العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

الاستراتيجية الأمريكية وتناقضات الشرق الأوسط

بقلم: مهدي لزعر ‭

الجمعة ٠١ مارس ٢٠١٩ - 11:04

دخلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سنتها الثالثة في السلطة في البيت الأبيض، في وقت اتضحت فيه النظرية «الترامبية»، وخاصة من حيث تداعياتها على السياسة الخارجية الأمريكية والتوازنات الاستراتيجية والجيوسياسية في العالم على المدى القصير والمتوسط والطويل.

تعتبر التداعيات الناجمة عن سياسات الإدارة الأمريكية كبيرة، وخاصة تلك المتعلقة بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط. فالشرق الأوسط هو المنطقة التي بدأت تنسحب منها الولايات الأمريكية منذ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما على وجه الخصوص وهي أيضا المنطقة التي لا تحترم فيها إدارة ترامب بعض حلفائها التقليديين. يجب القول أيضا إن بعض المواقف التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب قد تسببت بدورها في إضعاف النفوذ الأمريكي وخلقت حالة من انعدام الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

كثيرا ما يقال إن السياسات الخارجية التي ينتهجها الرئيس دونالد ترامب غير متوقعة، مهتزة ويصعب أيضا فك شفرتها غير أنه يمكن القول إن الفوضى تبدو وكأنها تطغى على الانسجام في السياسة الخارجية في أعلى هرم السلطة في الدولة الأمريكية. 

في الحقيقة فإن القرارات الأكثر إثارة للجدل التي اتخذها الرئيس ترامب منسجمة تماما مع رؤيتها للعالم والتي ظل يعبر عنها منذ فترة الثمانينيات من القرن الماضي. نذكر على سبيل المثال قرار الرئيس ترامب بالانسحاب من اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي مع إيران وقرار الانسحاب من سوريا وأفغانستان. 

طرح الرئيس ترامب نظريته «أمريكا أولا» وهي قائمة على بعض الأفكار المحورية التي تتركز حول الدفاع عن السيادة الوطنية ورفض الأقطاب المتعددة. منذ دخوله إلى البيت الأبيض أبدى الرئيس الخامس والأربعون ميله للقوة المادية، على حساب القوة الناعمة، والانفرادية في المواقف على حساب النظام الليبرالي الدولي الذي بنته الولايات المتحدة الأمريكية وحافظت عليه منذ أكثر من ثمانية عقود. يركز الرئيس ترامب بالدرجة الأولى على الدفاع عن المصالح الأمريكية الضيقة، معتمدا في ذلك مقاربة مركنتيلية في السياسة الاقتصادية العالمية. 

لقد مثلت المقاربة التي تتعامل بها إدارة الرئيس ترامب مع العلاقات الدولية قطيعة مع تلك العلاقة المتوازنة بين الواقعية والمثالية. اعتبر بعض المحللين أن مقاربة الرئيس ترامب تمثل إلى حد ما عودة إلى تلك الأفكار التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر، والتي يمكن أن نسميها «الجاكسونية»، نسبة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق جاكسون. 

لا بد من القول أيضا إن السياسة الخارجية التي تعمدها الولايات المتحدة الأمريكية كثيرا ما كانت تمليها الاعتبارات السياسية الداخلية. أما بالنسبة إلى دونالد ترامب، فإن مواقفه السياسية الخارجية هي التي أسهمت إسهاما كبيرا في وصوله إلى البيت الأبيض. فقد وجد مساندة كبيرة من الحركة الشعبوية الكبيرة التي ظلت تتنامى في الولايات المتحدة الأمريكية ولم يستطع من ثم التعبير عن رؤيته الجيوسياسية خلال العامين الأولين من فترته الرئاسية. 

لا شك أن المقاربة التي يتعامل بها الرئيس دونالد ترامب مع ملفات السياسة الخارجية – تحت شعار أمريكا أولا – قد تركت أثرا كبيرا على السياسة الخارجية الأمريكية، وعلى التوازنات والتحالفات الجيو سياسية والاستراتيجية العالمية. لاشك أيضا أن مثل هذه المقاربة الأحادية تنطوي على أخطار كبيرة قد تزيد في إضعاف النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص وتزيد من تفاقم حالة انعدام الاستقرار الإقليمي في المنطقة. 

خلال الحملة الانتخابية الرئاسية لسنة 2016 اعتبرت المؤسسة الجمهورية أن المواقف التي كان المرشح دونالد ترامب يعبر عنها سطحية غير أن تلك المواقف ظلت راسخة على مدى عقود. 

رغم أن تلك المواقف كانت ضحلة ومليئة بالديماغوجية فإنها ساعدت دونالد ترامب على استقطاب جزء من الناخبين وإلحاق الهزيمة بمنافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون يوم 8 نوفمبر 2016 ومن ثم الوصول إلى البيت الأبيض الأمريكي. 

لقد كشف دونالد ترامب من خلال حملته الانتخابية عن بعض الفئات المهمشة وغير الممثلة – وخاصة الطبقة العاملة من البيض الذين يواجهون مظالم التفاوت الاجتماعي. ركز دونالد ترامب على استغلال هذه الحركة الشعبوية مع التركيز في نفس الوقت على تنامي سياسة تدور حول مسألة الهوية. لقد تنامت هذه الحركة وازدادت زخما بسبب تزايد الاهتمام بالمصالح المرتبطة بالهوية، إضافة إلى تزايد المخاوف الاقتصادية والاجتماعية. 

لقد ذكر فرانسيس فوكوياما أنه في عديد من الأنظمة الديمقراطية يركز اليسار كل جهوده على النهوض بمصالح فئات اجتماعية عديدة تشمل الأقليات الإثنية والمهاجرين واللاجئين والنساء. أما اليمين فهو ينظر إلى العودة بالخطاب السياسي إلى مفاهيم حماية الهوية الوطنية التقليدية (المرتبطة ضمنيا بالعرق والانتماء الإثني والدين). هذه الظاهرة ليست حكرا على الولايات المتحدة الأمريكية بل إنها موجودة أيضا في بقية الديمقراطيات الغربية. 

عندما انتصر دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية سنة 2016 تأكدت صلابة فئة الناخبين البيض الذي صوتوا بقوة لفائدتهم. لقد استفاد الرئيس ترامب كثيرا من أصوات الناخبين الأمريكيين الذين لم يكونوا يحملون أي شهادة جامعية منذ سنة 1980. 

كان الفارق بين الجنسين فيما يتعلق بالتصويت كان دائما من بين أهم العوامل البالغة منذ سنة 1972. إن نجاح رئيس في الوصول إلى البيت الأبيض رغم تحفظ النخبة الجمهورية يمكن أن يفسر قدرته على تبني خطاب يلقى من يسمعه من دعاة الدفاع عن الهوية الأمريكية والأخطار التي تتهددها بحسب رأيهم – وخاصة منهم الرجال الذين لا يحملون شهادات جامعية والذين ينحدرون من الطبقات الشعبية الدنيا وأبناء الطبقة الوسطى من البيض، إضافة إلى المهمشين وأولئك الذين ملوا الحروب في منطقة الشرق الأوسط والخائفين الذين يخشون كثيرا تبعات العولمة.

لقد توجه المرشح دونالد ترامب بخطابه السياسي والانتخابي إلى هذه الفئات من الناخبين الأمريكيين وهو يركز على مضامين معينة نذكر منها على وجه الخصوص التركيز على الدفاع عن المصالح التجارية الحيوية ومعاداة الهجرة ونفي التغييرات المناخية – لا يزال الرئيس دونالد ترامب يعتمد نفس الخطاب السياسي. 

قد يبدو للوهلة الأولى أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لاستعادة حضورها المؤثر في منطقة الشرق الأوسط والشمال في ظل إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب غير أنها في الحقيقة تواصل نفس السياسة الرامية إلى تقليص وجودها في هذه المنطقة الاستراتيجية والحيوية في العالم. 

في عهد الرئيس السابق باراك أوباما بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تقلص من وجودها المؤثر في الشرق الأوسط وتحول من ثم اهتمامها بالمنطقة الآسيوية. يعود هذا التحول في محور الاهتمام إلى عدة عوامل نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر استقلالية الولايات المتحدة الأمريكية في مجال الطاقة، ومستنقع الحرب في العراق وأفغانستان إضافة إلى فشل ما يسمى الربيع العربي وتنامي نفوذ الصين وقوتها الاقتصادية في العالم. 

لا شك أن تسارع الانسحاب الأمريكي ينبع أيضا من أفكار العزلة التي يتبناها الرئيس الحالي دونالد ترامب والذي يحمل رؤية معينة يشدد من خلالها على الاستماتة في الدفاع عن المصالح الأمريكية أولا وقبل كل شيء. صحيح أن إدارة الرئيس أوباما كانت تسعى لتقليص الحضور في الأطلنطي وتعزيزه في الدول المطلة على المحيط الهادي. رغم ذلك لن تخرج الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كامل من دائرة الصراعات في منطقة الشرق الأوسط وهي تخطط للقيام بذلك بشكل تدريجي وحذر.

في ظل الصعود المفاجئ لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام سنة 2014 اضطرت سلطات واشنطن إلى العودة إلى مسرح العمليات في العراق وسوريا، وتزعم تحالف دولي. 

في يوم 21 ديسمبر 2018 أعلنت سلطات واشنطن أنها ستسحب قرابة نصف القوات الأمريكية البالغ تعدادها 14 ألف جندي من أفغانستان. رغم ذلك فإن مسؤولين أمريكيين يتفاوضون مع حركة طالبان في محاولة للتوصل إلى اتفاق للمصالحة الوطنية، علما أن الجيش الأمريكي قد تجنب في عديد من الحالات سنة 2018 ضرب مجموعات من المقاتلين التابعين لحركة طالبان. 

قبل ذلك كان الرئيس دونالد ترامب قد طلب من البنتاجون البدء في سحب القوات الأمريكية من سوريا. دفع الإعلان عن الانسحاب من كل من أفغانستان وسوريا بوزير الدفاع السابق جيمس ماتيس إلى تقديم استقالته، منددا بتلك الخطوة التي ستضر بحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. 

في الحقيقة فإن ذلك القرار يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية تعترف بأن تغيير نظام الرئيس السوري بشار الأسد لم يعد يمثل أي أولوية بالنسبة إليهم لكن وزير الخارجية السابق ريكس تلرسون قال حينذاك إن القوات الأمريكية ستظل موجودة في شمال شرق سوريا حتى سنة2021 لمنع تنظيم داعش الإرهابي من إعادة تنظيم صفوفه، وكذلك الضغط من أجل إحداث انتقال سياسي في سوريا والحيلولة دون قيام ممر إيراني.

عاد الرئيس الأمريكي ترامب ليعلن منذ شهر مارس 2018 أن القوات الأمريكية ستنسحب «بسرعة كبيرة» من سوريا غير أنه عدل عن ذلك بعدما أقنعه جنرالات بخطورة مثل هذه الخطوة على المنطقة والحلفاء والمصالح الأمريكية نفسها. 

لم يفلح أولئك الذين ينتقدون استراتيجية «القيادة من الوراء» في إقناع الرئيس دونالد ترامب بضرورة البقاء في سوريا. يجب أن نأخذ في الحسبان في قراءتنا لهذا القرار الحسابات السياسية الداخلية والانتخابية الداخلية والتناقضات العلنية والكامنة مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة الأمريكية. 

في الحقيقة فإن الرئيس ترامب يريد من خلال هذه الخطوة الإجهاز على ما تبقى من سياسة سلفه باراك أوباما، الذي وضع استراتيجية «القيادة من الخلف»، ليستبدلها باستراتيجية «أمريكا أولا». يعتبر بعض المحللين أن عدم تعاون تركيا الدولة العضو في الحلف الأطلنطي، التي تقاتل القوات الكردية المدعومة من واشنطن، والتي تخوض معركة ضد تنظيم داعش، قد أسهم أيضا في دفع الرئيس ترامب إلى اتخاذ قراره الانسحاب من سوريا.

بطبيعة الحال شكل القرار الذي اتخذته إدارة دونالد ترامب الانسحاب من سوريا ضربة موجعة للجماعات الكردية التي وجدت نفسها اليوم تعيش من جديد تحت تهديد القوات التركية، خاصة أن سلطات أنقرة تعتبرها جماعات إرهابية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، والذي تطارده تركيا داخل أراضيها وخارجها. 

لا شك أن رحيل القوات الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط يظل جزئيا في ظل استمرار القواعد العسكرية الأمريكية الضخمة لا تزال موجودة في العراق، بل إن إدارة الرئيس دونالد ترامب قد عملت على تعزيز هذه القواعد بشكل غير مسبوق. 

كما أنه من شأن الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا أن يساعد نظام دمشق على بسط نفوذه على المناطق الغنية بالنفط في شرق البلاد على وجه الخصوص. تعتبر هذه المنطقة حيوية بالنسبة إلى نظام دمشق التي ستكون في حاجة إلى الكثير من الموارد المالية لإعادة بناء اقتصادها المدمر جراء الصراعات التي دارت على الأراضي السورية. أما إيران فإنها ستكون مستفيدة بدورها نسبيا من الانسحاب العسكري الأمريكي من الأراضي السورية. فسوريا الحليفة مع إيران ستستعيد السيطرة على مناطق الشمال المرتبطة بالحدود، رغم أن هدف واشنطن هو قطع الحبل السري بين طهران وبيروت في لبنان. 

لا تزال الأزمة قائمة في صلب مجلس التعاون الخليجي ما بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ومصر وبين قطر وهي الأزمة التي بدأت في مايو من سنة 2017. أرخت هذه الأزمة بظلالها على منظومة مجلس التعاون الخليجي ولا يبدو في الأفق أي مؤشر على قرب نهايتها، رغم المساعي الأمريكية والوساطة الخليجية التي قادها أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح. 

عمدت قطر في ظل أزمتها مع الرباعي العربي إلى تعزيز علاقاتها مع إيران، في ظل حالة التوتر الكبيرة في العلاقات بين بقية دول مجلس التعاون الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية من ناحية ونظام الملالي الحاكم في طهران من ناحية ثانية. 

فتحت قطر أيضا أراضيها للجنود الأتراك كما أن نظام الدوحة قد عزز علاقته مع سلطات أنقرة كما وطدت علاقتها مع كبرى القوى الاقتصادية الآسيوية، إضافة إلى كبرى الدول الأوروبية التي ترتبط بدورها بعلاقات متوترة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. في شهر ديسمبر 2018 أعلنت سلطات الدوحة انسحابها من منظمة أوبك. 

تظل الأزمة الخليجية تراوح مكانها في وقت تدعو فيه الضرورة إلى الحفاظ على تماسك هذه المنظومة وتعزيز علاقات الوفاق والتضامن. في الأثناء بدأت بعض الكيانات الإقليمية الأخرى تتشكل في الفترة الماضية، مثل منظمة البحر الأحمر وخليج عدن، وهي المنظمة التي نشأت بمبادرة من عاهل المملكة العربية السعودية، الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود يوم 12 ديسمبر 2018.

يجب أن نذكر أيضا المشروع الأمريكي الرامي إلى إنشاء ما يسمى الحلف الأطلنطي للشرق الأوسط ومبادرة التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط. يخشى أن تؤدي هذه الكيانات التي لا تزال في طور الفكرة والنشأة إلى إضعاف مجلس التعاون الخليجي، الذي لم يتسن له التغلب على أزمته رغم أنه قد مضى على تأسيسه قرابة أربعين سنة. 

لا شك أيضا أن هذه التناقضات والإشكاليات القائمة في المنطقة تعكس مواطن الضعف في الاستراتيجية التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. يعتبر بعض المحللين أن الخلل في الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط يعود إلى تخبط مواقف وسياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب. 

 

‭{‬ مهدي لزعر باحث يحمل درجة الدكتوراه في الجغرافيا من جامعة باريس الأولى بانثيون السربون، كما أنه حاصل على درجة الدراسات المعمقة في الجغرافيا السياسية من المعهد الفرنسي للجغرافيا السياسية وقد ألف وشارك في تأليف العديد من الكتب التي تتناول الكثير من القضايا المهمة مثل عولمة النظام التعليمي والجغرافيا السياسية في منطقة الشرق الأوسط. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news