العدد : ١٥٠٩٦ - الثلاثاء ٢٣ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٦ - الثلاثاء ٢٣ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

اجتماع وزراء الداخلية العرب: توافقات نوعية لمواجهة تحدي الإرهاب

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١١ مارس ٢٠١٩ - 01:15

شهدت تونس الأسبوع الماضي على مدى يومي الثالث والرابع من مارس الجاري أعمال الدورة السادسة والثلاثين لمجلس وزراء الداخلية العرب، وبالرغم من كونه لقاءً اعتياديًّا يعقد في هذا الشهر من كل عام فإن اجتماع هذا العام قد جاء في إطار تحولات مهمة بشأن واقع التحديات الأمنية العربية عمومًا وفي بؤرتها تحدي الإرهاب على نحو خاص، وهو الأمر الذي عكسته بوضوح كلمات الوفود المشاركة والتي لم تكن مجرد بيانات رسمية ولكنها كانت عبارة عن رسائل عربية متبادلة بشكل صريح ومباشر حول تحديد أسباب وأبعاد المشكلة وآليات مواجهتها، ومن خلال تحليل تلك الكلمات نجد أنها قد أجمعت على خمسة أمور أولها: أن الخطورة لا تكمن في تحدي الإرهاب فحسب بل في ارتباطه بتحديات أمنية أخرى منها: الجريمة المنظمة وغسل الأموال وجميعها جرائم مترابطة، ما يحتم إيجاد رؤية شاملة للتصدي لمخاطرها، وثانيها: أن تحدي الإرهاب لن ينتهي بهزيمته في معاقله بمناطق الصراعات بل يتمثل التحدي الأكبر وفقًا لما أشار إليه الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب في «عودة المقاتلين الإرهابيين من مناطق الصراع وبؤر التوتر» الأمر الذي يحتم الآن وقبل أي وقت مضى «تحديث قاعدة البيانات العربية بشأن هؤلاء المقاتلين» وفق ما جاء بكلمته، وثالثها: توافق المشاركين على أن نجاح جهود مكافحة الإرهاب لا يرتبط فقط بمدى الإمكانيات التي تتوافر لدى أي دولة بدليل أن الدول الأوروبية ذات الإمكانيات الأمنية والعسكرية الهائلة لم تكن بمنأى عن تلك التهديدات وهو ما يتطلب ضرورة استمرار الحذر لرصد التغير النوعي لعمل تلك الجماعات التي لديها القدرة على التأقلم مع استراتيجيات المواجهة بل وظهور سبل جديدة لعمل تلك الجماعات منها ظاهرة «الذئاب المنفردة» ورابعها: أنه بالنظر إلى تطور تحدي الإرهاب ذاته وارتباطه بتحديات أمنية أخرى فإن الأمر يتطلب استراتيجيات شاملة تتضمن جوانب أمنية وقانونية ووقائية، وخامسها: اتفاق جميع المشاركين على أن يكون تعزيز التعاون الأمني أولوية قصوى في ظل الأساليب التي تنتهجها الجماعات الإرهابية وتمكنها من تنفيذ عملياتها مستفيدة من وجود بعض الثغرات في التعاون الأمني العربي.

ومع أهمية ما سبق فقد كانت هناك ثلاثة أمور لافتة الأمر الأول: هو إثارة مسألة الدول التي ترعى الإرهاب باعتبار أن ذلك أحد أهم التحديات التي تواجه الدول العربية في الوقت الراهن وهو ما أشار إليه صراحة الفريق أول ركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية من أن الأطماع التوسعية والدعم الإيراني للإرهاب يستدعي تحركًا عربيًا جادًا، ويتمثل الأمر الثاني في مشاركة الأمين العام لجامعة الدول العربية للمرة الأولى في تلك الاجتماعات بما يعكس توجهًا مهما مؤداه حرص الجامعة على توحيد جهود مواجهة الإرهاب وهو ما أكده السيد أحمد أبو الغيط بالقول «إن هناك توافقا عربيا داخل الجامعة حاليا لتوحيد استراتيجية مواجهة الإرهاب»، أما الأمر الثالث فهو: استعراض وزراء الداخلية في الدول التي تحتدم فيها المواجهات مع الجماعات الإرهابية وخاصة في كل من ليبيا واليمن تجارب دولهم في هذا الشأن وهي تجارب مهمة يمكن البناء عليها لتحديث الخطط العربية المشتركة ضمن مواجهة ذلك الخطر الداهم.

وعلى الرغم من النتائج المهمة التي أسفر عنها ذلك الاجتماع وهي عديدة ومنها مناقشة الخطط المرحلية للاستراتيجيات الأمنية العربية المشتركة وفي مقدمتها الاستراتيجية العربية لمكافحة الإرهاب التي شهدت تطورًا يتلاءم والواقع الراهن لخطر الإرهاب، بالإضافة إلى الاتفاق على تفعيل عدد من الاتفاقيات الأمنية والقضائية العربية والقرارات العربية ذات الصلة بمواجهة الإرهاب أتصور أن ما أكسب ذلك الاجتماع أهمية بالغة هو قناعة الدول العربية كافة بأنه لا سبيل سوى التعاون الأمني وخاصة تفعيل اتفاقيات تسليم المجرمين الذين يسعون لاستغلال الاختلافات بين بعض النظم القضائية في الدول العربية، فضلاً عن تزامن انعقاد ذلك الاجتماع مع حدث مهم وهو إعلان الأمين العام للتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب آلية بناء وتنفيذ مبادراته لمواجهة الإرهاب على الصعد الفكرية والإعلامية والعسكرية ومحاربة تمويل الإرهاب وهو التحالف الذي يعد آلية إقليمية مهمة بإمكانها التكامل مع النتائج التي توافق عليها وزراء الداخلية العرب ومن ثم إمكانية بلورة رؤية موحدة تتكامل مع الجهود الدولية في هذا الشأن، وخاصة أن الاجتماع شهد مشاركة ممثلين عن الإنتربول ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب وغيرها من الجهات الدولية المعنية بمكافحة الإرهاب.

وأتصور أنه بات واضحًا الآن وقبل أي وقت مضى واقع ذلك التحدي الأمني سواء من جانب الجماعات الإرهابية أو الدول التي توفر لها الإيواء والتمويل والتدريب ما يعني أننا أمام معركة محتدمة تتطلب حشدًا لجميع الجهود والتنسيق فيما بينها وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى عدة آليات أراها ضرورية، منها: وضع مؤشرات للقياس ربما يكون من الضروري تدارسها ضمن لقاءات مسؤولي الأمن المعنيين بمواجهة خطر الإرهاب من أجل تمهيد السبيل أمام المزيد من التوافقات خلال الاجتماع السنوي القادم لوزراء الداخلية العرب وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى تجربة التقرير الأوروبي حول مكافحة الإرهاب والذي استغرق إعداده ما يقرب من العامين كتجربة يمكن الاحتذاء بها، فضلاً عن تفعيل آليات تبادل المعلومات حيث إن الضربات الاستباقية الإجهاضية والتي نجحت فيها العديد من الدول بشكل كبير كان من شأنها الحد من تلك الظاهرة التي تعتمد على ثلاثية التخطيط والتمويل والتنفيذ، بالإضافة إلى الدور المهم والمحوري للإعلام الأمني والذي لا يقل بأي حال من الأحوال عن الجهود الأمنية وذلك في ظل ما تشهده وسائل الاتصال الحديثة من تطور وسعي الجماعات الإرهابية للترويج لأفكارها من خلال تلك الوسائل بأشكال عديدة تأسيسًا على أمر مهم مؤداه أن انتهاء الإرهاب جغرافيا لا يعني انتهاءه فكرًا وآيديولوجيا. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news