العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

إيران ومآزق «الإسلام السياسي»

السبت ١٦ مارس ٢٠١٩ - 01:15

بقلم: نيكولا بفاريز 

تسببت الثورة الإسلامية، التي أطاحت بنظام شاه إيران المؤيد للغرب، في زعزعة الاستقرار الإقليمي وإعادة الإسلام السياسي إلى الواجهة مع تأهيل النظام الثيوقراطي الذي يتزعمه الملالي في طهران الذي يحكم البلاد منذ أربعين سنة. 

والآن وبعد مرور أربعة عقود على قيام الثورة الخمينية، فإننا نلاحظ أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لاتزال في قفص الاتهام في نظر المجتمع الدولي كما أنها لاتزال ترزح تحت وطأة الحصار والعقوبات التجارية، رغم أنها استطاعت أن تتمدد في عمق المنطقة العربية، مستغلة في ذلك عديد العوامل التي خدمت مصلحتها، وخاصة منها الأخطاء السياسية والاستراتيجية الأمريكية الفادحة في منطقة الشرق الأوسط.

خاضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية حربا مدمرة ضد العراق على مدى ثمانية أعوام كاملة تركت أثرها الفادح على جيل كامل من الإيرانيين الذين تأثروا بسياسات نظام الملالي في طهران والعقوبات الدولية المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. 

في سنة 2003 أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على غزو العراق، الذي كان يحكمه نظام حزب البعث بقيادة صدام حسين، وقد أدى ذلك إلى سقوط نظام بغداد واحتلال العراق. بعد ذلك انسحبت القوات الأمريكية من العراق سنة 2011، ما خلق حالة من الفوضى والفراغ الذي استغلته إيران من أجل توسيع نطاق نفوذها، كما أدت حالة الفراغ الخطيرة أيضا إلى ظهور ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام «داعش». تغلغل النظام الإيراني، الذي استفاد من الأخطاء الأمريكية السياسية والعسكرية والاستراتيجية الجسيمة فأنشأ ما يسمى «بلاد الشيعستان» الذي يمتد من لبنان وقطاع غزة إلى أفغانستان، مرورا بسوريا والعراق. 

وسعت إيران نفوذها من خلال تدخلها في اليمن وتحالفها مع قطر. استغلت إيران الخلاف القائم بين الرباعي العربي (المملكة العربية السعودية، الامارات العربية المتحدة، مملكة البحرين ومصر) من ناحية وقطر من ناحية ثانية فوطدت علاقاتها مع سلطات الدوحة. 

صحيح أن طهران قد وسعت نفوذها وبسطت هيمنتها في عمق المنطقة العربية، مستغلة أذرعتها المتمثلة في الأقليات الشيعية العربية غير أن الشعب الإيراني على وجه الخصوص هو الذي دفع ثمنا باهظا بسبب ذلك، وأصبحت قطاعات واسعة منه تعاني في ضنك العيش. 

يعتبر المحللون أن إيران تمتلك كل المقومات التي تمكنها من تحقيق الإقلاع الاقتصادي، وتفرض بالتالي نفسها كقوة اقتصادية ناشئة بفضل مواردها الاقتصادية الضخمة، كما أن عدد سكانها يصل إلى 80 مليون نسمة وهم في أغلبهم متعلمون ويعيشون في المناطق الحضرية، إضافة إلى وجود مجتمع مدني ديناميكي، لولا أن سياسات نظام طهران قد أفسدت كل شيء.

تظهر التقارير أن رجال الدين الملالي يستولون على الإيرادات النفطية كما أنهم يهيمنون من خلال الحرس الثوري على مختلف القطاعات التي يقوم عليها الاقتصاد الإيراني. تفاقم استشراء الفساد في المجتمع الإيراني، كما أن البلاد تواجه كارثة بيئية حقيقية ناجمة أساسا عن تسارع ظاهرة التصحر في البلاد. 

جاءت العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على نظام الملالي في طهران ليطلق رصاصة الرحمة على الاقتصاد الإيراني الذي تراجع بنسبة 4% سنويا. 

منذ سنة 1979 أصبح الاقتصاد الإيراني أصغر في حجمه مرتين مقارنة بالاقتصاد التركي وأصغر أربع عشرة مرة مقارنة بكوريا الجنوبية.

أرخت الأزمة الاقتصادية الخانقة بظلالها على الوضع الاجتماعي المحتقن والمتأزم، فقد تفاقمت البطالة واستشرى الفقر علما أن أكثر من 40% من الإيرانيين لا يتجاوز دخلهم اليوم على 10 دولارات أمريكية يوميا. أصبحت البطالة أيضا تضرب أكثر من 20% من السكان وهي تصل إلى نسبة 50% في صفوف الشباب، وهو ما يدفع أكثر من 125 ألفا من خريجي الجامعات إلى الهجرة سنويا إلى الخارج. 

يتخبط الاقتصاد الإيراني في حالة من الكساد وتفاقمت مظاهر الفقر، ما زاد في حالة من انعدام الاستقرار الاجتماعي بسبب ازدياد الإضرابات وأعمال العنف التي تتصدى لها الأجهزة الأمنية الإيرانية بكل شراسة.

وأصبحت قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني تعيش حالة من الاضطرابات، من الكوادر إلى المتقاعدين، مرورا بموظفي القطاع العام والنساء والشباب، علما أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورا كبيرا في تغذية هذه الاحتجاجات - وخاصة منها الانستغرام.

أصبح نظام الملالي في طهران في قطيعة شبه تامة مع الطبقات الوسطى في كبرى المدن الإيرانية، بما في ذلك الأوساط المحافظة والفئات الفقيرة من السكان. لقد عمد كثير من الإيرانيين إلى حد إعادة إحياء طقوس زردشت كشكل من أشكال الاحتجاج ضد فساد نظام الملالي والدوائر الموالية له. 

في الحقيقة، فإن الأيديولوجيات الثورية الإسلامية قد ماتت منذ زمن طويل وهي لم تعش أو تحافظ على بقائها حتى الآن إلا بفضل القمع الذي تمارسه قوات الباسدران المعروفة بشراستها، كراهية الولايات المتحدة الأمريكية. بعبارة أخرى، تؤكد الثورة الإسلامية الإيرانية أو ما بقي منها مأزق أو مآزق الإسلام السياسي. فالإسلام كدين دولة لا يتعارض سواء مع الحرية أو مع المؤسسات الجمهورية على عكس ما قد يروج له البعض في الغرب.

إن النظام الثيوقراطي الحاكم في طهران قد ساعد رجال الدين الملالي على تكديس الثروات وتفقير بقية فئات الشعب الإيراني المغلوب على أمره. يعطي نظام طهران الأولوية للميزانية العسكرية التي رصد لها أكثر من 16 مليار دولار، من أجل مواصلة توسيع نفوذها الامبريالي في المنطقة، الأمر الذي سيزيد في عرقلة التنمية الاقتصادية وتفاقم مظاهر الفقر والبؤس التي تضرب فئات واسعة في المجتمع الإيراني. 

على غرار النظام السوفييتي السابق الذي كان يحكم الاتحاد السوفييتي الذي سقط بسقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة، فإن نظام الملالي الثيوقراطي الحاكم في طهران لن يستطيع الحفاظ على بقائه أو إصلاح نفسه بنفسه من الداخل. لذلك فإن الاستراتيجية التي انتهجها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما كانت مجدية وخطيرة على نظام طهران، لأنها كانت تهدف إلى بناء توافق دولي يرمي إلى احتواء نفوذ إيران وكبح جماح برنامجها النووي، والتعويل بعد ذلك على الشعب الإيراني كي يتحرر من الدكتاتورية التي تحكمهم. 

يعتبر المحللون أن السياسات التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من شأنها أن تجعل الشعب الإيراني يلتف حول الجمهورية الإسلامية. يرى المحللون أيضا أن سياسة ترامب غير منسجمة لأنه يريد أن يبني تحالفا ضد نظام طهران في الوقت الذي يسحب قواته من الشرق الأوسط. 

يذهب المحللون إلى أبعد من ذلك، إذ إنهم يعتبرون أن ترامب يجعل من نفسه – من دون أن يدري، حليفا للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي كما أنه يسهم في بناء أوروبا قوية. فقد أنشأت فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا نظاما ماليا «إنستاكس» من أجل تسهيل المعاملات مع إيران في ظل العقوبات الأمريكية. 

لوفيجارو

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news