منها في السنوات الأخيرة. كما أنه يعود إلى تصاعد حدة التنافس الدولي بينهما، والاعتقاد الأمريكي أن الرئيس بوتين بدأ يستعيد قوة روسيا العظمى على الساحة الدولية، وهو ما لا تريده أمريكا.

لذا، يخشى عديد من المراقبين، في ظل تحرر القوى النووية البارزة من اتفاقيات الحد من التسلح وشروطها التقييدية، أن يؤدي ذلك إلى تأجيج التوترات القائمة بين القوى العظمى في العالم، ونشوب حرب نووية، ولا سيما مع تزايد التوترات بين روسيا وحلف شمال الأطلسي في أوكرانيا وبحر البلطيق، وإعلان الولايات المتحدة تطوير قدراتها النووية في مطلع عام 2018. كما أنه بعد خروج واشنطن من معاهدة الصواريخ الباليستية عام 2002. وعدم رغبتها في تجديد اتفاقية «ستارت» التي تنتهي في عام 2021. وإعلانها الخروج من معاهدة «القوى النووية»؛ تكون بذلك جميع المعاهدات التي تحد من التسلح والتي أُبرمت لإنهاء الحرب الباردة قد ألغيت. وفي هذا الصدد، ذكر «جوناثان ماسترز»، من «مجلس العلاقات الخارجية» أن «العديد من المراقبين انتابتهم مخاوف من تصور احتمالات افتقاد العالم لهذه المعاهدة، لا سيما في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في أوروبا وآسيا، وحينها سنكون أمام سباق تسلح نووي مطلق العنان قادر على زعزعة استقرار دول بأكملها». 

وكما يلاحظ الكثيرون، فإن سباق التسلح قد بدأ بالفعل، حتى قبل الانسحاب من المعاهدة. ففي عام 2014. اتهمت واشنطن، موسكو، بتطوير ونشر نظام صواريخ «كروز طراز 9M729»، الذي يبلغ مداه بين 500 و5500 كيلو متر. واعتبرتها تؤثر على قدرات حلف الناتو. وفى 2015 حذرت صحيفة «الجارديان» من أن أمريكا وروسيا في خطر العودة إلى مرحلة الحرب الباردة، بعد أن حذر تقرير الناتو السنوي، من أن «روسيا وصلت إلى مستويات غير مسبوقة في تطوير قدراتها العسكرية». ومنذ عامين، زاد قلق واشنطن، بعد نشر موسكو منظومة صواريخ أرضية تسمى (Novator 9M729)، يتجاوز مداها 500 كيلومتر.

ومن المرجح أن تقوم روسيا، في ظل وضع تعليق المعاهدة الحالي، بتسريع وتيرة سباق التسلح. ويكمن السبب في انعدام الأمن العسكري الذي عانت منه في فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وأوضح «يوجين رومر» من مؤسسة «كارنيجي للسلام الدولي»، أنه «لولا وجود حلف وارسو والجمهوريات السوفيتية لكانت روسيا في مرمى أسلحة القواعد الأمريكية خلال دقائق معدودة»، وهي التي تم السماح بها وفقًا لمعاهدة القوى النووية المتوسطة المدى. وتعتقد موسكو أن افتقاد ترسانتها لأنظمة صواريخ أرضية متوسطة المدى، يحد من الوسائل المُتاحة أمامها لمواجهة التهديد الأمريكي. لذا، ترغب في تقوية شبكة صواريخها لأغراض دفاعية؛ خاصة فيما يتعلق بسياق زيادة التوترات بين الشرق والغرب حول الحرب الأهلية السورية، وضم روسيا لشبه جزيرة القرم التي تعتبر جزءًا من أوكرانيا وارتفاع العداءات بين دول حلف الناتو.

وبعيدًا عن كونها بمثابة خط دفاعي ضد أي هجمات محتملة؛ ستُساعد أيضًا الصواريخ الأرضية روسيا على فرض سيطرتها الإقليمية، حيث أشار «مالكوم تشالمرز» من «المعهد الملكي للخدمات المتحدة»، إلى أن «استخدام روسيا لنوعية الصواريخ البحرية المتوسطة المدى في سوريا أظهر أنها يمكنها أن تلعب دورًا في الصراعات التقليدية». وتسمح هذه الصواريخ لها بتمديد وتعزيز نفوذها في المناطق المحيطة بها بعيدًا عن سوريا؛ حيث تُختبر قوتها في كثير من الأحيان من خلال منافسة الصين والولايات المتحدة، كما هو الحال في القوقاز وأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى ودول البلطيق. 

ومن المحتمل أن يسهم قيام روسيا بإجراء هذه التوسيعات لأنظمة الصواريخ عقب تعليقها المعاهدة في حدوث رد فعل أمريكي. وهو الأمر الذي شجع عليه صقور التيار المناهض لها في الولايات المتحدة؛ مثل وزير الخارجية الأمريكي، «مايك بومبيو»، ونائب الرئيس، «مايك بينس». وعلى رأس هؤلاء، «جون بولتون»، مستشار الرئيس للأمن القومي، المعروف بمعارضته لأي تقارب مع موسكو، ويرفض التفاوض معها حتى لو أتى ذلك على حساب زيادة احتمالات المواجهة النووية بين الدولتين. ومن الواضح أن حملة التسلح الأمريكية التي سيتم انتهاجها من شأنها أن تزيد من التوترات العسكرية العالمية بشكل كبير. وكانت مجلة «ناشيونال إنترست»، الأمريكية، قد ذكرت في يناير 2019. أن انسحاب أمريكا من معاهدة «القوى النووية»، يفتح الباب لتطوير أسلحة نووية مرعبة، مؤكدة أن «أمريكا تسعى لامتلاك سلاح نووي يمكنه ردع روسيا في الحروب التقليدية».

ومع ذلك، أشار كثير من المحللين، إلى أن العامل الأكثر أهمية وراء انسحاب أمريكا من المعاهدة، هو مواجهة التهديد الصيني المتزايد وليس الروسي؛ خاصة أنها لم تكن ضمن الموقعين على المعاهدة، الأمر الذي جعلها تمتلك ترسانة ضخمة من الصواريخ يتراوح مداها بين 500-5500 كم على مدار سنوات عديدة. ويوضح «أشيش كومار سين»، من «المجلس الأطلسي»، بواشنطن، أن الانسحاب من المُعاهدة سيسمح للولايات المتحدة بالدخول في حقبة جديدة من المنافسة الاستراتيجية مع الصين في مياه المحيط الهادئ والرد على تهديد صواريخها ذات الرؤوس النووية. وتقول «راشيل الياهوس»، من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، إنه، «نظرًا إلى التقدم الصيني في تكنولوجيا الأسلحة وتكدس ترساناتها، فإن تحرير، واشنطن نفسها من التزامات المعاهدة سيكون مفيدا في مواجهتها». واعتبرت مجلة «ناشيونال إنترست»، الأمريكية الخروج الأمريكي من المعاهدة بمثابة «كابوس للصين». وتخلق دينامية المنافسة هذه مسرحا جديدا من التوترات بين القوى الحالية، ما يضاعف من الآثار التي تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الذي سيفرضه انسحاب روسيا من المعاهدة.

وهناك طريقة أخرى يمكنها أن تُصعد من تنافس القوى العظمى، وهي إمكانية عودة ظهور أوروبا على مسرح الخلاف بين روسيا وأمريكا، مثلما كانت طوال فترة الحرب الباردة. وهو الأمر المبني على حقيقة أن تطوير الولايات المتحدة للصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى لن يكون فعالا، مع حاجتها إلى أن تستضيفها الدول الحليفة، والتي تقع مُعظمها بالقرب من روسيا في أوروبا. ويقر «ستيفن بيفر»، من معهد «بروكينجز»، أن «إطلاق صاروخ أمريكي قادر على الوصول إلى روسيا من خلال الأراضي الأوروبية، سيكون عامل حاسم». ولا شك أن موسكو ستنظر إلى هذا التصرف على أنه استفزاز وسينتج عنه شكل من أشكال الرد، يتفاوت في شدته من توجيه صواريخها نحو البلدان الأعضاء في الناتو والقريبة منها حدوديا، مرورًا بتنفيذها ضربة للقواعد الأمريكية في القارة.

ومع ذلك، يتفق معظم المحللين على أن سيناريو استضافة الدول الأوروبية الصواريخ الأمريكية الجديدة هو أمر مستبعد، في ضوء أن «معظم الحكومات الأوروبية، ووسط استرجاع ذكريات ما شهدته خلافات ثمانينيات القرن المنصرم، سوف ترفض هذا الاقتراح بموجب الالتزام بالمُعاهدة». وكما يقول «مالكوم شالمرز»، فإن هناك ردة فعل سياسية داخلية للدول التي استضافت الصواريخ الأمريكية أثناء الحرب الباردة، مع ميل لتفضيل الحوار عن العمل العسكري. وكما لاحظ «ريكليف بيوتين» من مركز «الدراسات الاستراتيجية والدولية» بواشنطن، فإنه، «بالنسبة إلى العديد من الدول الأوروبية، فإن الحد من الأسلحة متأصل في النزعة السياسية لصانعي القرار والعامة على حد سواء». وعلى الرغم من الانتهاكات الروسية، فينظر للمعاهدة باعتبارها ركيزة أساسية للأمن الأوروبي، كما أن الأهمية التاريخية لها تشكل توجهات الرؤى والأفعال بين كل من السياسيين الأوروبيين والمواطنين. 

غير أنه يبقى واضحًا، أن مسار سباق التسلح بين القوى العظمى بعد الانسحاب من المعاهدة، قد لا يسير على النحو الذي توقعه الكثير من المحللين، ويتم عرقلته، لعدة أسباب منها؛ عدم الرغبة في التورط في سباق تسلح طويل الأمد مع واشنطن قد تكون فيه الخاسرة، ولا سيما أن الموازنة الدفاعية الأمريكية تفوق نظيرتها الروسية. وعلى الرغم من أنه من مصلحة موسكو الاستراتيجية تعزيز دفاعاتها الصاروخية وقدراتها الهجومية المناهضة لواشنطن، فإن من المشكوك فيه أنها تملك فعليا القدرة على تلبية هذا الأمر، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها على خلفية العقوبات الدولية والتورط في الحرب السورية وتذبذب الأسعار العالمية للنفط الخام، فضلاً عن ضعف عملتها. وحتى لو أرادت تعزيز ترساناتها الصاروخية، فإنها لن تكون قادرة بنفس الدرجة التي كان يلبيها الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. 

على العموم، قد يكون أمر انسحاب كل من واشنطن وموسكو من معاهدة القوى النووية أمرا مقلقا للغاية، في ضوء أن مسألة امتلاك وتطور الأنظمة الصاروخية ستؤدي إلى تزايد التوترات الراهنة بين القوى العظمى، غير أن الكثير من المحللين استبعدوا وقوع هذه النتيجة؛ بحجة أنه ليس من مصلحة أي من هذه القوى حدوث ذلك. في حين رأى بعضهم أن هذا التصعيد يرجع إلى تبني الرئيس «ترامب»، لنظرية «مادمان» (Madman Theory)، التي ارتبطت بشكل رئيسي بسياسات الرئيس «نيكسون» الخارجية، والذي قام بترسيخ اعتقاد لدى السوفيت بأنه غير عقلاني ومتقلب، وهو ما يجعل القادة الآخرين يتجنبون استفزازه خوفًا من أي رد فعل غير متوقع، وهو ما يتّبعه «ترامب» الآن، حيث يعمد إلى التصعيد والوصول بالأمور إلى حافة الهاوية، ومن ثم يفتح لخصومه فرصة للتفاوض وفقًا لشروط مناسبة له، والشرط المناسب هنا هو إيجاد اتفاق بديل توقّع عليه الصين أيضًا.

وربما يكون الحل الأمثل لهذه الأزمة أن يكون هناك نقاش حول مراجعة المعاهدة، وإمكانية تعديل بعض بنودها، على ضوء المتغيرات الاستراتيجية والتطور النوعي في الصناعة العسكرية في العالم. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news