العدد : ١٥١٢٩ - الأحد ٢٥ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٩ - الأحد ٢٥ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

[email protected]

يوم لا ينفع سواد

أول زيارة لي للندن كانت عام 1976 لعام دراسي واحد، كنت خالي طرف، أي لا زوجة ولا عيال، وكانت لندن «أمان»، بمعنى ان جرائم العنف العشوائي لم تكن معروفة في تلك الأيام، بينما تسجل لندن في السنوات الأخيرة متوسط خمسين حالة اعتداء طفيف أو جسيم يوميا (يسمونه mugging، ولأن الجرائم عند الغربيين «متطورة» فإن لديهم تسمية خاصة للص البيوت والنشال وسارق المال العام واللص الذي ينهب الأموال بعنف أو بلطف، أما نحن فكل أولئك في قاموسنا لصوص وحرامية).

شهد النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، مذبحة سويتو وهو حي معظم مبانيه من الكرتون وألواح الحديد والخشب يقطنه الفقراء السود في جوهانسبيرغ في جنوب إفريقيا، وحدثت المذبحة في ظل انفراد البيض العنصريين بالسلطة: السود لا يركبون الباصات المخصصة للبيض، وعلى الشواطئ لافتات: ممنوع دخول الكلاب والسود. وكانت في لندن حركات نشطة ضد النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وانغمست في تلك الحركات التي كان معظمها ينطلق من أحياء السود في جنوب لندن: بريكستون وبلام وتوتنغ بك، وتوتنغ برودواي وما جاورها

ذات مرة كلفوني (في سياق دراسة فنون انتاج الاعمال التلفزيونية) بإعداد فيلم قصير عن عادات الشعوب في تسريح/ تصفيف الشعر، وتوجهت إلى مناطق «ربعي» السود، وكان الأستاذ الذي يشرف على ذلك المشروع خواجة شديد البياض ويهوديا (يعني أخوكم من أنصار التطبيع من زمان!!) واصيب الرجل بحالة من الفزع عندما عرف أنني ذاهب إلى الخلايا الإجرامية. ففي معظم الدول الغربية: أنت أسود؟ إذا أنت مجرم أو مشروع مجرم (انقلبت الآية الآن: أنت مسلم؟ إذا أنت عضو في تنظيم إرهابي أو مرشح لعضويته).. قلت له: ولا يهمك معك كفيل أسود «أصلي» وليس أسود مستوردا مثل سود بريطانيا؛ وعرجت بأستاذي اليهودي إلى دار اتحاد مسلمي جنوب إفريقيا، ولأنني «معرفة» فقد استقبلوني بالأحضان، فقدمت لهم استاذي باسمه، ثم أضفت: بالمناسبة الرجل هذا يهودي؛ عندئذ فقد الرجل توازنه واعتبر نفسه من الهالكين: هأنذا أمام وحوش سود ومسلمين «بعد»، وبينهم وبين البيض ثار في بلادهم. الحقني يا رب موسى، ولكن فوجئ الرجل بالجميع يتلقونه بالأحضان ويداعبونه: طالما لست إسرائيليا.. نو بروبليم.. ليس في الأمر مشكلة.. وصار لاحقا مثلي من رواد تلك الدار المنتظمين، واصطحب اكثر من مرة أصدقاءه البيض إلى أحياء السود في جنوب لندن ليتأكدوا بأنفسهم من خطأ تنميط السود كمجرمين بالسليقة.

هذا كله صار في «خبر كان»، ففي لندن اليوم لا أستطيع أن أحس بالأمان وسط السود، ولا البيض ولا الحمر ولا الصفر. قد تتعرض للاعتداء فقط لأن شكلك لا يعجب شخصا ما.. أو لأن موبايلك حلو.. في ساعة متأخرة من الليل كنت في قطار الأنفاق ودخل علينا شاب «أسود» سكران طينة، وتحرش بفتاة سوداء فنهضت من مكانها وجلست بقربي، إما لأنها حسبت أنني حمش، أو لأنها حسبت ان السكران قد يختشي على دمه ولن يتحرش بها لأنه قد يعتقد ان صلة ما تربطها بي أنا أبو لون تركواز. وتوجه الرجل نحونا. بصراحة، كنت ارتعش ولكن الله ألهمني «الكلمة الطيبة» فطلبت من البنت ان تخلي المقعد الملاصق لي ودعوته «هاي براذر/ يا أخ»، للجلوس جواري، وشرعت أتكلم معه كلاما غير متجانس، ونسي عدوانيته، وبعد قليل وضع رأسه على كتفي ونام.. فانسحبت بهدوء ونزلت في أقرب محطة ونزلت معي الفتاة.. عرضت عليها ان تستأجر سيارة لتوصلها إلى بيتها ولكنها كانت مرعوبة وطلبت مني إما أن اصطحبها إلى بيتي حتى يأتي أهلها ويأخذونها (وتأخذ أم الجعافر بتلابيبي) أو ان اصطحبها في السيارة إلى بيت أهلها.. وهذا ما فعلته.. كان لا بد ان أثبت لها ان سلالة عنترة ما زالت عندها بقية من نخوة وأصرت ان أنتظر داخل السيارة حتى أتى أهلها ليحيوا البطل الذي أنقذ بنتهم من الوحش.

 (أعدكم بالخوض غدا وربما ما بعده بإذن الله في موضوع الاستعلاء العنصري البغيض).

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news