العدد : ١٥٠٩٧ - الأربعاء ٢٤ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٧ - الأربعاء ٢٤ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

دراسات

الاستمرارية والتغير في الجزائر في ضوء معركة الانتخابات الرئاسية

الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الثلاثاء ٠٥ مارس ٢٠١٩ - 01:15

الرئيس بوتفليقة ترشح لرئاسة الجزائر للمرة الخامسة رغم اعتلال صحته

الاضطرابات الأخيرة قد تفجر أزمة تهدد استقرار الجزائر


تعاني الجزائر في الفترة الراهنة من أزمة احتدمت بين الرئيس الحالي «عبدالعزيز بوتفليقة» الذي حكم الجزائر مدة عشرين عامًا، ومؤيديه من جهة، وبين فصائل الشعب من جهة أخرى، ففي حين أعلن «بوتفليقة» نيته الترشح للانتخابات من أجل الاحتفاظ بمنصبه للفترة الخامسة على التوالي، بتأييد من جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وتجمع أمل الجزائر، والحركة الشعبية الجزائرية- خرج الآلاف إلى الشوارع، ردًا على ذلك في العاصمة الجزائرية ووهران، وسطيف، وعنابة وُمدن أخرى، مُنددين بما يعتقدون أنه امتداد غير شرعي لحُكمه. 

ولهذا يثور التساؤل حول استقرار الأوضاع بإعادة انتخاب «بوتفليقة»، أو دخول الجزائر إلى منعطف تاريخي بتغير النظام الحاكم. ولكل من السيناريوهين السابقين أدلة ومؤيدون، وهو ما يمكن تفصيله فيما يلي: 

«ففيما يخص السيناريو الأول وهو استمرار النظام القائم»، يُعتقد أن الاحتجاجات الأخيرة تهدد بإثارة أزمة وطنية، في ظل الاقتصاد المتعثر، والعدد الهائل من التهديدات الأمنية المنبثقة عن الجماعات الإسلامية المسلحة المنتسبة إلى تنظيم «القاعدة» و«داعش»، على الرغم من توقع بعض المحللين إمكانية تحقيق الاستقرار، حيث سيضمن الرئيس إعادة انتخابه مجددًا في التاسع عشر من أبريل. وهو ما أيدته مجلة «الإيكونومست» البريطانية في تقرير لها بالقول إنه «من المحتمل أن يفوز الرئيس الذي حكم البلاد منذ عام 1999. بفترة رئاسية خامسة»، حيث استندت المجلة إلى أن العملية الانتخابية الجزائرية لن تتمتع بالشفافية، ولا سيما في ضوء استمرار دعم حكم بوتفليقة من قبل الفصائل الحاكمة القوية في البلاد.

ويتوقف استمرار حكم «بوتفليقة» بصورة أساسية على دعم الجنرالات، ورجال الأعمال، والسياسيين، الممثلين للسلطة الفعلية منذ أن أصبح الرئيس يعاني من الاعتلال الصحي إثر إصابته بسكتة دماغية في 2014. والذين من مصلحتهم استمرار النظام القائم لعدم ضمان التوافق مع نظام جديد.

وتخشى النخبة الحاكمة من خروج «بوتفليقة» من السلطة ما قد يدفع إلى الانقسام، وعدم الاستقرار، وخير مثال ما حدث في عام 1988. حيث أدت الانقسامات المتزايدة بين الأطراف المناهضة للنظام إلى حدوث احتجاجات جماهيرية، واضطراب عملية التحول الديمقراطي، وفقدان النظام المؤقت للسلطة، وحدوث انقلاب سياسي، وحرب أهلية راح ضحيتها 200.000 جزائري، وهو ما عرف بـ «العشرية السوداء». وهنا، يقول «طاهر كيلافوز» الزميل في معهد كليوغ للدراسات الدولية في جامعة نوتردام، في مقال نُشر في صحيفة واشنطن بوست: «إن السُلطة (تُريد) أن تُحافظ على الوحدة الداخلية ولديها المُبررات الوجيهة لذلك». وتابع: ومنذ ذلك الحين، ترك إرث «العقد الأسود» آثاره على رؤية السلطة أو النخبة الحاكمة التي باتت تعطي مبدأ الحفاظ على الاستقرار الأولوية على جميع الاعتبارات السياسية الأخرى تقريبًا. كما أشار إلى أن «النظام أعطى الأولوية للوحدة الداخلية واتفق على ترشيح بوتفليقة لتجنب الانقسامات، برغم ظروفه الصحية المتعسرة، لتجنب حدوث سيناريو مماثل».

بالإضافة إلى ذلك لا يزال بوتفليقة يتمتع بشعبية كبيرة بين أغلبية الشعب، على الرغم من الاحتجاجات المستمرة، ويتوقع حصوله على أصوات الجزائريين في الانتخابات القادمة إما خوفًا من الفوضى المتوقعة بعد رحيله، أو اعتمادًا على تراث «بوتفليقة» الوطني. وفي هذا السياق، ذكر مقال كُتب في صحيفة «ذا نيويورك تايمز» حول الانتخابات القادمة: «يقول المحللون إنه سيحظى بتصويت معظم الجزائريين خوفًا من الفوضى التي يُمكن أن يخلفها رحيله». وقال الباحث ونائب مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، حاييم مالكا: «إنه على الرغم من أن بوتفليقة يواجه حاليا مشاكل اقتصادية وأمنية، إلا أن تراثه الذي يُشير إلى أنه أول من حارب في حرب التحرير وملامح سياساته في الحكم بعد ذلك، أسهم في حشد تأييد شرائح واسعة من السكان لصالحه». وأضاف: «أسهمت عملية المصالحة الوطنية، التي تبناها بوتفليقة، في تمتع المواطن العادي بثروات الجزائر، إضافة إلى العفو عن الجهاديين السابقين وإفساح المجال أمام الإسلاميين السياسيين». «علاوة على ذلك، بدءًا من عام 2011 ساعدت مليارات الدولارات في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية في الجزائر على تجنب الاضطرابات المنتشرة على نطاق واسع في معظم شمال إفريقيا».

أما ما يتعلق بالسيناريو الثاني وهو «انتخاب رئيس جديد»، فعلى الرغم من الرأي الذي يتوقع أن بوتفليقة سينجح في تولي فترة خامسة في الحكم، إلا أن هناك بعض التناقضات التي تؤكد أن الاحتجاجات الأخيرة تُشير إلى أن إعادة انتخابه ليست مضمونة، وتُعتبر الاحتجاجات التي شهدتها الجزائر في الوقت الحاضر أكبر احتجاجات حدثت على مر عقد من الزمان؛ وهي انعكاس لتدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة في البلاد التي تزايدت بسرعة في الأشهر الأخيرة؛ حيث قُدرت نسبة البطالة بين الشباب المتعلم بـ 12% في الوقت الحالي، كما أشار البنك الدولي إلى أن نسبة تقارب 10% من الشعب الجزائري عانت من الفقر بسبب معدل التضخم الذي بلغ 5.5% في عام 2017. ومما يضاعف من هذه الظروف استمرار تقلب أسعار النفط العالمية؛ الأمر الذي يُخل بتدفقات الإيرادات الحكومية ويهدد المشاريع الممولة من القطاع العام مثل تطوير البنية التحتية وتوفير الرعاية الصحية.

ويلاحظ أن الاحتجاجات الجزائرية لم تصل رغم تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى حالة ثورات «الربيع العربي»، فلم يطالب المحتجون بتغيير النظام، ولكنهم طالبوا بتغيير رأسه، ويشرح الباحث والأكاديمي طاهر كيلافوز في صحيفة «واشنطن بوست»: «معظم المُحتجين سيكونون راضين حال وجود مرشح آخر». وبشكل آخر:«فالمحتجون يقفون ضد انتخاب رئيس عليل غير قادر على قيادة دفة البلاد لفترة خامسة». 

ونتيجة لتردي الأوضاع، وخروج فئات الشعب الجزائري، منددين باستمرار «بوتفليقة» في الحكم، يمكن أن تنتصر المعارضة ويتولى رئيس جديد الحكم، وهو ما سيكون له نتائجه.

وفي الأخير، يتبدى ما تعيشه الجزائر من افتراق الطرق، فالانتخابات المقبلة أيًا ما كانت نتائجها سيصاحبها أزمة سياسية يُتخوف من أن تكون مثل أزمة «العقد الأسود»، فالاحتمالات المطروحة هي استمرار «بوتفليقة» في الحكم، أو إنتاج الانتخابات المقبلة رئيسا جديدا، ولكل منهما عواقبه. 

ففي حال استمر الرئيس «بوتفليقة» في الحكم، فهناك احتمالية نشوب أزمة قومية مستقبلية، في ظل الاحتجاجات الراهنة، وتعالي أصوات عدد من الشخصيات الجزائرية في الفترة الأخيرة بتساؤل عما إذا كان «بوتفليقة» هو من يحكم البلاد فعليا، وهو ما سيستمر.

وفي فوز مرشح آخر بالرئاسة فإنه سيواجه أزمات متزايدة تهدد بإضعاف البلاد نتيجة لحجم المشكلات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها الجزائر، وهنا يؤكد المحلل الجزائري «عبدالإله بن داودي» في تقرير لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن «من سيتولى الرئاسة سيواجه وضعًا اقتصاديا مليئا بالتحديات والتهديدات المستمرة الناشئة عن الشبكات الإرهابية في ليبيا ومالي، فضلاً عن تزايد الاستياء الاجتماعي بين الشباب العاطل والغاضب». وأضاف: «إن تجمع هذه الظروف والمشكلات يمكن أن يزعزع الاستقرار بدرجة كبرى، لا سيما إذا ظلت المظالم المحلية من دون معالجة».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news