العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

معاهدة التعاون والاندماج: أي تأثير على مقترح الجيش الأوروبي الموحد؟

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠٤ فبراير ٢٠١٩ - 01:15

في الثاني والعشرين من يناير 2019 وقعت كل من فرنسا وألمانيا معاهدة جديدة تسمى «التعاون والاندماج»، وتتكون تلك المعاهدة من 7 فصول و28 مادة تم نشر تفاصيلها على الموقع الإلكتروني لقصر الإليزيه، ومع أهمية مضامين تلك المعاهدة وهي عديدة حيث تضمنت التعاون بين البلدين في مجالات الأمن الداخلي والخارجي وكذلك السياسة الخارجية، فضلاً عن تعزيز التضامن فيما بينهما فإن جل اهتمام ذلك المقال هو الجوانب الدفاعية لتلك المعاهدة عمومًا ومدى انعكاساتها على المقترح الفرنسي بإنشاء جيش أوروبي موحد على نحو خاص. 

فمع أهمية تلك المعاهدة لكونها بين دولتين لهما ثقل وتأثير داخل منظومة الاتحاد الأوروبي الذي يعد أحد التجارب التكاملية المتميزة في العالم فإن توقيت توقيعها لا يخلو من دلالة في ظل تطورين مهمين الأول: أنها جاءت بعد أسابيع قليلة من مقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتأسيس جيش أوروبي موحد وما أثاره من جدل كبير ليس فقط داخل المنظومة الأوروبية بل خارجها بين التأييد والمعارضة، والثاني: تزامن توقيع تلك المعاهدة مع استمرار إجراءات بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي ومدى تأثير ذلك على تفاعلات القوى داخل تلك المنظومة. 

 وأتصور أن ذلك الاتفاق يعد تطورًا مهمًّا بالنسبة إلى منظومة الاتحاد الأوروبي انطلاقًا من عدة أسباب أولها: أنه على الرغم من أن أي تنظيم إقليمي يتطور وفق آليات محددة وفقًا لما اتفق عليه مؤسسوه فإن وجود ما يسمى بالدولة المحورية داخل تلك التنظيمات على غرار الدور الأمريكي ضمن منظومة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، أو ظهور محاور على غرار التحالف الفرنسي - الألماني ضمن الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يمثل دعمًا مهما لها، وخاصة في ظل ما أثير من جدل حول تأثير خروج بريطانيا على مسار الاتحاد الأوروبي مستقبلاً، وثانيها: إمكانية أن يؤسس ذلك الاتفاق لرؤية مشتركة بشأن مقترح الجيش الأوروبي الموحد وهو ما أشارت إليه المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل عشية توقيع تلك المعاهدة بالقول «إن التعاون الدفاعي المشترك المعزز كما تنص عليه المعاهدة الجديدة يمكن اعتباره إسهاما من أجل إنشاء الجيش الأوروبي»، وثالثها: في ظل التوجهات الجديدة للسياسة الأمريكية التي تستهدف جعل الشركاء والحلفاء أكثر انخراطًا في مسؤولية مواجهة التحديات الأمنية الراهنة فإنه من الضروري وجود توافق بين الدول المحورية داخل منظومة الاتحاد الأوروبي على كيفية التفاعل مع مستجدات السياسة الخارجية الأمريكية.

 ومع أهمية ما سبق فإن التساؤل المنطقي هو هل يكفي ذلك الاتفاق لتفعيل دور الاتحاد الأوروبي ضمن النظام العالمي الراهن وعلى نحو خاص على الصعيد الدفاعي؟ وبرأيي أنه من أجل تقييم أي تحولات تشهدها المنظمات الإقليمية فإنه يجب الحديث عن المقدمات والنتائج وكذلك العوامل الوسيطة. وتكتسب تلك الأخيرة أهمية بالغة لجهة تحديد المقومات والمعوقات، صحيح أن تلك المعاهدة لم تكن هي الأولى من نوعها بين فرنسا وألمانيا حيث إنها جاءت تكاملاً مع المعاهدة الموقعة بينهما في عام 1963، كما أن المعاهدة الجديدة تضمنت أطرًا مهمة للتعاون الدفاعي تتمثل في إنشاء المجلس الفرنسي-الألماني للدفاع والأمن والذي سوف يضطلع بصياغة وتنفيذ البرامج الدفاعية المشتركة بين الجانبين إلا أنه ربما تكون هناك عدة إشكاليات بشأن مدى انعكاس ذلك على الاتحاد الأوروبي ذاته أولها: مدى تأثير ذلك التقارب الفرنسي-الألماني على مسألة تأسيس هوية دفاعية مستقلة للاتحاد الأوروبي في ظل تداخل عضوية دول الاتحاد مع عضوية حلف الناتو فهناك 22 دولة من الاتحاد الأوروبي هي في الوقت ذاته أعضاء في حلف الناتو، بل إن العديد من دول الاتحاد الأوروبي لا تزال تفضل المظلة الأطلسية كخيار دفاعي مهم وخاصة تلك التي على مقربة من الحدود مع روسيا، ولعل تصريح الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرج تعليقا على توقيع ذلك الاتفاق يعكس بوضوح رؤية الحلف لمقترح الجيش الأوروبي الموحد بالقول «التعاون الفرنسي-الألماني كان منذ عقود لأمن واستقرار أوروبا» وذلك من دون الإشارة إلى مقترح الجيش الأوروبي الموحد والذي كان قد أشار صراحة غير ذي مرة إلى أن ذلك الجيش لن يكون بديلاً لحلف الناتو بل إنه حذر من ازدواجية المؤسسات الدفاعية الأوروبية بين الناتو والاتحاد الأوروبي، وثانيها: أن جوهر العمل العسكري المشترك ضمن أي تنظيمات إقليمية يكون محددًا بآليات واضحة ومنها مسألة إرسال قوات عسكرية من الدول الأعضاء للخارج كما هو الحال بالنسبة إلى حلف الناتو، صحيح أن تلك القوات تعد جزءًا من البنية العسكرية للحلف كمنظمة دفاعية إلا أن فكرة إرسال قوات للقتال خارج الحدود ربما تواجه قيودًا دستورية داخل ألمانيا، بل إن ثمة جهدًا آخر مطلوبًا لتعزيز فكرة الهوية الدفاعية المستقلة لأوروبا سواء أكانت من خلال جيش موحد أو غيرها من الصيغ التي يتم تداولها، والتي كانت كاشفة لثلاثة تيارات داخل الاتحاد الأوروبي بين أقصى التأييد وأقصى الرفض وما بينهما من مواقف ضبابية، وثالثها: المدى الزمني الذي قد يستغرقه تنفيذ مثل تلك المقترحات والتي تحتاج إلى توافقات على الأقل بين الدول المحورية داخل الاتحاد، ما يسهل خلق الإجماع وعدم الانزلاق نحو إيجاد محورين بشكل تنافسي لا تكاملي وهو الأمر الذي يحد من ترجمة تلك المقترحات على أرض الواقع في ظل المرونة التي تميز عمل الاتحاد كتنظيم إقليمي فهي إن كانت سمة مهمة فإنها أحد أسباب تطور الاتحاد منذ أن بدأ كتجمع للصلب والفحم عام 1951 وصولاً إلى الوضع الراهن إلا أن الأمر يبدو مختلفًا في المسائل الدفاعية التي تتطلب الالتزام ضمن أي إطار دفاعي جديد.

 وبغض النظر عن تلك المعوقات فإن الأمر المهم هو أن التوافق الفرنسي الألماني ضمن المعاهدة المشار إليها من شأنه أن يؤسس لتحول مهم داخل المنظومة الأوروبية ليس بالضرورة أن يتعارض مع التزامات الدول الأوروبية داخل حلف الناتو ولكنه يعد مؤشرًا مهما للغاية على تطور دور الاتحاد الأوروبي ضمن النظام العالمي الراهن والذي بلا شك ستكون له انعكاسات تتجاوز النطاق الجغرافي لدول الاتحاد الأوروبي. 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

 بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news