العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٧٩ - الاثنين ١٤ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الصراع الأطلسي - الروسي: أي تأثير على الأمن الإقليمي؟

بقلم: د. أشرف محمد كشك *

الاثنين ١١ فبراير ٢٠١٩ - 01:15

مع استمرار الأزمات الإقليمية الراهنة تزداد حدة الصراع الأطلسي -الروسي، ففي الوقت الذي تسعى فيه روسيا إلى تعزيز وجودها الإقليمي عمومًا وفي الشمال الإفريقي على نحو خاص، يرى حلف شمال الأطلسي «الناتو» أن السياسات الروسية تعد تحديا له وخاصة أنه يحظى بشراكات مهمة في تلك المناطق سواء من خلال مبادرة الحوار المتوسطي 1994 مع سبع دول شرق أوسطية أو مبادرة استانبول 2004 والتي انضمت إليها أربع دول خليجية وهي المناطق التي تضم مصالح استراتيجية واقتصادية وسياسية لروسيا في الوقت ذاته.

ومع وجود العديد من المؤشرات التي أكدت احتدام الصراع الأطلسي -الروسي غير ذي مرة وأخذًا في الاعتبار ما أشار إليه الأدميرال آلان ويست القائد السابق في البحرية الملكية البريطانية من أن «تفاقم التوترات مع روسيا يشبه الوضع الذي سبق اندلاع الحرب العالمية الأولى» ففي تقديري أن الصراع بين الجانبين لا يزال يدور في إطاره «المنضبط» وهي سمة دائمة لسياسات الدول والمنظمات الدفاعية حتى إبان حقبة الحرب الباردة. ويؤكد ما سبق أن بعض التقديرات الصادرة من المجلس الأطلسي وهو مؤسسة بحثية مهمة في الولايات المتحدة الأمريكية تتضمن أن الحرب ليست رادعًا فعالاً في الصراع الغربي-الروسي عمومًا حيث إن روسيا لديها سبعة جيوش بالقرب من حدود الدول الأوروبية وهي أكثر عتادًا من القوات الموجودة لدى حلف الناتو بما يتطلب حتمية تحديث قوات الأخير، إلا أنه في الوقت ذاته على الرغم من أن روسيا لديها القدرة على توجيه ضربات حاسمة وسريعة للدول الأوروبية ربما لن تتجاوز أياما معدودة- وفقًا لتقديرات ذلك التقرير - فإن الحلف لا يزال يمتلك القدرة على القيام بعمليات قتالية طويلة الأمد.

ومع أهمية ما سبق فإن الصراع الأطلسي-الروسي لن يصل حد التصادم العسكري المباشر لأسباب ثلاثة الأول: وجود آلية للحوار بين الجانبين تتمثل في مجلس الناتو - روسيا والذي تم تأسيسه عام 2002 والذي ينعقد بشكل دوري برغم ما تشهده علاقات الجانبين من توتر ملحوظ بل إن كاي بايلي هاتشيسون مندوبة الولايات المتحدة لدى حلف الناتو قالت في السادس عشر من يناير 2019 «إن الحلف يتمنى عقد لقاء جديد لمجلس روسيا - الناتو في وقت قريب»، حتى إنه مع توتر العلاقات فإن أعمال ذلك المجلس يتم تجميدها ولكنه ظل قائمًا، والثاني: بغض النظر عن سيناريوهات الحرب الافتراضية والتي عادة ما تبرز الميزة النسبية إلى كل طرف فإن ذلك لا ينفي حقيقة مؤداها أن الإنفاق العسكري لدول حلف الناتو جميعها يعادل عشرة أضعاف نظيره الروسي، أما السبب الثالث فهو: أن ما يتردد عن إمكانية حدوث مواجهة نووية بين الجانبين يظل أمرًا مستبعدًا، فعلى الرغم مما تضمنته العقيدة العسكرية لروسيا الصادرة عام 2000 والتي أشارت إلى إمكانية استخدام روسيا لترسانتها النووية حال تعرض الدولة الروسية أو قواتها المسلحة لتهديد بشكل عام فإن خبرة الماضي تشير إلى أن الردع المتبادل في المجال النووي ستكون له الغلبة عن الدخول في سيناريوهات ستكون كارثية لكل الأطراف.

ومع أهمية عامل الردع المتبادل لفهم سياق هذا الصراع ومآلاته المستقبلية فإن هناك عاملين من شأنهما تأجيج ذلك الصراع الأول: ما يمكن اعتباره انحسارًا نسبيا للولايات المتحدة عن بعض مناطق الصراع من خلال الحد من الوجود العسكري الأمريكي فيها بما يعنيه ذلك من أن الحلف ربما يكون مدعوًا إلى الانخراط بشكل أكبر ضمن تلك المناطق وهو ما يعني إمكانية عودة أجواء الحرب الباردة مجددًا مع روسيا، والثاني: توتر العلاقات الأمريكية - التركية من آن لآخر في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات التركية - الروسية تطورًا ملحوظًا وهو ما قد يكون مدخلاً من جانب روسيا لإضعاف الناتو.

وتأسيسًا على ما سبق فإن التساؤل المنطقي هو أي تداعيات إقليمية لذلك الصراع؟ وأتصور أن الإجابة على ذلك التساؤل ترتبط بثلاثة متغيرات الأول: تطور قضايا الأمن الإقليمي عمومًا والأزمة السورية على نحو خاص في ظل قرار الولايات المتحدة سحب قواتها من سوريا وسعي تركيا لإقامة منطقة عازلة في سوريا وما يفرضه ذلك من التنسيق مع روسيا أخذًا في الاعتبار القرار الروسي تزويد سوريا بنظام الدفاع الصاروخي إس 300. فضلاً عن تزويد تركيا أحد أعضاء الحلف بمنظومة الصواريخ إس 400 وجميعها مؤشرات تمثل تحديا لحلف الناتو، والثاني: واقع التهديدات الأمنية وخاصة استمرار مخاطر التنظيمات الإرهابية في المنطقة وما يمكن أن يقدمه حلف الناتو من دعم للشركاء سواء على الصعيد الاستخباراتي أو الاستمرار في التحالف الدولي لمحاربة داعش بعد قرار الرئيس ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا، وثالثها: الترتيبات الجديدة للأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط عمومًا والتي لم تتضح ملامحها بعد سوى فيما أعلن من مقترحات ومنها تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي والذي وإن قدم بعض الفرص من أجل بلورة أطر جماعية لمواجهة تهديدات الأمن الإقليمي فإنه سيكون تحديا لروسيا وحلف الناتو -على حد سواء- اللذين يحظيان بشراكات مهمة في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية والخليج، ومن ثم فإنه حال تبلور أفكار محددة بشأن ذلك التحالف فإن ذلك سوف يؤدي إلى زيادة حدة التنافس الروسي - الأطلسي في منطقة الشرق الأوسط عمومًا والمنطقة العربية والخليج على نحو خاص. 

* مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news