العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

القمة العالمية للحكومات: خريطة طريق للمستقبل

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١٨ فبراير ٢٠١٩ - 01:15

على مدى ثلاثة أيام وخلال الفترة من العاشر حتى الثاني عشر من فبراير 2019 شهدت مدينة دبي انعقاد القمة العالمية للحكومات في دورتها السابعة والتي تضمنت 200 جلسة تم توزيعها على 7 محاور رئيسية شارك فيها 600 متحدث بين مسؤولين حكوميين وخبراء ومفكرين وقادة وإداريين ينتمون إلى أكثر من 30 منظمة دولية وأممية، بالإضافة إلى عقد 16 منتدى خلال تلك القمة، وعلى الرغم من كونها لقاءً سنويا اعتياديا فإن أهمية تلك القمة تتمثل في ثلاثة أمور الأول: أنها تتجاوز فكرة النقاش حيث تستهدف تبادل الخبرات وتسليط الأضواء على النماذج الحكومية الناجحة في العالم وكيفية الاستفادة منها، والثاني: حرص منظمي القمة على تضمين مداولاتها ونقاشاتها في أكثر من عشرين تقريرًا من شأنها أن تمثل رافدًا مهما لصانعي القرار والمسؤولين ضمن صياغة سياسات استشرافية للمستقبل وهو أمر مهم للغاية كون تلك التقارير تعد عصفا ذهنيا لنخب سياسية وفكرية تتنوع خبراتها وتجاربها، والثالث: تعد تلك القمة والتي انطلقت للمرة الأولى عام 2013 إحدى آليات مواجهة تحولات المنطقة العربية منذ عام 2011 والتي كان أبرزها محاولات الجماعات المسلحة من دون الدول هدم الدولة الوطنية الموحدة، ولا شك أن وجود حكومات فاعلة يعد العامل الأساسي لإجهاض تلك المحاولات.

ومع أهمية ما سبق وعلى الرغم من غلبة الطابع الاقتصادي على أعمال القمة وهو ما اتضح من مداخلات المشاركين خلالها الذين حاولوا إبراز التحديات الاقتصادية التي تواجه حكوماتهم وكيفية مواجهتها فإن المناقشات قد أسفرت عن وجود توافقات حول التحديات التي تواجه العديد من حكومات العالم فإقليميا تواجه بعض الحكومات تحديات ثلاثة أولها: تدخلات بعض القوى الإقليمية في الشؤون الداخلية للدول الأخرى الأمر الذي يرتب حالة من الاستقطاب الذي يعرقل وجود توافقات حول رؤى وطنية تنموية، وثانيها: استمرار الأزمات الإقليمية والتي رتبت آثارًا بالغة على الأمن الإقليمي ليس أقلها مشكلة اللاجئين والتي تمثل عبئًا على العديد من دول الجوار الإقليمي، وثالثها: البيروقراطية التي لا تتناسب مع هدف جذب الاستثمارات بما يعنيه ذلك من ضرورة تعديل العديد من التشريعات لإيجاد بيئة جاذبة للاستثمارات، وعالميا فقد لوحظ انعكاس واقع العلاقات بين الدول على أعمال المؤتمر، ومن ذلك دعوة برونو لومبو وزير الاقتصاد والمال الفرنسي إلى «أوروبا أقوى ورأسمالية أكثر عدلاً» في الوقت الذي قالت فيه كريستين لاجارد مدير عام صندوق النقد الدولي إن «مستقبل ما بعد انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي لا يزال مجهولاً وتداعياته المستقبلية غير معروفة»، بما يعنيه ذلك من أن واقع تلك التطورات سوف ينعكس من دون أدنى شك ليس فقط على أداء الحكومات على المستوى الإقليمي بل على كيفية تفاعل تلك الحكومات مع ذلك الواقع العالمي سريع التحول وهو الأمر الذي دفع وزير شؤون مجلس الوزراء والمستقبل بدولة الإمارات العربية المتحدة رئيس القمة العالمية إلى الإشارة إلى ذلك صراحة بالقول «إن الحكومات أمام خيارين إما أن تعيد صياغة نفسها بما يتناسب مع عصرها وإما أن تخاطر بتراجع دورها وقوتها وخروجها من دائرة الفعل ودائرة التغيير الإيجابي وأن تكون خارج السباق وخارج السياق»، وتعد تلك الكلمات المختصرة رسالة جامعة مانعة لجميع حكومات العالم التي تعمل في ظل تحولات بالغة التعقيد تفرض فرصًا وتحديات في الوقت ذاته حددها البعض في ثلاثة تحديات متزامنة التحدي الأول: التغيرات الجيوسياسية المتسارعة على مستوى العالم وهي قضية كانت- ولا تزال- تحظى باهتمام جميع مراكز التفكير الاستراتيجي إذ لم يعد ممكنًا الفصل بين مستويات الأمن الثلاثة الوطني والإقليمي والعالمي بما يعنيه ذلك من تعقيد بيئة الأمن ذاتها والتي تمثل تحديًا هائلاً لحكومات دول العالم كافة، أما التحدي الثاني فهو التحول من عالم أحادي القطبية إلى عالم متعدد الأقطاب بما يعنيه ذلك من إعادة ترتيب مراكز القوى في العالم وإن كان ذلك يمثل فرصًا لبعض الدول فإنه في الوقت ذاته لا يخلو من صراع، ففي الوقت الذي تسعى فيه بعض القوى للحفاظ على وضعية الهيمنة على مقدرات ذلك النظام فإن قوى أخرى تسعى لتأسيس نظام متعدد الأطراف بما تمتلكه من قدرات اقتصادية وعسكرية ترى أنها تؤهلها لإنهاء ذلك النظام الأحادي وهو ما عكسته استراتيجيات الأمن القومي التي أصدرتها تلك الدول إبان السنوات القليلة الماضية والتي تعكس تصميما من جانب العديد من القوى الكبرى الاشتباك مع النظام العالمي الراهن حتى إن تطلب ذلك تعديلات دستورية بشأن إرسال قوات عسكرية خارج الحدود في توجه مغاير للتحفظ على إرسال تلك القوات فيما مضى، بينما يتمثل التحدي الثالث في الموجة الجديدة من الشعبوية» والتي بدأت إرهاصاتها بعودة التيارات اليمينية إلى سدة الحكم في بعض الدول الأوروبية، ومن دون الخوض في تفاصيل الأسباب التي أدت إلى ذلك والتي من بينها قضية اللاجئين التي تم توظيفها بنجاح خلال الحملات الانتخابية لتلك التيارات فإن تنامي تلك النزعة سوف ينعكس على واقع العلاقات الدولية عمومًا بما يفرضه ذلك من تحديات أمام العديد من حكومات العالم. 

وفي تقديري أن تلك القمة كانت - ولا تزال - أحد أهم منابر النقاش والحوار الصريح لعالم تتداخل قضاياه بشكل كبير ويصعب الفصل فيما بينها سوى لأغراض التحليل النظري بما يتطلبه ذلك من حتمية وجود توافقات ليس فقط حول التحديات بل آليات مواجهتها في ظل تعاظم مخاطر تلك التحديات والتي تفوق إمكانات أي حكومة مهما كان لديها من قدرات ليس أقلها تحدي الإرهاب بأشكاله المختلفة. 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز

 البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news