العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

الخروج من الفوضى في الشرق الأوسط المدمر

تأليف: جيل كيبل

الجمعة ٢٢ فبراير ٢٠١٩ - 01:15

«الخروج من الفوضى، أزمات المتوسط والشرق الأوسط» هو عنوان الكتاب الجديد الصادر خلال الفترة الماضية عن دار جاليمار الفرنسية للنشر لمؤلفه جيل كيبل، وهو أكاديمي بجامعة باريس للعلوم والآداب ويدير كرسي الشرق الأوسط والمتوسط بدار المعلمين العليا وقد نشر حتى الآن أكثر من خمسة عشر كتابا تتمحور حول العالم العربي المعاصر والضواحي الباريسية والمهاجرين المسلمين في فرنسا وقد ترجمت إلى أكثر من لغة. 

«لقد شهدت منطقة الشرق الأوسط عامة، والعالم العربي على وجه الخصوص، منذ سنة 1973 أسلمة متواصلة وتناميا للسياسة، وهو ما أدى بعد ذلك إلى تفريخ الظاهرة الجهادية والتيارات الدينية المتطرفة التي ألحقت الضرر بدول المنطقة، كما طالت الغرب نفسه خلال العشرية الأخيرة، على وجه الخصوص، انتقلنا من شعارات الديمقراطية الكونية الحالمة التي أفرزها ما يسمى «الربيع العربي» إلى مرحلة أخرى سادها التطرف والإرهاب، وصولا إلى داعش والحرب الأهلية. لقد استوطنت الفوضى اليوم حوض البحر الأبيض المتوسط».ارتكز المؤلف على معرفته المتراكمة الكبيرة بالشرق الأوسط والعالم العربي على مدى أكثر من أربعة عقود، كما أثرى كتابه ببعض الخرائط التي لم يسبق نشرها لمساعدة القارئ على فهم الشرق الأوسط والعالم العربي بين الماضي والحاضر. 

كانت مصر وسوريا خلال العقود الماضية، وقبل إبرام معاهدة كامب ديفيد سنة 1979 تريدان أن تستعيدا الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل خلال الحروب التي خاضتها ضد العرب، وخاصة حرب 1948 (النكبة العربية) وحرب الأيام الستة في يونيو 1967 (النكسة العربية).

في الأثناء ظلت الأنظمة الخبراء والشعوب العربية يرفعون دائما شعار «المركزية الاستراتيجية» للصراع بين إسرائيل والعرب وقد مثلت القضية الفلسطينية العمود الفقري في هذا الصراع بين العرب وإسرائيل. 

كثيرة هي الكتابات والتحليلات والبحوث والدراسات التي تعتبر أن مستقبل منطقة الشرق الأوسط برمتها يتوقف على إنهاء الصراع بين العرب وإسرائيل وإيجاد تسوية عادلة ودائمة وشاملة للقضية الفلسطينية. 

الشرق الأوسط هي أيضا المنطقة الاستراتيجية التي يعتمد عليها العالم في تلبية حاجياته الحيوية من النفط. كانت المنطقة العربية خاصة، والشرق الأوسط بصفة عامة، أحد أهم المسارح التي دارت فيها الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية والاتحاد السوفيتي من ناحية ثانية. 

ماذا عن حالة الشرق الأوسط في خريف سنة 2018؟ يحتفل العالم، من واشنطن إلى موسكو ومن أوروبا إلى العالم العربي بالذكرى الأولى للهزيمة التي لحقت بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام (داعش)  تلك الحركة المتطرفة التي ألحقت دمارا عارما بمنطقة الشرق الأوسط والشمال الإفريقي، كما وجهت ضرباتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبعض البلدان الأوروبية وعدة دول إفريقية.

لقد تسببت الأحداث وحالة انعدام الأمن والاستقرار في إلحاق أضرار ودمار كبير في عديد من الدول العربية، وخاصة سوريا وليبيا واليمن. أمكن في نهاية المطاف طرد تنظيم داعش من الموصل في شهر يوليو 2017 إضافة إلى بقية المناطق العراقية الأخرى التي كان يوجد فيها، كما أمكن طرد هذا التنظيم الإرهابي من الرقة وعدة مدن أخرى في سوريا في شهر أكتوبر سنة 2017. 

خرجت سوريا مدمرة بعد سبعة أعوام من الحروب المتعددة الأطراف والأجندات. بدأ العراق أيضا يستعيد بعض الاستقرار والأمن بعد سنوات من الحروب الداخلية والخارجية. أما الصراع التاريخي بين إسرائيل والفلسطينيين فقد أصبح يعاني من التهميش لتصبح القضية الفلسطينية أكبر متضرر من الأحداث والحروب والنزاعات في العالم العربي والشرق الأوسط. 

أدت الأحداث والحروب والصراعات التي نشبت في السنوات الماضية إلى تأجيج النعرات الطائفية وهو ما زاد في إثخان المنطقة العربية الجراح الغائرة التي لا تزال تنزف حتى اليوم ليزداد الشرخ التاريخي وفق الاعتبارات الدينية والطائفية. بدأ النفط أيضا يفقد أهميته، على عكس الأهمية الكبيرة التي كان يمتاز بها الذهب الأسود في السبعينيات على وجه الخصوص. 

كتب المؤلف يقول: «ما الذي حدث؟ ما الذي تغير؟ لماذا يختلف العالم في وضعه الحالي وما الذي جعله لا يشبع بأي حال من الأحوال العالم الذي كان قائما في سنة 1973؟ لقد عاشت المنطقة العربية بين سنة 1973 والوقت الراهن؛ أي سنة 2018 ما لم تعشه أي منطقة أخرى من العالم».

لقد ظلت المنطقة العربية على مدى أكثر من أربعة عقود (45 سنة على وجه التحديد) تتخبط في سلسلة من الحروب والصراعات المدمرة، التي خلفت جراحا تنزف حتى اليوم، فضلا عن الحروب الأهلية، كما حدث في الجزائر واليمن ولبنان وليبيا وسوريا والسودان، إضافة إلى التدخلات الخارجية والكوارث والمآسي الداخلية، وهو ما وفر مادة دسمة للأكاديمي والمفكر والباحث الفرنسي جيل كيبل الذي أصدر مؤخرا كتابا بعنوان «الخروج من الفوضى» يشخص فيه الأوضاع العربية الراهنة ويتلمس فيه سبل الخروج من الفوضى الراهنة التي تتخبط فيها الدول العربية على كل الأصعدة. 

ظل جيل كيبل على مدى العقود الماضية يطوف دول ومناطق العالم العربي يغطي كل المآسي والكوارث التي ضربت الشرق الأوسط ويشخص المشاكل والتحديات التي ظلت تواجه العالم العربي والشرق الأوسط في كل تعقيداتهما. يركز كتاب «الخروج من الفوضى» على التطورات وأمهات الأحداث التي شهدها العالم العربي الإسلامي، حيث تتداخل الجوانب الشخصية الخاصة برؤية المؤلف ووجهات نظره مع التحليلات العميقة للتاريخ الحديث والمعاصر. 

يسهب المؤلف في كتابه في تحليل الأحداث الداخلية والخارجية المتداخلة في منطقة الشرق الأوسط، مستعرضا أهم المحطات مثل الغزو السوفيتي لأفغانستان ونهاية الحرب الباردة وهي الأحداث والتطورات التي رسمت الوضع الذي أصبح عليه العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط. 

يعتبر المؤلف أن نقطة البداية المفصلية بين سنتي 1973-1979 التي شهدت ما يسميه جيل كيبل «أفول شمس التيار القومي العربي العلماني» بسبب ما تكبدته التجربة القومية العربية من انتكاسات والفشل المتكرر وهو ما خلف حالة فراغ كبيرة استغلتها التيارات الدينية الرجعية التي أصبحت توظف الدين في خدمة الأغراض السياسية. يتحدث المؤلف أيضا عن الصدام الذي حدث بين التيار القومي والإسلامي وهما التياران اللذان يحملان رؤيتين مختلفتين ومتباينتين للدولة والمجتمع من أجل السيطرة على المنطقة. 

أسهمت الثورة التي قادها آية الله الخميني وأطاح من خلالها بنظام شاه إيران الموالي للغرب في إعطاء دفعة قوية للتيارات الدينية الراديكالية في المنطقة كما تسببت تلك الثورة في تأجيج النعرات الطائفية السنية والشيعية، وهي النعرات التي لا تزال على أشدها حتى اليوم، ذلك أن نظام طهران يوظف الإسلام السياسي الشيعي كأداة لتنفيذ أجندته والتغلغل في المنطقة العربية.

يعتبر المؤلف في كتابه أن دائرة العنف في العالم العربي والشرق الأوسط قد بدأت منذ سنوات السبعينيات. يرى المؤلف في هذا الصدد أن عاملين اثنين على وجه الخصوص قد تسببا في تفاقم دائرة العنف والصراعات؛ الطفرة النفطية الناجمة عن ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق وتفاقم الإسلام السياسي العنيف. 

يعتبر المؤلف أن هذين العاملين المذكورين أعلاه هما اللذان رسما ملامح وهيكلا العقود الخمسة الماضية، ما يعني بعبارة أخرى جيلين كاملين من الزمن. وصلت ذروة الإسلام السياسي المدمر، بحسب المؤلف، في استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام -داعش - يوم 14 يونيو 2014 على مدينة الموصل في بداية شهر رمضان في تلك السنة وإعلان الخلافة. 

يوحي العنوان الذي اختاره المؤلف لكتابه الجديد بأنه يمكن الخروج من الفوضى الراهنة التي يتخبط فيها العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط. يعتبر المؤلف في هذا الصدد أن السياسة والسياسيين هم المطالبون بالخروج من الفوضى.

يرى المؤلف أن مشكلة فهم الأزمات التي تعصف بدول حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط إنما تنبع إلى حد كبير من سوء فهم الجذور التاريخية البعيدة والقريبة التي تغذي هذه الصراعات.

ركز المؤلف على الأحداث والتطورات التي جدت مؤخرا في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، وهي سقوط دولة الخلافة المزعومة (داعش)، وانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني بقرار من إدارة الرئيس الراهن دونالد ترامب، إضافة إلى هزيمة المعارضة السورية، والفوضى العارمة والدمار الذي نجم عن «الربيع العربي» المزعوم. 

يقول المؤلف جيل كيبل: «إن الأعوام الأربعين الماضية هي أيضا تاريخي الشخصي. لقد عملت كمحلل وكنت أيضا شاهدا على الأحداث التي شهدها العالم العربي والشرق الأوسط. لقد كدت أكون ضحية في خضم هذه الأحداث الجسيمة، ذلك أن تنظيم «داعش» أهدر دمي وحكم عليّ بالإعدام. 

يعتبر المؤلف أن الطفرة النفطية التي شهدتها فترة السبعينيات من القرن العشرين قد تزامنت مع تنامي الإسلام السياسي في ظل الفراغ الكبير الذي خلفه انحسار التيارات القومية والعلمانية التي سادت العقود الماضية. يرى الكاتب أن النكسة العربية الكبيرة التي نجمت عن هزيمة شهر يونيو 1967 ضد إسرائيل قد خلقت حالة الفراغ التي أسهمت في تنامي الاسلام السياسي الذي مثل في نظر الكثرة ردة فكرية في المجتمعات العربية.

يرى المؤلف في أحد فصول كتابه أن روسيا بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين تنتهج سياسة استراتيجية تتسم بكثير من النضج وبعد النظر والقراءة الجيدة للواقع الجيوسياسي والاستراتيجي، على عكس الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والتي ظلت تراكم الأخطاء خلال فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة. 

يرى المؤلف أن السياسة التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير واضحة ويصعب قراءتها لما تتسم به من تخبط ونزعة للانعزال، مع رفع شعار أمريكا أولا وقبل كل شيء آخر. تعتبر أوروبا وبقية الدول الواقعة جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تلعب دورها القيادي في العالم. تظل أوروبا غير قادرة على تعويض الدور الأمريكي بأي شكل من الأشكال، وخاصة أنها تواجه أزمة مؤسساتية وأزمة أخرى ناجمة عن المهاجرين واللاجئين. 

يعتبر المؤلف أن تجربة الاتحاد الأوروبي تواجه اليوم تحديات كبيرة قد تتفاقم في المستقبل. فالمؤسسات الأوروبية أصبحت اليوم غير قادرة على بناء سياسة منسجمة ومساعدة بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط والمنطقة العربية على الخروج من أزماتها. 

أما البلدان المطلة على جنوب وشرق حوض البحر الأبيض المتوسط فهي تكاد تكون امتدادا لأوروبا التي تواجه اليوم ضغوطا وتحديات متزايدة كما أن الصراعات والمشاكل والحرب التي تهز دول الشرق الأوروبي والمنطقة العربية لها تداعياتها المباشرة وغير المباشرة على بلدان الاتحاد الأوروبي.

تجلت هذه التحديات في خضم موجات اللاجئين التي تدفقت على أوروبا وهو ما أثار انقسامات في المواقف بين الدول الأوروبية، وخاصة بين ألمانيا التي استقبلت مئات الآلاف من اللاجئين، ودول أخرى مثل المجر وإيطاليا التي شهدت صعود حكومة يمينية معادية للأجانب والمهاجرين. 

تشهد الدول الأوروبية تنامي الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة، من رحم الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى ازدياد تدفق أعداد اللاجئين والمهاجرين بسبب الحروب والصراعات والأزمات التي تعصف بدول العالم العربي والشرق الأوسط. يحذر المؤلف والعديد من المحللين والمفكرين من أمثاله من إمكانية أن تؤدي هذه المشاكل والتحديات المتنامية إلى انفجار الاتحاد الأوروبي، وخاصة بعد خروج بريطانيا.

في الأثناء تواصل القوة الصينية صعودها حتى باتت تهيمن على الاقتصاد العالمي، وهو ما يضع أوروبا أمام تحد اقتصادي آخر كبير. كرست الصين تنامي نفوذها الاقتصادي في العالم من خلال إحياء طريق الحرير. تريد الصين أن تعزز حضورها في منطقة الشرق الأوسط وتأمين إمداداتها من النفط وتعزيز قوتها المالية حتى تتمكن من لعب دور الحكم. تكتفي الصين في الوقت الحالي بتعزيز نفوذها الاقتصادي، من دون السعي إلى تقوية نفوذها السياسي والعسكري في العالم، مستفيدة من تراجع الدور الأوروبي الملحوظ.

يعتبر المؤلف أن الغرب قد ارتكب أخطاء فادحة في تحليل الأحداث الأخيرة واعتقد واهما أن ما يسمى «الربيع العربي» سيدخل العالم العربي أخيرا وبعد طول انتظار إلى عالم الديمقراطية وسيجنبه من ثم الثنائية التي ظلت قائمة حتى الآن:  إما الديكتاتورية وإما الفكر الإرهابي المتطرف. يقول المؤلف إن العالم العربي خرج من الأحداث الأخيرة ضعيفا ومفككا بعض أن غرق في خضم الفوضى العارمة، وخاصة في سوريا والعراق وليبيا واليمن.

يعتبر المؤلف أن العراق وسوريا وليبيا على وجه الخصوص قد غرقت فيما يسميه «الجيل الجهادي الثالث». فهو يعتبر أن الجيل الجهادي الأول قد ولد في أفغانستان سنة 1979 قبل أن يمنى بفشل ذريع في الجزائر. 

أما الجيل الجهادي الثاني بحسب المؤلف فهو مرتبط بتنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن وهو جيل انتقل من العدو القريب إلى العدو البعيد؛ أي الغرب وهو ما مهد لهجمات 11 سبتمبر 2001 والتي استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية. 

‭{‬ جيل كيبل أكاديمي بجامعة باريس للعلوم والآداب وهو يدير كرسي الشرق الأوسط والمتوسط بدار المعلمين العليا وقد نشر حتى الآن أكثر من خمسة عشر كتابا تتمحور حول العالم العربي المعاصر والضواحي الباريسية والمهاجرين المسلمين في فرنسا وقد ترجمت إلى أكثر من لغة في العالم.

يعتبر المؤلف أيضا من كبار المختصين في شؤون الإسلام والعالم العربي وهو يتعمق في هذا الكتاب في تحليل التاريخ المعاصر في منطقة تعيش في حروب وصراعات وتوترات متواصلة. 

تعود الصورة الأولى إلى فصل الخريف من سنة 1973. ففي شهر أكتوبر من تلك السنة نشبت الحرب بين إسرائيل ومصر وسوريا من ناحية ثانية، مع نهاية عقد السبعينيات من القرن العشرين أبرمت مصر وإسرائيل معاهدة كامب ديفيد للسلام كانت حرب أكتوبر 1973 آخر مواجهة عسكرية مسلحة شاملة بين الجيوش العربية وجيش شاحال الإسرائيلي من ناحية ثانية. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news