العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

منتدى ميونخ للأمن.. العالم نحو صراع محتدم

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٢٥ فبراير ٢٠١٩ - 01:15

على مدى ثلاثة أيام خلال الفترة من 15 إلى 17 فبراير 2019 استضافت مدينة ميونخ الألمانية الدورة الخامسة والخمسين لمؤتمر ميونخ للأمن الذي حضره 21 من رؤساء الدول والحكومات و80 وزير خارجية و600 مسؤول رفيع المستوى وعدد من ممثلي الشركات، وكذلك المجتمع المدني، وعلى الرغم من كونه لقاءً اعتياديا سنويا يضم مسؤولي العالم لمناقشة أبرز التحديات الأمنية العالمية وتحديد آليات مواجهتها حيث عقد للمرة الأولى عام 1963 بعنوان «ملتقى العلوم العسكرية» إلى أن تطور بصيغته الحالية فإنه يكتسب أهمية بالغة لثلاثة أسباب الأول: أن المؤتمر يعد منبرًا دوليا مهما وخاصة مع الحرص على ضم الوفود من جميع  دول العالم ضمن ذلك المنتدى الأمني الدولي الذي من شأنه أن يمثل دعمًا لعمل المنظمات الأممية لأنه يبرز التوافقات والاختلافات التي يتعين معالجتها والثاني: أنه في ظل الواقع الدولي الراهن السريع التغير والبالغ التعقيد فإن النقاش المباشر يعد آلية مهمة بدلاً من نقل الرسائل عبر وسائل الإعلام والتي تدخل على خط التفاعل مع الأحداث بما قد يؤدي إلى توتر العلاقات فيما بين الدول، والثالث: أن النقاشات التي تدور في أروقة ذلك المنتدى لا تعكس واقع التحديات الأمنية العالمية فحسب بل إنها توضح واقع توازن القوى العالمي سواء من حيث مسار النظام العالمي الراهن ذي الطابع التنافسي، فضلاً عما يتضمنه من تحالفات في سبيلها نحو التطور.

وتأسيسًا على ما سبق ومن خلال متابعة فعاليات المؤتمر يلاحظ أن الخلافات كانت سمته الأساسية ابتداءً بالخلاف الأمريكي - الأوروبي حول الأزمات الإقليمية. ففي الوقت الذي أكد فيه بات شاناهان وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة أن «التحالف الدولي ضد داعش سوف يتوسع وسيصبح أقوى» فقد اعتبرت الدول الأوروبية أن السياسة الأمريكية ربما تتضمن تناقضًا حيث لا يتسق ذلك والقرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا الذي اعتبرته بعض الدول الأوروبية تعزيزًا لكل من روسيا وإيران مرورًا بتجدد الخلاف الأمريكي - الأوروبي حول مدى التزام الدول الأوروبية بنفقاتها الدفاعية ضمن حلف الناتو بل الأهم هو إطلاق الحلف تقريرًا على هامش المؤتمر يتضمن أبرز التحديات التي تواجهه في ذكرى مرور سبعين عامًا على تأسيسه وكان لافتًا أنه من بين تلك التحديات «عدم التزام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمبادئ الحلف» الأمر الذي حدا بالمستشارة الألمانية إلى دعوة الرئيس الأمريكي إلى «تبني نبرة أكثر عقلانية في حديثة عن الشراكة مع أوروبا»، وانتهاء بالخلاف حول إيران، ففي الوقت الذي طالب فيه مجددًا مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي الدول الأوروبية بالتخلي عن الاتفاق النووي الإيراني، مشيرًا إلى أن «إيران تسعى لتنفيذ محرقة جديدة بحق الإسرائيليين» لوحظ محاولة بعض القادة الأوروبيين الاتفاق مع الولايات المتحدة بشأن مخاطر التجارب الصاروخية الإيرانية إلا أنهم أبدوا تمسكهم بالاتفاق النووي الإيراني وهو الأمر الذي كان أكثر وضوحًا في تصريح فيديريكا موجريني مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي من أن «الاتحاد لديه عزم على التطبيق الكامل للاتفاق النووي».

وعلى الرغم من تلك التباينات التي عكست خلافات حادة بين الدول الكبرى بشأن عدد من التحديات التي تمثل تهديدًا للأمن العالمي والإقليمي على حد سواء فإن المؤتمر قد شهد تسليط الضوء على تحدي الإرهاب سواء من حيث عرض جهود بعض الدول لمكافحته أو تحديد مصادر الإرهاب وقد كان لافتًا مشاركة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي كرئيس لدولة من خارج الإطار الأوروبي، تلك المشاركة التي كانت مهمة للغاية ليس فقط لعرض وجهة النظر المصرية بشأن تهديدات الأمن الإقليمي والعالمي بل في ظل رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي بما يعنيه ذلك من عرض أجندة التحديات الأمنية التي تواجهها قارة إفريقيا في الوقت الراهن وفي مقدمتها تحدي الإرهاب، من ناحية أخرى فإن المؤتمر كان فرصة سانحة لمحادثات مباشرة بين الأمين العام لحلف الناتو والمسؤولين الروس ضمن محاولات الحلف لإنقاذ انهيار معاهدة الحد من الصواريخ النووية المتوسطة والقصيرة المدى.

ومع أهمية ما سبق وعلى الرغم من أن المؤتمر كان فرصة مهمة لتسليط الضوء على أبرز تحديات الأمن العالمي فإنه لم يتم التوصل إلى آليات محددة لمواجهة تلك التهديدات في ظل التباين الشديد بين الأولويات والمنطلقات بما يعنيه ذلك من أن العالم يتجه بوتيرة أسرع نحو المزيد من الصراع وهو الأمر الذي أشار إليه صراحة فولفجانج إيشينجر رئيس مؤتمر ميونخ للأمن والذي قال في نهاية المؤتمر «إنه تم الاستماع إلى ماهية المخاطر والتهديدات من دون وضع خطوات محددة يمكن أن تؤدي إلى تحسين وجهات النظر القاتمة للعالم في الوقت الراهن» ويعني ذلك أن احتمالات الصدام بين القوى الكبرى ستظل قائمة ليتوارى مفهوم الأمن التعاوني لصالح الأمن الاستراتيجي الذي يرتكز على القوة العسكرية، وبرأيي أن التصدي للتحديات الأمنية العالمية الراهنة يظل مرتهنًا بتطورات ثلاثة مهمة الأول: واقع التوافقات داخل المنظومة الأوروبية ذاتها وخاصة بعد الانسحاب البريطاني بشكل أكثر تحديدًا ما هو الدور الذي يراه الاتحاد لذاته في ظل تأكيد مسؤولية غير ذي مرة على مسألة الهوية الأوروبية ليس أقلها ارتداء رئيس المؤتمر قميصًا أزرق اللون خلال المؤتمر عليه شعار الاتحاد الأوروبي في تأكيد جديد على أن الاتحاد الأوروبي سيظل قويا، والثاني: مدى إمكانية حدوث توافق أمريكي - أوروبي حول القضايا الخلافية فيما بينهما والتي من شأنها ليس فقط إطالة أمد الأزمات الإقليمية بل إنها تمثل ثغرات للدول والجماعات من دون الدول للاستمرار في زعزعة الأمن الإقليمي، والثالث: التصورات التي يتم تداولها للأمن الإقليمي ومدى وضوحها وأطرافها المعنية والأهم الأهداف التي تسعى لتحقيقها وآليات ذلك.

وأتصور أن التحدي الأكبر أمام دول العالم في الوقت الراهن هو مدى قدرتها على إيجاد مناطق التقاء مشتركة لمواجهة تحديات أمنية لن تكون أي دولة بمنأى عن تداعياتها. 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز

 البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news