العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

بصمات نسائية

لو لم أفقد سمعي ثم نطقي ما أصبحت بهذه القوة

أجرت الحوار: هالة كمال الدين

الأربعاء ٣٠ يناير ٢٠١٩ - 10:37

تحدت إعاقتها السمعية.. وهزمت محنة فقدان النطق.. فانتصرت في معركة الوجود..

فتاة الأمل.. طالبة الإعلام أسماء جعفر محمد لـ«أخبار الخليج»: 


حين فقدت حاسة السمع في مرحلة مبكرة من عمرها، قاومت، وتحدت، وصمدت، وواصلت حياتها بكل قوة، وما إن التقطت أنفاسها حتى وجدت نفسها تواجه الصدمة الأشد، وهي فقدان النطق، هنا قررت أن تصارع في معركة الحياة من جديد، لتنتصر في حرب الوجود.

أسماء جعفر محمد، طالبة في كلية الإعلام، أصبحت محط أنظار جميع من حولها، بعد أن تحولت إلى رمز جميل للعزيمة والإصرار، فبرغم كل ما مرت به من محن وآلام، فإنها ما زالت تحمل الكثير من الأحلام والطموحات، وهي تؤكد أنه لولا فقدانها حاستي السمع والنطق، لما أصبحت بهذه القوة التي هي عليها اليوم.

ترى أنه ليس هناك إنسان معاق، بل يوجد مجتمع معيق، وتؤكد أن الإعاقة قد تكون سببا للتفوق والتميز في كثير من الأحيان، فحين يأخذ الخالق شيئا من عبده، فهو يمنحه بالمقابل أشياء، يتمكن بها من أن يشق الطريق، ويواصل المشوار، ويحقق المعجزات، وهذا ما تعكسه تجربة هذه الفتاة الحالمة التي رصدنا تفاصيلها في السطور التالية: 

حدثينا عن طفولتك؟

 كنت طفلة عادية، تعيش حياتها بشكل طبيعي، وتتمتع بصحة تامة، ومتفوقة في دراستها وتحتل دائما مراكز متقدمة بين زملائها، واستمر هذا الوضع حتى الصف الأول من المرحلة الإعدادية، هنا حدث التغيير، حيث بدأ المستوى الدراسي ينخفض تدريجيا، إلى أن رسبت في الصف الثاني الإعدادي في مادة الرياضيات، وكانت صدمة شديدة، لم يتم التعرف على سببها في ذات الوقت، إلى أن اكتشفناه بعد ذلك.

وكيف تم اكتشاف الإعاقة؟

لقد بدأت أشعر بضعف حاسة السمع تدريجيا إلى أن جاء يوم كنت بصحبة والدي في السيارة وشعرت بأنني فقدت تلك الحاسة تماما، وحين أخبرت والدي في الحال توجه بي مباشرة إلى الطبيب، وتم إجراء العديد من الفحوص اللازمة وتم تشخيص الحالة بأنها تلف في الخلايا السمعية، وكانت صدمة شديدة، حيث شعرت بأنني فقدت نعمة كبيرة منحها الله لي وكان لا بد من ارتداء السماعة لإمكانية التواصل مع الآخرين. 

وما السبب وراء فقدان حاسة السمع؟

كنت من هواة استخدام سماعات الأذن بكثرة أو بمغالاة، أثناء الاستماع إلى الموسيقى أو الأغاني أو غيرها من الأغراض، ويبدو أنني أفرطت في ذلك حتى الخطورة، وهذا ما ذكره لي الأطباء الذين أوضحوا أن هذه العادة وذلك الهوس أثر سلبا على الخلايا السمعية، والتي أوصلتني إلى درجة فقدان السمع، ولذلك أنتهز الفرصة هنا لأتقدم بنصيحة للشباب بالاعتدال في استخدامها وبشكل محدود، لأن ضررها يفوق بكثير فوائدها أو متعها، وقد قررت الاستغناء عنها حتى لمعاونتي على السمع.

وماذا كان البديل؟

حين ذهبت إلى مركز السماعات لشراء واحدة في بداية المشكلة، قمت باختيار سماعة صغيرة الحجم حتى لا يمكن لأحد رؤيتها عند ارتدائها، لأنني كنت أشعر بالضيق الشديد تجاه ذلك، لكني بعد فترة قصيرة قررت أن أتعلم لغة الشفاه، وقراءة ملامح الوجه، وذلك لأن لغة الإشارة لا يفهمها جميع الناس، وبالفعل تدربت عليها، إلى أن أتقنتها وتخلصت من حرجي من استخدام السماعة، ومن مسألة تحاشي الكلام مع الآخرين لعدم قدرتي على التواصل.

وكيف تعايشت مع الإعاقة؟

مع مرور الوقت، بدأت تتولد لدي قناعة تامة بأن الله سبحانه وتعالى قد منحني الكثير من النعم الأخرى، رغم أنه أخذ مني إحداها، وبأن هذه الإعاقة قد تكون فاتحة خير على حياتي بشكل عام، وخاصة في ظل دعم الأهل والأصدقاء، وفي مقدمتهم والدي الذي أنقذني من اليأس والدمار، فقد كان لي دائما صديقا حميما، وعونا لي طوال مسيرتي، ولن أنسى ملامح الصدمة على وجهه حين أخبرنا الطبيب بالإعاقة، حينئذ قال لي جملة بعد مغادرتنا العيادة سأظل أتذكرها طوال حياتي.

وما تلك الجملة؟

 بعد مغادرتنا العيادة استقللنا السيارة ونظر إليّ والدي بكل حنان الأبوة وقال لي إنه لو كان بيديه لمنحني حاسة السمع التي يتمتع بها هو شخصيا، وأخذ يشدد من أزري محاولا تخفيف الصدمة عني وفي الوقت نفسه منحي القوة لمواجهة الأمر بكل صلابة. 

هل عدم استخدام السماعة يسبب لك أي إزعاج؟

لقد بدأت استخدام السماعة في الصف الثالث الإعدادي، ثم قررت في الثانوي عدم الاعتماد عليها والتخلي عنها تماما، ولم أواجه أي مشكلة في ذلك، اللهم إلا بعض الصعوبة أثناء الدراسة بالجامعة، والتي أواجهها خلال شرح الأساتذة حيث يتعذر على أحيانا المتابعة طوال الوقت، بل أحيانا يتم تسجيلي غيابا وأنا حاضرة، لأنه يتم نداء اسمي ولا أستجيب لعدم سماعي النداء.

وكيف تتغلبين على مشكلة عدم متابعة الدراسة؟ 

ما يفوتني أثناء وجودي بالجامعة أحاول تعويضه عند عودتي إلى المنزل حيث أعكف على مراجعة الدروس بنفسي، وأحيانا أضطر للاستعانة بالدروس الخصوصية، أو بمساعدة بعض الصديقات المقربات مني، وهن أيضا يتعاون معي في إثبات حضوري بالجامعة لأنه في بعض الأوقات لأنني عند النداء لا أتمكن من الاستجابة، وأخص بالذكر هنا فيما يتعلق بدعم الصديقات بشكل عام، صديقتي سلوى الجراش التي رغم مشاغلها، فهي لم تتخل عني ولم تتوقف عن دعمي طوال الوقت. 

متى حدث فقدان النطق؟

منذ عدة أشهر وأثناء السنة الأولى من الجامعة، فقدت النطق، وحدث ذلك أثناء مشاركتي في إحدى المسرحيات بمناسبة عيد الأضحى، فعدت إلى البيت مصابة بارتفاع في درجة الحرارة، وحين ذهبت إلى المستشفى لإجراء الفحوص، تم التشكيك بأنها محاولة انتحار، وقد اندهشت كثيرا من هذه الظنون السلبية، لأنني لم أفكر مطلقا في ذلك حتى في أشد لحظات ضعفي، وكنت قد فقدت القدرة على نطق حرف واحد، وواظبت بعدها على المتابعة مع اختصاصية للنطق، ولكنها كانت صدمة أشد وأقسى من فقدان السمع. 

وكيف واجهت هذه الصدمة؟

في البداية شعرت بحزن شديد، خاصة أن البعض كان يسخر من طريقة نطقي وكلامي غير الواضح إلى حد كبير، ولكني مع الوقت بدأت أتقبل الأمر وأتعايش معه وأمارس حياتي بشكل طبيعي، وأصررت على المواصلة وتحقيق طموحي، وكنت حين أتعلم أي شيء كل يوم، أعتبر ذلك إنجازا كبيرا بالنسبة إليّ.

ماذا علمتك الأزمات؟

التجارب الصعبة والمريرة هي مصدر قوتي، فلولا أنني فقدت السمع ومن بعده النطق، لما أصبحت بالقوة التي أنا عليها اليوم، كما تعلمت من تلك المحن أن أحمد الله على كل شيء، فلم أشعر قط بالضعف أو الاستسلام، وأري أنني قادرة حتى على تكوين أسرة، وممارسة حياتي تماما مثل الأسوياء، فالله حين يأخذ شيئا من عبده يعوضه خيرا منه.

كيف تواجهين مضايقات البعض؟

أنا أكره نظرات الشفقة، أو حتى كلمات قد تحمل شيئا من محاولة إشعاري بالنقص، باختصار أرفض أن أكسر خاطر أحد، حتى أنني مع الوقت بدأت أتأكد من أن الإعاقة قد تمنح صاحبها التميز والتفوق، وترسخ في ذهني قناعة بأنه ليس هناك شخص معاق بل مجتمع معيق. 

كيف تشغلين وقت فراغك؟

أعشق القراءة إلى حد النهم، وبصفة خاصة قراءة الروايات، وأمتلك تشكيلة كبيرة من الكتب المنوعة في مختلف المجالات، والتي تساعدني على إشباع هذه الهواية الجميلة والمحببة إلى نفسي للغاية، وأعكف حاليا على مشروع يتعلق بإصدار كتاب عن تجربتي الخاصة، وأتمنى أن يري النور في القريب العاجل، بعد أن تأجل كثيرا نظرًا إلى ظروفي وانشغالي، ولكنني لن أتخلى عنه مطلقا.

ما رسالتك لأي معاق؟

أنصح أي معاق بأن يواجه أي تحد بكل قوة، وأن يتحلى بالإرادة التي تمكنه من تحقيق أي هدف، فليس هناك شيء مستحيل، وأتمنى من أي عائلة لديها شخص معاق ألا تخشى من نظرة الناس، بل تعمل على إدماجه والخروج به للمجتمع، ومساعدته على إبراز مواهبه، واستغلال طاقته، وأتوجه هنا بالشكر الجزيل إلى وزارة العمل على تنظيمها معرض الوظائف لذوي الاحتياجات الخاصة، الأمر الذي يعكس الاهتمام بدمج هذه الفئة وتلبية احتياجاتها. 

هل تمرين أحيانا بلحظات ضعف؟

أي إنسان لا بد أن يمر بها، وأحيانا أمر بلحظات ضعف، وهو أمر يحدث معي من وقت إلى آخر، وخاصة تلك اللحظة التي وجدت فيها نفسي لا أستطيع حتى نطق كلمة بابا، حينئذ انتابني شعور بأنني أضعف إنسانة في الدنيا، ولكني عادة لا أستسلم لهذا الشعور القاتل، وأحاول تجاوزه بأي شكل وفي أسرع وقت، ويساعدني على ذلك دائما دعم والدي، ومن حولي من الأهل والأصدقاء، إلى جانب مشاركاتي الاجتماعية في أنشطة وفعاليات متنوعة سواء داخل الجامعة أو خارجها. 

ما حلمك؟

لقد التحقت بكلية الإعلام لأحقق حلمي بأن أصبح مذيعة، وهو حلم عمري الذي لن أتخلى عنه طالما حييت، وأرى نفسي أتعامل معه على أنه تحدٍ كبير، وأشعر بأنني سأكون على قدره بمشيئة الله سبحانه وتعالى حتى يتحقق على أرض الواقع. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news