العدد : ١٥٠٩٦ - الثلاثاء ٢٣ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٦ - الثلاثاء ٢٣ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

حديث في القهوة والسياسة

بقلم: سارة جيلاني

الثلاثاء ١٢ مارس ٢٠١٩ - 11:16

تعددت أسماء القهوة. فهي القهوة اليونانية عند اليونانيين والقبارصة، وهي القهوة البوسنية عند الشعب البوسني وهي القهوة الأرمينية عند الأرمن وهي القهوة العربية عند العرب والقهوة التركية عند الأتراك وكذلك الأمر عند الكرواتيين والألبان والصرب. 

في منتصف القرن السادس عشر كانت تسمى فقط «قهوة». في تلك الفترة، كانت هذه الشعوب تخضع لحكم الإمبراطورية العثمانية، وهو ما أسهم في زيادة أعداد محبي القهوة من جنوب شرق أوروبا إلى بلاد العرب والفرس. مع بداية القرن التاسع عشر، بدأت الإمبراطورية تعاني من الوهن والتفكك. 

ما لا يعرفه الكثيرون هو أن القهوة قد لعبت دورا في تفكك الإمبراطورية العثمانية التي انتهى بها الأمر إلى الاندثار بعد أن تحولت إلى «رجل أوروبا المريض».

دخلت القهوة إلى تركيا لأول مرة في ظل فترة حكم السلطان سليمان القانوني. فقد اكتشف الرجل الذي أرسله السلطان سليمان القانوني إلى اليمن شرابا يشعر من يشربه بالنشاط والنشوة ويطلق عليه السكان المحليون اسم «القهوة». فما كان من مبعوث السلطان إلا أن جلب معه بعض القهوة إلى البلاط العثماني في القسطنطينية، حيث لقيت رواجا كبيرا وأصبحت حديث الجميع. 

كان الشخص المكلف بالقهوة في قصر السلطان يسمى «الأسطى قهوجي» وقد كان يستعين بعشرات العمال الذين يساعدونه في طحن حبوب القهوة حتى تتحول إلى بودرة شبيهة بالقهوة السريعة التي نتلذذ بشربها اليوم. 

كانت القهوة في عهد السلطان التركي تغلي في أوان خاصة تسمى cezves ليحصل معدها بعد ذلك على شراب مر في نكهته وأسود في لونه تعلوه رغوة كثيفة تتكون عند سكب القهوة بسرعة. كانت القهوة تقدم ساخنة في أكواب من البورسلين. 

يقال إن زوجة السلطان سليمان القانوني كانت تخفف من مرارة القهوة بشرب كأس من الماء مع بعض الحلويات التي كانت رائجة في تلك الفترة من تاريخ الإمبراطورية العثمانية. لا تزال القهوة التركية تقدم حتى يومنا هذا بنفس الطريقة. 

لم يكن الجميع في تلك الفترة يعتبرون أن القرآن يسمح للمسلمين باستهلاك هذا الشراب الجديد - القهوة. رغم أن الآيات القرآنية لم تأت على ذكر القهوة غير أن أحد رجال الدين المتشددين في بلاط السلطان سليمان القانوني قد أصدر فتوى يحرم فيها شرب القهوة غير أن ذلك لم يحد من رواج القهوة. 

تذكر دفاتر التاريخ أن أول مقهى kahvehane قد فتح أبوابه في إسطنبول في سنة 1555 بمبادرة من تاجرين سوريين معروفين في تلك الحقبة. بعد ذلك شهدت المدينة التركية افتتاح ستة مقاهٍ أخرى متفاوتة في حجمها وقد كانت تقدم فناجين إلى مرتاديها. شهدت الأعوام اللاحقة انتشار المقاهي التركية في مختلف الأمصار والأقاليم التي كانت تحكمها الإمبراطورية العثمانية.

أصبحت توفر للرجال فضاءات يلتقون فيها خارج المنزل والمسجد والسوق كما أصبح المقهى يلعب دورا في التعارف الاجتماعي وتبادل المعلومات والترفيه عن النفس والتعلم والتثقف أيضا. 

كان رواد المقاهي من المتعلمين والمثقفين يقرأون آخر الأخبار بصوت عال كما كان كبار أفراد النخبة في القوات التركية يرتادون المقاهي، حيث يتم الترتيب أيضا لأعمال الاحتجاجات التي تنظم ضد حكم السلطان. أما كبار المسؤولين فقد كانوا يناقشون المؤامرات فيما يتبادل التجار الأخبار والشائعات المتعلقة بالحروب والنزاعات. 

أما غير المتعلمين الذين كانوا يشكلون الأغلبية فقد كانوا يستمتعون بالاستماع. كانت المقاهي تمثل أيضا فضاءات لتبادل الأفكار المناوئة للدولة العثمانية مثل التمرد والحق في تقرير المصير وزوال الحكم والانتقال من القوة إلى الضعف في العلاقة بالحاكم.

فطنت السلطة الحاكمة في الإمبراطورية العثمانية إلى الخطر الذي باتت تمثله المقاهي. لقد بلغ الأمر ببعض السلاطين إلى حد نشر عيونهم وجواسيسهم في المقاهي من أجل استطلاع الرأي العام. عمد سلاطين آخرون - من أمثال السلطان مراد السادس الذي حكم في مطلع القرن الثامن عشر – إلى إصدار أوامرهم من أجل المقاهي. كانت المقاهي أيضا مربحة في تلك الحقبة التاريخية. 

تنامت الحركات القومية عبر الأقاليم المترامية الأطراف التي كانت تخضع للإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر. في تلك الحقبة التاريخية، تزامنت تلك التحولات مع ازدياد شعبية المقاهي أكثر من أي وقت سابق. 

في تلك الفترة بدأت الجماعات الإثنية في الأقاليم الأوروبية الخاضعة للإمبراطورية العثمانية، تصعد من تحركاتها ذلك أنها كانت مأهولة بأغلبية من السكان المسيحيين الأرثوذوكس، الذين أصبحوا يطالبون باستقلال بلدانهم عن الإمبراطورية العثمانية.

كان القادة القوميون في تلك الحقبة يضعون خططهم التكتيكية ويقيمون تحالفاتهم في مقاهي المدن مثل ثيسالونيكي وصوفيا وبلغراد. نجحت جهود أولئك القادة في إقامة دولة يونانية مستقلة سنة 1821 كما أقاموا دولتين مستقلتين في صربيا سنة 1835 وفي بلغاريا سنة 1878. عندها بلغت القهوة أوج رواجها. 

أضافت هذه الدول الجديدة نكهات خاصة بها للقهوة. فقد أضاف اليونانيون المستكة في إعداد القهوة، بينما أضاف الكرواتيون حبوب الكراوية بينما اختار العرب إضافة حبات الهيل وتقديمها في فناجين صغيرة من دون يدٍ.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news