العدد : ١٥٠٩٣ - السبت ٢٠ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٣ - السبت ٢٠ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

صدام المصالح بين أمريكا والصين

بقلم: جدعون راكمان 

الجمعة ٢٢ فبراير ٢٠١٩ - 01:15

 

 

أشعل الرئيس دونالد ترامب فتيل الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين اللتين تعتبران أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم غير أن هذه المواجهة المتصاعدة أكبر من مجرد نزاع تجاري. 

تتهم شريحة واسعة من النخبة السياسية في واشنطن الصين بعدم احترام «قواعد» اللعبة الاقتصادية في العالم. بعبارة أكثر وضوحا، تريد الولايات المتحدة الأمريكية في حقيقة الواقع كبح جماح الصين واحتواء صعودها الصاروخي لأنها تمثل منافسها الرئيسي التي تعتبر أيضا القوة الاقتصادية المهيمنة في القرن الحادي والعشرين. أما الصين فقد أظهرت أنها لا تنوي الخضوع للضغوط الأمريكية. 

عندما تستنفد الصين كل الأسلحة الضريبية في مواجهتها المتصاعدة مع الولايات المتحدة الأمريكية فإنها قد تلجأ إلى استخدام أوراق جديدة في الرد على سلطات واشنطن، مثل تخفيض قيمة العملة الصينية في الأسواق العالمية.

الحروب التجارية نزاعات تدل عليها أسماؤها. العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم.  تلك هي المواجهة الاقتصادية المتفاقمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين. إنه الخليط نفسه من المشاعر التي تجمع بين الخوف من ناحية والشعور بالنخوة والاعتبارات القومية، وهي الوصفة نفسها التي تكفي لإشعال فتيل حروب حقيقية. هناك من جهة تنتهج سياسة عدائية فيما تعتبر الدولة الأخرى أنها مضطرة إلى رد الفعل وكيل الصاع صاعين. 

تخشى الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية والصين من ناحية أن تفقدا ماء الوجه في نظر شعبيهما والعالم إذا ما أعطت أي منهما الانطباع بأنها ضعيفة أو خضعت للضغوط التي تمارسها الدول الأخرى المنافسة.

تعتبر سلطات واشنطن أن الصين قد تتحايل على قوانين اللعبة الاقتصادية والاجتماعية على مدى عشرات الأعوام. ردا على الدفعة الأولى من الضرائب التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب في شهر يوليو 2018. لم تقترح سلطات بكين أي حل وسط للخروج من عنق الزجاجة بل إنها ردت الفعل وفرضت بدورها ضرائب جمركية على الواردات من المنتجات الأمريكية. لم يكتف الرئيس دونالد ترامب بل إنه فرض ضرائب إضافية بنسبة 10% (200 مليار دولار) على المنتجات المستوردة من الصين. 

بطبيعة الحال، ردت الصين الفعل مرة أخرى وفرضت ضرائب إضافية على تشكيلة أخرى من المنتجات الأمريكية. تمشيا مع المنطقة نفسها ـ توعد الرئيس ترامب بمواصلة فرض ضرائب قد تصل إلى 25% إذا دعت الضرورة إلى ذلك. في نهاية المطاف قد تفرض الضرائب على كل المنتجات المستوردة من الصين. إذا دخلت القوتان الاقتصاديتان في حرب تجارية حقيقية، لأن كل طرف يعتقد أنه قد يخرج منتصرا من هذه الحرب.

تعتقد الولايات المتحدة الأمريكية أن الاقتصاد الصيني قد يترنح وأنه يعاني من الهشاشة عندما تمارس عليه الضغوط. يدرك الجميع أن الصين تصدر إلى الولايات المتحدة أكثر مما تستورد منها وهو قد يجعلها في موقف ضعف في حرب الضرائب المستعرة بين واشنطن وبكين. 

أما الصين فتعتبر أن نظامها الشمولي أكثر قدرة على الصمود في وجه أي حرب تجارية من النموذج الأمريكي الذي يعتبر أكثر عرضة لانتقادات وغضب وسخط الناخبين الأمريكيين. لقد ذكرت سلطات بكين أن الإدارة الأمريكية قد تعهدت بتقديم المساعدات للمزارعين الأمريكيين الذين ينتجون الصويا والتي كانت ضمن البضائع الأمريكية التي فرضت عليها الصين حزمة من الضرائب. 

يقول جيريمي شابيرو من المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية: «إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية والصين مستعدتين للمواجهة التجارية فإن ذلك يعود إلى اعتقاد كل طرف بأنه سيخرج منتصرا. في العلوم السياسية، تستخدم كلمة «حرب» في الحالات التي يتعين فيها تحديد الطرف الأقوى. في واقع الحال فإن هناك حاجة إلى حرب تجارية لتحديد الطرف الأقوى اقتصاديا الولايات المتحدة أو الصين. 

لقد ظلت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين تدور حتى الآن في مستوى الضرائب الجمركية غير أن الصين قد لا تجد عما قريب ما يكفي من المنتجات والبضائع الأمريكية التي يمكن أن تفرض عليها الضرائب، الأمر الذي يحتم على سلطات بكين إيجاد أوراق أخرى للرد على سلطات واشنطن ومواصلة الضغط عليها. لقد بدأت بعض التغييرات تطرأ على السياسة التجارية التي تتعامل بها الصين مع العقوبات الأمريكية. 

على سبيل المثال، بدأت الصين تخفف العقوبات الاقتصادية التي تفرضها على كوريا الشمالية، في وقت تسعى فيه سلطات واشنطن للإبقاء على تلك العقوبات من أجل الضغط على كوريا الشمالية كي تدفع نظام كيم يونغ أون لتفكيك برنامجها النووية.

يمكن لسلطات بكين أيضا أن تضع قوانين وضوابط جديدة من أجل وضع العراقيل أمام أنشطة الشركات الأمريكية في الأراضي الصينية. يجب ألا ننسى أيضا أن سلطات بكين تستطيع أيضا التلاعب بقيمة عملتها الأمر الذي يمكنها من تعويض الأضرار الناجمة عن الضرائب الأمريكية التي تصل إلى نسبة 10%. 

لا ننسى أيضا أن الصين اشترت جزءا كبيرا من الديون الأمريكية وهو ما يفتح الباب أمام الكثير من التكهنات لأنها تعطي بكين ورقة ضغط إضافية. لقد ظل البعض يقولون إنه يكفي أن تمتنع الصين من هنا فصاعدا عن شراء سندات الخزينة الأمريكية كي تزيد من ضغوطها على الولايات المتحدة الأمريكية التي ستجد عندها صعوبة كبيرة في تمويل عجز الميزانية. 

في سنة 2009 قالت هيلاري كلينتون التي تولت منصب وزيرة الخارجية في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما إنه سيكون من الصعب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تتخذ موقفا «متشددا» ضد الصين التي تملك سندات كثيرة وتسهم من ثم في تمويل عجز الميزانية الفيدرالية. في ظل إدارة باراك أوباما كان الاعتقاد السائد أن الصين لن تستطيع التخلص من تلك السندات لأن مثل هذه الخطوة ستلحق أيضا ضررا كبيرا بالاقتصاد الصيني. 

قرر الرئيس دونالد ترامب بعد دخوله البيت الأبيض عقب فوزه في الانتخابات خفض الضرائب وهو ما تسبب في تفاقم نسبة عجز الميزانية الأمريكية. هذا ما يعطي للصين إمكانية استخدام نفوذها على الديون الأمريكية من أجل الثأر من إدارة ترامب والرد على ما تتخذه من ضرائب وعقوبات. 

عندما تندلع الحرب فإن مختلف الأسلحة تصبح مباحة وتتطور وتصبح أكثر شراسة. ينطبق هذا الأمر خاصة على الحروب التجارية أكثر مما ينطبق على الحروب القصيرة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news