العدد : ١٥٠٩٧ - الأربعاء ٢٤ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٧ - الأربعاء ٢٤ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

دراسات

الميثاق الوطني.. وعصر التحول الديمقراطي في البحرين

بقلم: عبدالـمـالك سالـمـان

الخميس ١٤ فبراير ٢٠١٩ - 01:15

تحتفل مملكة البحرين اليوم بالذكرى الثامنة عشرة لإصدار ميثاق العمل الوطني في 14 فبراير عام 2001، وهي ذكرى وطنية غالية تمثل يوما أغر في تاريخ البحرين المعاصر، لأنه كان بداية الانطلاقة الكبرى لمشروع الإصلاح والتحديث الوطني الشامل الذي قاده جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة بمبادرة ذاتية تاريخية رائدة، ورؤية وطنية استشرافية لمستقبل البحرين فاقت كل التوقعات، وصاغت معالم فجرٍ جديد في تاريخ البحرين نقلها إلى آفاق عصرية غير مسبوقة في كل المجالات.

فحين نستذكر ذكرى صدور الميثاق الوطني عام 2001، والأحداث التي واكبت عملية صدوره، والطريقة المبدعة والمبتكرة التي تمت بها صياغته، فلابد أن نقف بكل الإجلال والتقدير لنحيِّي جلالة الملك على هذه المبادرة الوطنية التاريخية التي غيَّرت وجه الحياة على أرض البحرين، وأعادت صياغة الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البحرين على نحو جعل البحرين رائدة في ميدان الإصلاح السياسي خليجيا وعربيا وإقليميا، وذلك قبل سنوات كثيرة من احتدام الجدل العالمي حول ضرورات الإصلاح السياسي والاجتماعي في العالم العربي والعالم الثالث، وهو الأمر الذي يحسب لفكر قائدٍ تاريخي آمنَ بمستقبل زاهرٍ لشعبه ووطنه وفكَّر خارج الصندوق بطريقة غير اعتيادية وابتكارية لإعادة صياغة مستقبل البحرين وفق طموحات مشروعةٍ وآمالٍ عريضة وروحٍ وطنية صادقة ومخلصة هدفها بناء مستقبل مزدهر وغدٍ مشرقٍ لكل أبناء الوطن.

مبادرة تاريخية.. ورؤية مبتكرة

حين نتحدث عن مبادرة الميثاق الوطني في سياقها التاريخي، فلابد أن نتوقف طويلا بالتأمل والتدبر والدرس والتفكير في الكيفية التي انطلقت بها هذه المبادرة الوطنية الشجاعة.

فمن عاصروا هذه المبادرة، وكان لديهم قدرٌ من الإلمام بتاريخ البحرين المعاصر، وخاصة في مرحلة ما بعد الاستقلال عام1971، فلا بد أن ينظروا بكثيرٍ من مشاعر الإعجاب والدهشة والافتخار أيضا، لأن تشهد البحرين هذا التحول التاريخي.

فحين نتأمل هذا الحدث الآن من المنظور التاريخي، سوف نجد أن مبادرة الميثاق الوطني كانت فكرة ابتكارية عبقرية من صميم تفكير جلالة الملك لإعادة إحياء الحياة السياسية والديمقراطية في البحرين بعد أن توقفت عام 1975 بعد تجربة المجلس الوطني المنتخب التي كانت قد بدأت عام 1973، وذلك نتيجة ظروف معينة أفضت إلى توقفها وخاصة بسبب بعض المواقف المتطرفة من السياسيين الراديكاليين الذين لم يرتفعوا إلى مستوى المسؤولية التاريخية لإنجاح تلك التجربة البرلمانية الديمقراطية الوليدة آنذاك، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى توقف تلك التجربة السياسية الناشئة عام 1975، وظلت تجربة المشاركة السياسية متوقفة حتى تم استئنافها جزئيا عبر إنشاء مجلس الشورى عام 1992، والذي كان مجلسا على طريق استئناف الحياة السياسية وساعدت تجربته على العمل تدريجيا نحو استكمال المسار الديمقراطي.

ولهذا جاءت مبادرة جلالة الملك لإصدار الميثاق الوطني بعد وقت قصير من توليه مقاليد الحكم في البلاد عام 1999 خلفا لوالده الأمير الراحل عيسى بن سلمان آل خليفة – طيب الله ثراه – لتعكس فكر وتوجهات جلالة الملك وتفكيره العميق في كيفية إخراج البلاد من حالة الجمود السياسي إلى آفاق واسعة ورحبة في تجربة حكم دستورية وبرلمانية وديمقراطية شاملة جسدها مشروعه للإصلاح والتطوير الوطني الشامل.

لقد فاجأ جلالة الملك العالم كله، وكل القوى والفعاليات السياسية في البلاد بمشروعه للإصلاح السياسي الذي ارتكز على مبادرة الميثاق الوطني، حتى ما يُسمى بقيادات المعارضة في الخارج لم تكن قادرة على استيعاب سرعة مبادرات جلالة الملك للإصلاح السياسي من قرارات متكاملة ومتسارعة شملت إصدار العفو عن كل السجناء، والسماح للمعارضين في الخارج بالعودة إلى البلاد وممارسة العمل السياسي في العلن بدلا من أسلوب العمل السري، والسماح لكل التيارات السياسية بالتعبير عن نفسها في إطار جمعيات سياسية علنية تشارك في العمل السياسي بكل حرية داخل البلاد.

ويمكن القول في شهادة للتاريخ إن رؤية جلالة الملك وخطواته للإصلاح السياسي في البلاد كانت أسرع وأقوى من تفكير ما كان يُسمى بقيادات المعارضة حتى أنهم لم يستوعبوا بسهولة هذه الأفكار والتوجهات السياسية الرائدة، واتسمت ردود أفعالهم بالجمود وضيق الأفق السياسي والافتقار إلى روح المبادرة البناءة القادرة على مواكبة التحولات الكبرى التي أحدثها مشروع الإصلاح السياسي لجلالة الملك، وهو ما قاد لاحقا إلى دخول عدد من هذه الجمعيات السياسية في سلسلة من الأخطاء، بل الخطايا السياسية التي أفقدتهم الأهلية والشرعية والمشروعية لممارسة العمل السياسي في البلاد.

الميثاق.. ونهج ديمقراطي مبدع

حين نتأمل تجربة إصدار ميثاق العمل الوطني فلابد أن نتوقف طويلا على الطريقة المبتكرة التي تمت بها صياغته وإصداره.

وأول ما يلفت الانتباه هو ذلك النهج الديمقراطي الذي اختاره جلالة الملك لصياغة الميثاق، وهو الإصرار على تحقيق أكبر قدرٍ من المشاركة الشعبية في صياغة الميثاق ليأتي معبرا عن إرادة الشعب وعن تطلعات الجماهير التي عبرت عنها نخبة مختارة من صفوة العقول والخبراء في المجتمع البحريني ممثّلة لكل القطاعات والفئات والمكونات الاجتماعية في مجتمع البحرين.

فقد جاء تشكيل لجنة صياغة ميثاق العمل الوطني المكونة من 44 شخصية بارزة من طليعة المجتمع البحريني ضمت وزراء وأكاديميين وخبراء ومثقفين وقيادات ورموز نسائية واقتصادية وممثلين لكل القطاعات الحيوية في المجتمع، والتي شاركت بفاعلية في مناقشة المحاور والأبواب الرئيسية في ميثاق العمل الوطني ليأتي معبرا عن كل الاتجاهات السياسية والثقافية والاجتماعية في المجتمع البحريني.

وبعد أن تمت صياغة الميثاق الوطني وتسليمه إلى جلالة الملك، جرى فتح الباب واسعا للنقاش المجتمعي الحر عبر وسائل الإعلام المختلفة وعبر سلسلة واسعة من الندوات الثقافية والسياسية التي تم تنظيمها في عدد من النوادي الثقافية، بالإضافة إلى البرامج التلفزيونية والإذاعية، ومقالات الرأي لمناقشة كل القضايا والمحاور التي تضمنها الميثاق، في إطار ممارسة ديمقراطية حرة تم تبادل الآراء فيها بحرية وصراحة غير مسبوقة، حتى أن الكثيرين ممن شاركوا في تلك المناقشات والحوارات لم يصدقوا درجة الحرية العالية للحوار حول الميثاق على نحو غير مسبوق لم تشهده البحرين طوال تاريخها الحديث والمعاصر.

ولكن هذا المناخ الديمقراطي والانفتاح الثقافي والسياسي كان علامة ومؤشرا حقيقيا على جدية قيادة البلاد في إحداث تحوّلٍ تاريخي في مسيرة الوطن، وإحياء المسار الديمقراطي وفتح الآفاق واسعة للمشاركة الشعبية والاجتماعية في صياغة مستقبل البلاد بكل حرية ومصداقية.

ولقد أسهم ذلك المناخ الديمقراطي الحر في إطلاق العنان لأجواء من التفاؤل والاستبشار عمت جموع الشعب البحريني بآفاق المستقبل الواعد الذي بشَّر به جلالة الملك وعبَّر عنه في أكثر من مناسبة بقوله: «إن أجمل الأيام تلك التي لم نعشها بعد».

وهو المعنى ذاته الذي عبَّر عنه جلالته بكل صدق حين تسلَّم من لجنة صياغة الميثاق الوطني الصياغة النهائية للميثاق بعد إجراء كل التعديلات اللازمة عليه استجابة للآراء الشعبية بشأنه، إذ قال جلالة الملك كلماته التاريخية المعبرة في تلك اللحظة والمناسبة التاريخية: «سنبقى معكم يدا بيد على امتداد المسيرة، وهذه يدي ممدودة إلى كل بحريني وبحرينية كما امتدت في بيعة العهد، وكما ستمتد في بيعة التجديد، هذا التجديد والتحديث الوطني الشامل الذي ستتميز به أجمل أيامنا المقبلة بإذن الله».

لقد أسهمت الأجواء الإيجابية التي رافقت عملية صياغة ميثاق العمل الوطني، ومشاعر الابتهاج والتفاؤل والفرح التي عمت عموم أبناء شعب البحرين آنذاك، وتجاوب الجماهير مع تطلعات قيادة البلاد ممثلة في الخطاب الجديد لجلالة الملك الذي كان مفعما بروح الإخلاص والرغبة الصادقة في تطوير البلاد وتقدمها، في إحداث تجاوب جماهيري واسع النطاق مع الميثاق الوطني حين تم طرحه للاستفتاء الشعبي العام للتصويت عليه في ظل أجواء ديمقراطية تاريخية غير مسبوقة.

ولهذا جاءت نسبة الإقبال الشعبي على المشاركة في التصويت نسبة غير مسبوقة في تاريخ أعرق المجتمعات الديمقراطية الغربية ذاتها، فقد بلغت نسبة المشاركة في التصويت على الميثاق 90.3% من جموع الناخبين الذين يحق لهم التصويت وهي نسبة كبيرة للغاية، وجاءت نسبة الموافقة على الميثاق الوطني تماثل الإجماع تقريبا، حيث حظي بموافقة 98.4% من جموع المشاركين في التصويت، قالوا جميعا نعم لميثاق العمل الوطني ولهذا الفتح السياسي الجديد في تاريخ البحرين، ليكون بداية الانطلاقة الكبرى لمشروع الإصلاح والتحديث الوطني الشامل لجلالة الملك.

الميثاق.. ومكتسبات وطنية كبرى

لم يكن مفاجئا لكل من عاصروا تجربة إصدار وإقرار الميثاق وروح التفاؤل والسعادة الشعبية بصدوره، أن جاءت الموافقة الشعبية بهذه الأغلبية المذهلة 98.4% وذلك يعود ليس فقط إلى الإعجاب الكبير بخطاب جلالة الملك ونهجه الإصلاحي، وإحساس عموم الشعب بمصداقية جلالته في إحداث تحول تاريخي نحو مستقبل أكثر إشراقا لكل أبناء الشعب، بل إلى ما تضمنه الميثاق ذاته من إصلاحات ومكتسبات وطنية كبرى يمكن أن نشير إليها ببعض العناوين الكبرى.

- فتح الباب لإقامة نظام حكم دستوري حديث كان الأساس لإعلان البحرين مملكة دستورية عصرية.

- إصلاح النظام القضائي بتشكيل محكمة دستورية عليا،وإنشاء مجلس القضاء الأعلى، وتأسيس منظومة النيابة العامة التي تمثل الشعب وتلتزم بتطبيق أحكام القانون وفق إقرار مبدأ سيادة القانون.

- تكريس نظام حكم يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.

- إرساء الأساس لإقامة نظام برلماني ديمقراطي قائم على أساس نظام المجلسين، مجلس نواب منتخب من الشعب، ومجلس شورى يضم صفوة الخبرات وأهل العلم والثقافة العميقة، ليشكلا معا المجلس الوطني المعبر عن الشعب في إطار من التكامل السياسي المؤهل لإنجاح الممارسة النيابية البرلمانية والحكم الديمقراطي السليم، وكانت البحرين في هذا الإطار رائدة في الإصلاح الخليجي خاصة لأنها أول دولة خليجية تأخذ بنظام المجلسين في ممارسة العمل البرلماني.

- منح الحقوق السياسية للمرأة البحرينية، الأمر الذي شكل تكريما للمرأة البحرينية وتعزيزا لدورها المحوري في المشاركة الاجتماعية وفي المسيرة التنموية، فتمكنت المرأة البحرينية انطلاقا من الميثاق الوطني واستنادا إلى دستور عام 2002 المعدل من المشاركة الكاملة في الحياة السياسية والديمقراطية تصويتا وترشيحا، الأمر الذي أهَّلها إلى دخول البرلمان لتصبح نائبا عن الشعب وتعبر عن قضايا المرأة البحرينية، بالإضافة إلى قضايا الشعب عموما.

وقد توجت المرأة البحرينية نضالها الوطني في الممارسة الديمقراطية والسياسية بانتخابات 2018 إذ تم انتخاب 6 عضوات في المجلس النيابي مباشرة من الشعب، ونالت المرأة البحرينية شرف ترؤس المجلس النيابي المنتخب «مجلس النواب» ممثلة في النائب الأستاذة فوزية زينل.

- أرسى الميثاق الوطني تدشين عصر جديد من تعظيم وإجلال الاحترام الوطني لمبادئ حقوق الإنسان في كل المجالات، وأصبح الميثاق بمثابة الركيزة والمرجعية لتكريس قيم مبادئ حقوق الإنسان في البحرين على نحو غير مسبوق، الأمر الذي أدى إلى أن تحظى البحرين باحترامٍ عالمي واسع في نطاق العمل بمبادئ حقوق الإنسان شرعة ومنهاجا في كل المجالات الحياتية في المجتمع البحريني.

- تكريس الحريات الفردية والعامة، فقد جاء الميثاق الوطني ليشكل القاعدة الصلبة لحماية الحريات العامة والشخصية سواء حرية العقيدة أو حرية التعبير والنشر وضمان المساواة وعدم التمييز وتحقيق مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص وتكريس الاحترام لكل حقوق المواطنين ولا سيما حقوق المرأة والطفل.

- أرسى الميثاق الوطني المبادئ والأسس لإطلاق روح الحيوية في عموم المجتمع البحريني، من خلال كفالة حق التنظيم السياسي والاجتماعي والنقابي، الأمر الذي أدى إلى فتح الباب لإنشاء الجمعيات السياسية المعبرة عن كل الاتجاهات والتيارات السياسية وهي بمثابة «أحزاب»، وكذلك إنشاء منظمات المجتمع المدني التي تشكل القطاعات الحيوية في المجتمع، فضلا عن إنشاء النقابات والاتحادات العمالية، وأصبح المجال مفتوحا أمام الجميع للتعبير عن رؤاه ومطالبه السياسية والاجتماعية والنقابية في إطار يكفله القانون ويحميه وينظمه، ولم يخفق في الاستفادة من هذه الحريات الكبرى إلا أولئك الذين فشلوا في الاستفادة من هذا المناخ الديمقراطي وكانوا أسرى لأجندات طائفية وخارجية لا تعبر عن عموم وتطلعات أبناء الشعب.

- عبَّر الميثاق بكل صدقٍ عن الهوية الحضارية والثقافية للبحرين من اعتزاز بالانتماء إلى العروبة والإسلام وتعزيز الانتماء إلى مجلس التعاون الخليجي، وتكريس القيم الحضارية التي ميَّزت عبر التاريخ حضارة البحرين كبلد للتسامح الديني والمذهبي والثقافي والانفتاح على العالم، في إطار من الحفاظ على روح الأسرة البحرينية الواحدة التي هي عماد الوحدة الوطنية التي تشكل القاعدة الصلبة لحماية أمن البلاد واستقرارها، وانطلاقها نحو التطور والتحديث ومواكبة الحضارة العالمية المعاصرة.

- ولقد كرس الدستور المعدل لعام 2002 الذي صدر في العام التالي لإصدار الميثاق الوطني 2001، كل هذه المكتسبات الوطنية التي جاءت بالميثاق الوطني ليدشن عصر التحول الديمقراطي والتحديث الشامل في البحرين استنادا إلى دستورٍ عصري شامل يكرس الحقوق والمكتسبات ويواكب تطورات الحضارة العالمية المعاصرة.

لقد اتسم النهج الإصلاحي الذي دشنه جلالة الملك بالعقلانية والروح العصرية والفهم العميق لثقافة وطبيعة المجتمع البحريني، الأمر الذي أكسبه احترام العالم وترحيبه بهذه التحولات الكبرى في تاريخ البحرين، لأنها جاءت مواكبة للاتجاه الحقوقي المكرَّس في الدساتير المقرَّة شعبيا عبر هيئات منتخبة ممثلة هنا في لجنة صياغة الميثاق الوطني، وجاء الدستور المعدل في عام 2002 مكرسا لهذه الإرادة الشعبية ذات المصداقية الرفيعة وغير المسبوقة.

وكان في طليعة المكتسبات بالإضافة إلى استئناف الحياة الديمقراطية، إحياء العمل بنظام البلديات عبر الانتخابات البلدية لتكوين مجالس بلدية قادرة على تقديم الخدمات الاجتماعية والبلدية للمواطنين في كل محافظات ومناطق البحرين لتسهم إسهاما إيجابيا في حل كثير من المشكلات الحياتية اليومية الملحة للمواطنين، وجاء ذلك تكريسا للريادة البحرينية في مجال العمل البلدي الذي نشأ منذ العشرينيات في القرن الماضي، وكانت تجربة فريدة تزهو بها البحرين في عموم المنطقة.

الميثاق الوطني.. في عيون العالم

نظرا إلى الطابع المبادر الذي اتسمت به خطوات المشروع الإصلاحي لجلالة الملك بدءا من خطوات إصدار الميثاق الوطني عبر مشاركة شعبية واسعة، فقد حظيت هذه الخطوات بترحيب عالمي يستحق التنويه به.

فقد أشاد الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي عنان عام 2001، بنجاح الاستفتاء على الميثاق الوطني، الذي يسعى للمضي قدما بعملية الإصلاح الديمقراطي داخل البحرين، وبتأهيل النساء البحرينيات عبر المشاركة في الاستفتاء، وأعرب عن امتنانه لإعلان جلالة الملك العفو عن جميع السجناء الذين لهم علاقة بالأمور السياسية باعتبارها خطوة شجاعة تعبِّر عن دلالات أخرى مشجعة للتغييرات الجارية في العملية السياسية بالبحرين.

ومن جانبها ثمنت وزارة الخارجية البريطانية في بيان لها آنذاك ما أظهره المواطنون في البحرين من دعم قوي للإصلاحات التي يقودها جلالة الملك من خلال تصويتهم بأغلبية ساحقة على ميثاق العمل الوطني، وأكدت أن الحكومة البحرينية أظهرت حرصها على التقدم في المجالات المتعلقة بحقوق الإنسان.

كذلك أشادت الخارجية الفرنسية بالمبادرة التي قام بها جلالة الملك بتحديث النظم الدستورية والديمقراطية وبالعفو الشامل عن الموقفين، والسماح للمبعدين بالعودة إلى البلاد، وإلغاء قانون ومحكمة أمن الدولة.

وأشاد الرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش بالنهج الإصلاحي السياسي في البحرين والاتجاه إلى إجراء انتخابات حرة فيها، وأكد أن البحرين تتميز بريادة إقليمية في مجال الإصلاح، وخاصة في المجال الاقتصادي وتحرير التجارة.

وأشاد ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس بالإصلاحات الديمقراطية التي تشهدها البحرين وخطط التحول إلى مملكة دستورية واستكمال المؤسسات الدستورية.

وعبَّر رئيس مجلس الأمة الكويتي آنذاك جاسم الخرافي عن سعادته بتصويت الشعب البحريني بنسبة قاربت الإجماع على ميثاق العمل الوطني، وأكد أن هذا يعد خطوة نحو تقدم المملكة وتطورها.

لقد كان التصويت الشعبي الجارف والتأييد الساحق لإصدار الميثاق الوطني لحظة تاريخية فارقة ومتوهجة في مسيرة البحرين الوطنية، ستظل أجيال المستقبل تتذكرها بمشاعر الزهو والفخار لأنها كانت لحظة توحدت فيها المشاعر والقلوب وتوهجت فيها العقول وتشابكت فيها الأيدي في إحساس وطني صادق بأنها باتت قادرة على صياغة مستقبل المجد والازدهار والتقدم بكل ثقة وفي إطار تلاحم تاريخي بين القيادة والشعب.

ولذلك ستظل تلك الأوقات ملهمة للأجيال الحاضرة والمستقبلية في كيفية التوحد والعمل بإخلاص من أجل الوطن بعيدا عن أي شعارات خارجة عن الإجماع الوطني.

 وإذا كانت الشعوب المتقدمة تتعلم دائما من دروس تجاربها وخبراتها السابقة، فلا شك أن مسيرة إقرار الميثاق الوطني ستظل خير معلمٍ ونبراس لكيفية استنهاض الطاقات الإيجابية في شخصية المواطن البحريني وتوظيفها في خدمة الوطن ونهضته وتطوره، كما ستظل تلك اللحظات معبرة عن العمق الحضاري لشعب البحرين وقدرته على التماسك والتوحد والعمل الجماعي المبدع القادر على صنع المعجزات وإدهاش العالم القريب والبعيد بالقدرات الحضارية الكامنة في هذا الشعب ومدى القدرة على استثمارها على نحو إيجابي فعَّال لصنع الحضارة وصياغة المستقبل الأكثر إشراقا.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news