العدد : ١٥١٥١ - الاثنين ١٦ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥١ - الاثنين ١٦ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ محرّم ١٤٤١هـ

دراسات

الحرب العالمية الثالثة.. الاحتمالات والسيناريوهات

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

السبت ١٦ فبراير ٢٠١٩ - 01:15

أصبح من الشائع في أوساط الأكاديميين والمحللين وواضعي السياسات في الآونة الأخيرة الحديث عن أن نشوب حرب عالمية كبرى هو أمر حتمي، في ظل محفزات الصراعات الواضحة القائمة، فالأزمات والصراعات الدولية تزداد حدة، وتضارب المصالح بين القوى العالمية، قد تجاوزت الحرب الباردة، والشواهد عديدة، من الأزمة الكورية إلى التنافس في بحر الصين الجنوبي، مرورا بالأزمة الأوكرانية، والحروب التجارية وما تمثله على الاقتصاد العالمي، وصولا إلى الأزمة السورية، والطموحات النووية الإيرانية.

وكان المركز الكندي، قد نشر مقابلة مع وزير الخارجية الأسبق، «هنري كيسنجر» حول تطور احتمالات نشوب حرب عالمية كبرى، قال فيها: «إذا كنت غير قادر على سماع طبول الحرب، فأنت بالتأكيد أصم»، مؤكدا أن «الحرب القادمة ستكون عنيفة وقوة عظمى واحدة فقط هي من يمكنها أن تفوز». 

وفي إطار هذا الواقع، يقول «يكولاس جفوسديف»، من «كلية الحرب البحرية الأمريكية»، إنه بعد مرور 100 عام على بدء الحرب العالمية الأولى «من الممكن التأكيد على أوجه الشبه اليوم مع عام 1914، والتي توضح أن الحرب يمكن أن تبدأ من خلال نتائج غير مقصودة، وألا يمنع تبادل المنافع اقتصاديا حدوثها، وهو الأمر نفسه الذي أوضحه «هارولد جيمس» من جامعة «برينستون»، الأمريكية، من أن «احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة أصبح الآن تهديدا جديا»، وأن السنوات التي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية كانت شبيهة جدا بمشهد العالم اليوم، وأن انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يشيران إلى أن الناس فقدت الثقة في العولمة، وأن ذلك ربما يسفر عن صراع عالمي جديد». 

بشكل عام، هناك من السوابق التاريخية ما يؤيد هذا الافتراض، حيث إن الوضع الراهن في العالم يشبه على نحو مقلق ما حدث منذ أكثر من قرن، عندما تحالفت القوتان العظميان، وحدث اتفاق جمع بين «روسيا، وبريطانيا وفرنسا»، لمواجهة «ألمانيا وإيطاليا والنمسا-المجر»، الذي دام أربع سنوات تخللتها نتائج مدمرة. وتعكس القوى العالمية حالة نظام التحالف العدائي اليوم، وهو ما أشار إليه «هال براندز»، من جامعة «جون هوبكنز» بواشنطن، من أن «الخصومة المتجددة بين أقوى الدول العظمى أصبحت مرة أخرى سمة مميزة للسياسة العالمية»، فبعد مرور فترة من التوترات الجيوسياسية على الصعيد التاريخي، فإن القوى الرجعية؛ أي الصين وروسيا، تختبر النظام الليبرالي الدولي على نحو متزايد بقيادة الولايات المتحدة، ما يعني أنهم «يسعون إلى انتقاء مجالات نفوذ متميزة والهيمنة على الحدود الاستراتيجية للدول الليبرالية العظمى»؛ وبهذا «يخترقون القوانين الدولية مثل حرية الملاحة وعدم الاعتداء، واستخدام وسائل غير مشروعة تتفاوت من تحريض وإرهاب وقمع عسكري لجعل الأجواء الدولية أكثر استجابة لطموحاتهم». وفي هذا الصدد، يقول «جون برينان» مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية، السابق، لشبكة «سي إن إن»، «عندما تنظر إلى جميع مناطق النزاع وترى، الولايات المتحدة وروسيا والصين، وهي القوى الكبرى في العالم، يدعم كل منها جهة أو أخرى، فإن القلق يزداد من أن يقود هذا الأمر إلى نشوب حرب عالمية ثالثة.

وبناء عليه، فإن نتيجة تنافس القوى العظمى الناشئ بين روسيا تحت قيادة فلاديمير بوتين، والصين الطموحة اقتصاديا، والولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب، سيحول هذه المنافسة إلى صراعات ناشئة في جميع أنحاء العالم، وغالبا ما ستجد القوى العظمى نفسها عالقة في نزاع دبلوماسي، وصراع وحرب بين دول أصغر؛ سواء كان ذلك من أجل زيادة توسيع وتعزيز نفوذها أو جراء التزاماتها بموجب المعاهدات، كما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وعلى سبيل المثال، في بحر الصين الجنوبي، تلتزم الولايات المتحدة بحماية السلامة الإقليمية لحلفائها مثل الفلبين واليابان وتايوان ضد التحركات التي تبذلها الصين من أجل ضم جزر متنازع عليها إلى سيادتها، والتي تشمل جهودا عسكرية ودبلوماسية؛ ما قد يؤدي إلى دخولها في صراع مباشر مع بكين؛ للحد الذي جعل «روبرت د. كابلان»، يصف في مجلة «فورين بوليسي» المنطقة بأنها «مستقبل الصراع». 

ويذكر «روبرت فارلي» في مجلة «ذي نايشنال إنترست»، المناطق الـ«5» القادرة على التحول إلى مركز لنشوب الحرب العالمية الثالثة؛ وهي «كوريا الشمالية»، و«تايوان» و«أوكرانيا» و«تركيا»، و«الخليج العربي»، فيما حدد العالم الجيوستراتيجي، «نيكولاس سبايكمان» ثلاث مناطق أسماها بـ«نقاط الارتطام»؛ هي «سوريا»، و«شرقي أوروبا»، و«بحر الصين الجنوبي». ومن ناحية أخرى، يستمر التنافس والصراع الواضح في كل قارة تقريبا. فيما لا تزال الصين وروسيا تتنافسان على بسط نفوذهما في جمهوريات آسيا الوسطى في فترة ما بعد الاتحاد السوفيتي، في حين يدعم كل منهما فنزويلا في مقاومة العقوبات الأمريكية والحصار الدبلوماسي. وتهدد روسيا بشكل متزايد حلفاء أمريكا بحلف شمال الأطلسي في كل من أوروبا الوسطى والشرقية على الصعيدين العسكري والثقافي، بينما تسعى الصين إلى توسيع نفوذها في إفريقيا على حساب الولايات المتحدة. 

وعلى الرغم من أن تورط القوى العظمى في نزاعات إقليمية خارج حدودها بات واقعا عالميا، فإنه لا يوجد شك في أن النزاع في الشرق الأوسط هو الأكثر خطورة في كونه الأكثر ترجيحًا أن يتطور إلى حرب كبرى، وهو ما خلص إليه «بول ستيرز»، من «مجلس العلاقات الخارجية» من أن «أزمات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ قد ولدت المزيد من القلق أكثر من تلك الموجودة في أي منطقة أخرى»، حيث «تم تقييم المواجهة المسلحة بين إيران والولايات المتحدة أو أحد حلفائها؛ كأولوية في المقام الأول» خلال عام 2019. وسيكون بلا شك الصدام بين إيران ووكلائها والتحالف الذي تسعى أمريكا إلى إقامته في المنطقة، أو مع إسرائيل بشكل منفرد، وذلك وسط تورطها في النزاعات الإقليمية الدائرة باليمن وسوريا والعراق، والتي تنطوي على أبعاد تتجاوز الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط إلى صراع بين قوى عالمية مثل روسيا أو الصين أو الولايات المتحدة، ودعمها للجماعات الناشطة المتشددة. فضلا عن وجود ديناميكيات إقليمية أخرى تبعث على القلق أيضًا، مثل احتمال تصاعد الأحداث بين حليفي الناتو «تركيا والولايات المتحدة»، ليصل إلى صدام في شمال سوريا حول القضية الكردية.

ويعد السيناريو الأكثر ترجيحا لنشوب صراع بين القوى العظمى في الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة، هو حدوث صدام بين إسرائيل وإيران، أو أي من حلفائها، بما في ذلك حزب الله، ما سيشجع الضربات الإسرائيلية على المواقع الإيرانية وحزب الله في سوريا، وربما العراق. وفي هذا الصدد، يقول كل من «نداف بين حور»، و«مايكل آيزنشتات»، من «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، إن «الحرب القادمة على الجبهة الشمالية لإسرائيل، سواء بدأت في لبنان أو سوريا، لن تكون مجرد تكرار أوسع وأكثر تدميرا لحرب لبنان 2006»، «وتضمن المتغيرات أن مثل هذه الحرب ستشمل على الأرجح العديد من الجهات الفاعلة، مع مسرح عمليات أكبر، وتحديات غير مسبوقة لإدارة التصعيد، وإمكانية حدوث انفجار إقليمي تشارك فيه روسيا نيابة عن الإيرانيين، والولايات المتحدة نيابة عن إسرائيل. ومن الواضح أن الديناميكيات المتداخلة لقضايا الصراع المنتشرة في العالم، وعودة حالة المنافسة بين القوى العظمى في فترة ما بعد الحرب الباردة قد ولدت وضعًا قابلاً للاشتعال يمكن فيه توقع حدوث حرب عالمية أخرى.

غير أنه، لا يزال بعض المحللين متشككين في أن تتحول قضايا الصراع إلى حرب عالمية كبرى. وفي الغالب، يشير هؤلاء إلى أن الرادع النووي يقف حائلاً أمام ظهور صراع جديد. وفي هذا الصدد، يتوقع «مارك إف. كانسيان»، من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» عدم نشوب حرب بين قوتين نوويتين؛ لأنه إذا تم تصعيد الصراع من نطاق الحرب بالأسلحة التقليدية، إلى الحرب باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية والاستراتيجية، فإن الدمار والخسائر في الأرواح قد تصل إلى مستويات غير مسبوقة». عزز من ذلك ما قاله «هنري كيسنجر» نفسه في مقابلة مع مركز «ويلسون» عام 2018، من أنه، «لا يمكننا التفكير في حدوث حرب بين الدول ذات التكنولوجيا الفائقة، إن تلك الحروب تنطوي على إحداث مستوى من التأثير لنجزم بعدها أن العالم لن يكون هو نفسه أبدًا مرة أخرى». 

ومع ذلك، لا يعد هذا الرادع، «الخوف من التأثير النووي»، ضمانة كافية بعدم اندلاع الحرب، فلم يكن قادة أي من دول العالم التي خاضت الحربين الأولى والثانية يدرك أن هذه الخطوات سوف تؤدى إلى حروب عالمية تمتد إلى سنوات ويسقط فيها ملايين القتلى، ولو كانوا يتوقعون حجم الدمار لما أقدموا عليها، ولكن الحروب الصغيرة قابلة إلى الاتساع والتدحرج حتى ينفلت زمامها، كما أنه من غير المرجح أن يُوقف هذا الرادع، الصراع المحتمل، بين إيران وإسرائيل على سبيل المثال، وإن كان يعد بمثابة رادع للقوى العظمى، إلى جانب دول أصغر تمتلك أسلحة نووية مثل كوريا الشمالية وباكستان.

ويمكن القول، إن هناك عقبة أخرى تقف حائلاً أمام وقوع حرب عالمية كبرى، وهي استمرار الهيمنة العالمية الاقتصادية والعسكرية الأمريكية. وفي هذا الإطار، ذكرت مجلة «ذا إيكونوميست»، البريطانية، أنه «ليس بإمكان الصين ولا روسيا شن مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة والتي من شأنها أن تخسرها في النهاية بكل تأكيد». فلا يخفى أن كلا من بكين وموسكو يسعيان إلى تقويض وتحدي واشنطن وحلفائها، إلا أن ذلك لا يرتقي إلى حد شن هجوم، حيث تفتقر كل منهما إلى نفس الشمولية التي تميز القوة الصلبة والناعمة للولايات المتحدة. 

ورغم تمتع الصين بقدرات اقتصادية وعسكرية غير مسبوقة، لكنها لا تستطيع التفوق على الولايات المتحدة من حيث القدرات التكنولوجية والموارد المتاحة. وعلى الجانب الآخر، تعتبر روسيا أسوأ حالاً. فعلى الرغم من عزمها استعادة مكانتها، وأنها قوة عسكرية متطورة وذات خبرة، فإنها تعاني من ضعف اقتصادها، وتفتقر إلى القدرة على المواجهة المطولة، كما أن قوتها لا تكافئ قوة الولايات المتحدة، لا بالموارد ولا بالقوى المتحالفة معها، بعد أن تم استنزافها في أفغانستان، ويتم استنزافها حاليا في سوريا، فضلا عن نجاح واشنطن في ضم حلفاء سابقين لروسيا، في شرقي أوروبا، ضمن الاتحاد الأوروبي، في السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين. 

على العموم، يتضح من دراسة ملامح الصراعات الدولية الراهنة أن حربًا عالمية بين أي من القوى العظمى قد تكون احتمالاً قريبًا، لاسيما أن تلك الصراعات مازالت مستمرة أو تظهر تباعًا في أنحاء العالم. ولعل التنافس المتزايد بين القوى العالمية، جدير بتحويل هذه الصراعات إلى حرب عالمية، انطلاقا من دعم تلك الدول لعدد من حلفائها وما يرتبط بذلك من التزامات واعتبارات استراتيجية، هذا فضلا عن أن انتشار النزاعات الإقليمية المعقدة اليوم، تبقي وقوع مثل تلك الحرب العظمي إمكانية حقيقية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news