العدد : ١٥٠٩٧ - الأربعاء ٢٤ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٧ - الأربعاء ٢٤ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

أمريكا تكتشف حدود قوتها

الجمعة ٠٨ مارس ٢٠١٩ - 01:15

عندما تكتشف الولايات المتحدة الأمريكية حدود قوتها السياسية والعسكرية في العالم!

لقد باحت السياسة الخارجية الأمريكية التي اعتمدها الرئيس السابق باراك أوباما ببعض أسرارها وخباياها في الكتاب الذي ألفه مستشاره الدبلوماسي، بن روديس. جاء الكتاب بعنوان «سنوات أوباما في البيت الأبيض» وقد ألفه بن روديس وصدر عن دار سان سيمون للطباعة والنشر في 388 صفحة ويباع بمبلغ 22.8 يورو. 

لعل أهم ما خلص إليه المؤلف في هذا الكتاب هو أن «الرئيس السابق باراك أوباما كان مجرد قوس أمريكي يتجه إلى الراديكالية اليمينية أكثر من أي وقت سابق في تاريخها الحديث». 

خلال الانتخابات التمهيدية التي جرت في سنة 2007. وقع المؤلف في «حب أوباما من أول نظرة». فقد ساد الاعتقاد بأن هناك شيئا جديدا يمكن أن يتحقق في السياسة الخارجية والداخلية في الولايات المتحدة الأمريكية. 

عندما كان في الحادية والثلاثين من عمره، كان المؤلف يشارك في لجان الخبراء المختصين في السياسات الخارجية وقد عمل مع الإدارة الأمريكية في ظل الرئاسة الجمهورية ليبدأ مسيرة الصعود إلى القمة. 

بعد أن خرج بن روديس من دائرة السلطة أصبحت أفكاره واضحة كما أنه بات يتحدث من دون تحفظ أو فلتر عن المفاوضات التي أجرتها الولايات المتحدة الأمريكية مع الكبار في هذا العالم، عالم ما بعد نهاية الحرب الباردة. يتعلق الأمر بعالم العلاقات الدبلوماسية الذي يظل في أغلب الأحيان مغلفا بالسرية ويفتقر إلى الوضوح والشفافية. 

لا يزعم هذا الكاتب أنه من طينة هنري كيسنجر أو في مثل قامة أخرى اسمها زبيغنيو بريجنسكي. فقد عاش الحقبة الدبلوماسية لما بعد سنة 2000. لم يقدم المؤلف نفسه على أنه يمثل العقل المفكر والمدبر بل إنه حرص على أن يقدم نفسه كشاهد على الولايات المتحدة الأمريكية، الأقل حرية، والتي تصطدم بعقبات وعراقيل وتحديات اسمها نفوذ اللوبيات ودوائر المال والأعمال، إضافة إلى الضغوط الناجمة عن الميزانية من دون أن ننسى تعقيدات العالم، عالم ما بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين واندثار الاتحاد السوفيتي. 

يقول المؤلف إن أوباما قد وجد نفسه منذ دخوله إلى البيت الأبيض الأمريكي يتخبط في التركة الكبيرة والصعبة التي ورثها عن سلفه الجمهوري جورج بوش. فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعاني من تفاقم وتراكم الديون بسبب فاتورة الحروب التي خاضتها إدارة جورج بوش في كل من العراق وأفغانستان.

كتب المؤلف يقول: «كانت كل المؤشرات حمراء في تلك الفترة. فقد تسببت أزمة سنة 2000 في زعزعة الاقتصاد الأمريكي في العمق فيما كانت القوات العسكرية الأمريكية متورطة في المستنقع العراقي وأفغانستان. كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعاني أيضا من تداعيات تفكك النظام الدولي وتداعيات هجمات 11 سبتمبر 2001 والتي دفعت إدارة جورج بوش إلى شن الحرب ضد أفغانستان والعراق تباعا». 

قال السيناتور باراك أوباما قبل بضع سنوات من تولي مقاليد الرئاسة سنة 2008: «أنا لا أعترض على كل الحروب بل أقف ضد الحروب الغبية فقط». لقد وجد أوباما نفسه يواجه تداعيات «الحروب الغبية» خلال فترتيه الرئاسيتين. 

لقد اعتبر المحللون والمؤرخون أن تلك الحروب الفاشلة وما نجم عنها من تداعيات وخيمة قد مثلت بداية لنهاية الإمبراطورية الأمريكية، والتي اكتشفت في نهاية المطاف أنها عاجزة عن «خلق واقعها الذاتي» مثلما قال وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، الذي كان أحد مهندسي حربي العراق وأفغانستان. 

لم يكن بن روديس ينوي تأليف الكتاب لو انتصرت مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون في الانتخابات التي جرت سنة 2016 وتولت مقاليد الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، خلفا لباراك أوباما. 

يقول الكاتب: «كانت هيلاري كلينتون تمثل ضمانة لاستمرارية السياسة الخارجية التي انتهجها باراك أوباما. لقد تغير كل شيء عندما انتخب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. لقد أدركت أنني كنت المستشار الوحيد الذي تابع باراك أوباما على مدى فترتين رئاسيتين متتاليتين. لقد أدركت أنه يتعين أن أوضح بعض الأمور بشأن ما قمنا به قبل كل شيء قبل أن يعمد الرئيس الجديد إلى تقويض كل شيء بدعوى التخلص من تركة باراك أوباما». 

يقول المؤلف إن باراك أوباما قد قرأ الكتاب ولم يصحح أي شيء منه تقريبا غير أنه تضايق من بعض الملاحظات، وخاصة تلك التي تتعلق بتباطئه في ضرب الترسانة السورية من الأسلحة الكيماوية. 

يقول المؤلف إن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كان على طرف النقيض مع باراك أوباما وقد كان يسأل مستشاريه عما إذا كان أوباما قد اتخذ أخيرا قراره الذي طال انتظاره بخصوص أحد الملفات التي تهم العلاقات الثنائية بين البلدين ويقول لهم: «هل أنتم متأكدون؟ هل استشار عامل الحديقة في البيت الأبيض أيضا؟». يخلص المؤلف إلى القول بأن أوباما كان مختلفا عن سلفه، جورج بوش الابن، وعن خلفه، الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب. 

هل يمكن أن نلوم باراك أوباما على هذا التباطؤ في اتخاذ القرارات؟ 

بكل تأكيد وخاصة فيما يتعلق بسوريا. رغم أن الوقت كان قد تأخر ولم يعد من ثم بالإمكان تغيير مجريات الأحداث في سوريا إلا أنه كان يتعين على باراك أوباما أن يفي بموقفه الذي تحدث فيه عن الخطوط الحمراء ويعاقب نظام دمشق على استخدامه الأسلحة الكيماوية وتجاوز من ثم الخط الأحمر الذي تحدث عنه أوباما في عديد المرات. لقد تسرع أوباما أيضا في سحب القوات العسكرية الأمريكية من العراق، الأمر الذي ترك الساحة فارغة وقد استغلها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام – داعش». 

اكتفى أوباما بتنفيذ بعض من وعوده الانتخابية ولم يكن من ثم ليكتفي بالعمل على تصحيح الأخطاء الفادحة التي ارتكبها سلفه. فقد عمل على أن يعيد القوة للولايات المتحدة الأمريكية مع «القيادة من الخلف» بدل «القيادة من الأمام». 

كتب المؤلف يقول: «لقد كان باراك أوباما يرى نقاط ضعفنا وقد اعترف علنا بحدود القوة الأمريكية ويعتبر أن واشنطن هي التي وضعت نفسها في موقف صعب لأنها تدخلت عسكريا في الكثير من مناطق العالم». 

لقد كان أوباما يعتبر أنه لا بد من عملية انتقال تتيح للولايات المتحدة الاضطلاع بدور أكثر رصانة في العالم مع الحفاظ على سياسة متعددة الأقطاب في العلاقة مع الدول الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية. بمعنى أنه يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية أن تعلي صوتها من دون أن تقود من الأمام. تلك هي الخطوط الكبرى لنظرية أوباما: «القيادة من الخلف».

استطاع باراك أوباما أن يفوز بفترة رئاسية ثانية في سنة 2012 بفضل سياسة اللا تصعيد التي انتهجها في تعامله مع مختلف الملفات وخاصة تلك التي تخص منطقة الشرق الأوسط، مثل الحرب في سوريا. يعتبر المؤلف أن باراك أوباما قد ترك الولايات المتحدة الأمريكية وهي في حالة جيدة اقتصاديا ودبلوماسيا لكنها متراجعة على مستوى السياسة الخارجية والوضع الاستراتيجي، فيما سجلت روسيا تقدما واضحا في الشرق الأوسط. 

على المستوى الدولي، يمكن القول إن الرئيس الحالي دونالد ترامب قد اكتفى فقط بتسريع عملية الانسحاب العسكري الأمريكي التي كان قد بدأها سلفه باراك أوباما. كتب المؤلف يقول: «كان أوباما يريد أن يحصن الاتفاقيات الدولية ويبرم اتفاقيات جديدة، مثل اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي بين مجموعة 5+1 وإيران». 

يعتبر المؤلف أن أوباما كان يريد تحقيق «الوفاق» مع الخصوم القدامى – كوبا وإيران، والعالم العربي بصفة عامة غير أنه منّي في نهاية المطاف بفشل ذريع وهو ما يؤكده المؤلف. فشل في تحسين أوضاع الفلسطينيين وفشل في تسويق الإخوان المسلمين كبديل للجيش في مصر. 

أراد باراك أوباما أيضا تقليص الوجود الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط من أجل إعادة الانتشار دبلوماسيا وعسكريا ومواجهة التهديد الصيني الجديد. يعتبر المؤلف أن اتجاه إدارة باراك أوباما إلى المحيط الهادي قد جعل الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة الأمريكية يعتبرون أن عصرا تاريخيا مع بلاد العم سام قد انتهى وولى - وخاصة الدول الأوروبية وبعض الدول العربية والخليجية. 

لم يكن يخفى على أحد أن التوتر كان يطغى على العلاقات بين إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما والدول الخليجية، وخاصة المملكة العربية السعودية. لا ننسى أيضا أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما هي التي تخلت عن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك وسعت إلى الانفتاح على عدو الأمس واليوم إيران على حساب الحلفاء العرب والخليجيين التقليديين. 

يبرز المؤلف في كتابه مدى إصرار باراك أوباما على التوصل إلى إبرام اتفاق نووي مع إيران رغم ما يشوب هذه الصفقة من نقائص وثغرات، الأمر الذي أثار سخط الجمهوريين الأمريكيين وإسرائيل وبعض الدول العربية. 

يبرز المؤلف في كتابه مدى نفوذ لجنة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) أقوى اللوبيات اليهودية الموالية لإسرائيل في الساحة السياسية الأمريكية، وهو اللوبي الذي يؤثر اليوم في السياسة الخارجية للرئيس الحالي دونالد ترامب، من فرض العقوبات على إيران، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.

يذكر المؤلف أن إدارة أوباما قد قررت دعم الرئيس الإيراني حسن روحاني لدى انتخابه لأنه كان بحسب رأيه «فرصة للبدء في دفع إيران إلى الانفتاح على العالم الخارجي وتغيير نظام طهران من الداخل. أثارت تلك السياسة التي انتهجها باراك أوباما موجة من الانتقادات والمواقف الرافضة فيما لقيت الدعم من أطراف أخرى، وفي مقدمتها الدول الأوروبية». 

يعتبر المؤلف أن الرئيس الحالي دونالد ترامب قد عمل على تفكيك كل مقومات الإرث الذي تركه باراك أوباما، فانسحب من الاتفاق النووي الإيراني واستبدل سياسة الانفتاح على طهران بالعقوبات غير أن هذه المقاربة الترامبية من شأنها، بحسب المؤلف أن تعزز من الجناح الراديكالي في نظام الملالي في طهران. يخلص المؤلف إلى القول في نهاية كتابه بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد أصبحت قوة نسبية، ما يجعلها اليوم تنكمش وتبدأ في الاتجاه إلى السياسات الحمائية والانعزالية. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news