العدد : ١٥٠٩٧ - الأربعاء ٢٤ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٧ - الأربعاء ٢٤ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

دراسات

تقرير صادر عن معهد «بروكينجز» في واشنطن يناقش:

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية:

الثلاثاء ٢٩ يناير ٢٠١٩ - 08:54

«الدور الأمريكي في منطقة تتسم بالتغيرات الجيوسياسية الجديدة للشرق الأوسط»


 

غالبًا ما يؤكد التاريخ الحديث أن ديناميكيات التطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط تتشكل جزئيا من خلال تدخل القوى الخارجية. ففي معظم القرن العشرين، وضح هذا التنافس بين القوى العظمى؛ «فرنسا وبريطانيا»، ثم بين «الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة». ومع نهاية الحرب الباردة وانهيار الكتلة الشيوعية؛ حظيت أمريكا بالهيمنة على الشرق الأوسط كقوة خارجية.

ومن أجل تفسير هذه الظاهرة، صدر تقرير يوم 8/1/2019 عن معهد «بروكينجز»، بواشنطن، بعنوان «الجيوسياسية الجديدة للشرق الأوسط.. الدور الأمريكي في منطقة تتسم بالتغيرات» أعده «جيفري فيلتمان» و10 باحثين آخرين، سعوا من خلاله إلى تقديم نظرة شاملة حول كيف أن التطورات التي شهدها التاريخ الحديث، الممتدة من غزو الولايات المتحدة للعراق حتى الآن، قد غيرت بشكل جذري التكوين الجيوسياسي للمنطقة، محاولين تحديد الدور الذي يمكن أن تضطلع به الولايات المتحدة في خضم الاضطرابات التي تمر بها المنطقة، وكيف يمكن أن تتكيف مع هذا السياق المتغير من أجل تنفيذ أولويات سياستها الخارجية. 

وتماشيًا مع أفكار معظم المحللين، تستند حجج التقرير إلى فكرة أن «الهيكل الجيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط تغير بصورة هائلة منذ اندلاع ثورات ما سُمي بالربيع العربي 2011»، وليصبح ذلك منطقيا، كما يوضح «ناتان ساشس»، فلابد «أن نتتبع جذور هذا التغيير حتى قبل ذلك»، حيث لم يعد مركز القوة الإقليمية، اليوم، يكمن في العواصم العربية كما كان الحال خلال فترة الحرب الباردة، حينما كانت «بغداد ودمشق والقاهرة»، مراكز عسكرية ودبلوماسية وثقافية مهيمنة في الشرق الأوسط، حيث تخضع تلك العواصم اليوم للتأثير بشكل جزئي من قبل دول مثل؛ «إيران وتركيا وإسرائيل»، أو من قبل المركز الجديد للقوة العربية، دول الخليج؛ وعلى وجه التحديد السعودية والإمارات، وفي هذا الصدد تقول «سوزان مالوني»: «في الواقع، فإن مركز الجاذبية في المنطقة يتحول صوب الخليج لبعض الوقت».

ولعل هذا الإصلاح الدراماتيكي في مركز السلطة في الشرق الأوسط، الذي نشأ في القرن الواحد والعشرين، هو المسؤول عن اندلاع موجة من عدم الاستقرار في الدول التي كانت تحظى بالقوة من قبل، مثل «العراق ومصر وسوريا». ففي العراق، اندلعت حالة من عدم الاستقرار منذ غزو الولايات المتحدة لها عام 2003 والإطاحة بالرئيس صدام حسين ونظامه، وزج البلاد إلى اقتتال طائفي دائم. وبالنسبة إلى سوريا ومصر، كان عام 2011. بمثابة نقطة تحول، أدت إلى زعزعة استقرارهما، حيث انخرطت سوريا في حرب أهلية طويلة الأمد؛ بينما مصر، بعدما شهدت تغييرات متتالية في حكومتها، ركزت بشكل أكبر على الإصلاح الداخلي. 

ومن خلال ذلك، ظهرت جهات أخرى فاعلة؛ لتحل محل الدول العربية على المسرح الإقليمي؛ سعيًا منها، لأسباب مختلفة، إلى توسيع نفوذها في الشرق الأوسط، بعد أن استفادت من الفوضى التي ولدتها الصراعات الإقليمية، وذلك من أجل تأمين مصالحها.

ومن جانبها، سعت طهران في خضم النزاعات بعد عام 2011، كما فعلت في العراق بعد عام 2003. إلى تعزيز مكانتها كقوة إقليمية من خلال استخدام قوات بالوكالة مثل؛ (الحوثيين في اليمن، وحزب الله اللبناني في سوريا، وقوات الحشد الشعبي في العراق)، من أجل تنفيذ أجندتها الثورية والطائفية، وكما تشرح «مالوني» فقد «نجحت من خلال استغلال الصراعات الطائفية التي تجوب أرجاء المنطقة، في تعزيز هيمنتها، وقدرتها في إعادة توجيه النظام الإقليمي لصالحها بشكل مبدئي».

قادت هذا النهج القوى الإقليمية الرئيسية في المنطقة (دول الخليج العربي وإسرائيل) إلى توسيع مشاركتهم السياسية والعسكرية في جميع أنحاء الشرق الأوسط من أجل التصدي لسياسات إيران المزعزعة للاستقرار، وكان المخرج هو الديناميكية الحاسمة لتصعيد التنافس الإيراني -السعودي، الذي شهد تصاعدًا في نفوذ الطرفين وحلفائهما، وتجلى ذلك في المواقف الاستباقية المتزايدة للسياسة الخارجية السعودية والإماراتية في السنوات الأخيرة. 

وبعيدًا عن إيران، فإن لدى إسرائيل دافعا يقودها إلى تعزيز دورها الإقليمي المتنامي؛ وهو قضية فلسطين»، التي يصفها «ساشس» بأنها «أولوية تاريخية لتل أبيب» والتي ما اُنتقص من أهميتها شيء عما كانت عليه في القرن العشرين، حيث يرى أن إسرائيل تسعى إلى «إدارة القضية الفلسطينية والجوانب الدبلوماسية منها؛ «تقليل الضغط، وتجنب المخاطر». وعلى النقيض من هذه الجهات، فقد وسعت تركيا قوتها الإقليمية في السنوات الأخيرة، بغض النظر عن الديناميكية الإيرانية السعودية، مدفوعة برغبة تنبع من الداخل، مستمدة من سياسات الرئيس رجب طيب أردوجان، الذي يعطي الأولوية لإقامة نفوذ لأنقرة مع كل الدول التي كانت تتبع الخلافة العثمانية في الشرق الأوسط. علاوة على ذلك، سعيها للحد من تنامي قوة الأكراد ومحاولاتهم الرامية إلى الحكم الذاتي في سوريا والعراق، نظرًا إلى أنها تعتبر هذا التطور بمثابة مصدر قلق.

ومع ذلك، فإنه في السنوات الأخيرة انقسمت هذه المجموعة الجديدة من الجهات المهيمنة في المنطقة إلى معسكرين كبيرين. فمن جهة، ظهر المحور «الإيراني التركي القطري»، وعلى الرغم من الاختلافات في نواح سياسية محددة، إلا أن هذه الدول تشترك في نفس الهدف الأيديولوجي الواسع لإسرائيل في الشرق الأوسط من خلال رعاية الجماعات الجهادية السنية والشيعية، مثل رعاية تركيا للجماعات الإسلامية داخل قوات سوريا الديمقراطية، أو إيران عبر تمويلها لوكلاء في كل من لبنان والعراق واليمن، أو رعاية قطر لناشطين إسلاميين، مثل استضافتها ودعمها لجماعة الإخوان المسلمين. وعلى الجانب الآخر، هناك المحور الخليجي، الذي تقوده السعودية والإمارات، والنهج المنطقي الرئيسي له هو معارضة نشاط وأهداف المحور الأول، والتي يعتبرونها ضارة بأمنهم القومي. فضلا عن إسرائيل التي تعارض النهج الإيراني، الذي يصطدم بأهدافها الاستراتيجية.

وفي ظل غياب الدور الأمريكي كما لاحظ المؤلفون الآن، جراء السياسات المتعاقبة لكل من الرئيس باراك أوباما وخلفه دونالد ترامب؛ يبرز تهديد المنافسين الخارجيين للتأثير الأمريكي في المنطقة مرة أخرى، والمتمثل في روسيا والصين. 

ويعرض «مارتن إنديك»، أسباب تراجع الهيمنة الأمريكية والتي يراها عملية مستمرة تحركها عدة عوامل منها؛ أن «المصالح الأمريكية الاستراتيجية في المنطقة تغيرت بشكل دراماتيكي؛ بسبب ثورة الغاز الصخري في الولايات المتحدة، التي قللت من الاعتماد بشكل رئيسي على نفط الشرق الأوسط»، ومع أن ضمان التدفق الآمن للنفط من منطقة الخليج العربي، تبقى من أهم المصالح الاستراتيجية، بيد أنها الآن لم تعد مصلحة استراتيجية حيوية؛ وهو ما ساعد في نهاية المطاف على أن تغير أمريكا من سياستها الخارجية تجاه آسيا. وكان هذا التغيير مدفوعًا أيضا بفشل «السياسة الأمريكية في العراق، وعلى نطاق أوسع في أفغانستان»، والتي تسببت في «عدم وجود إرادة لتمركز القوات الأمريكية في المنطقة.

وقد أدى مزيج من سأم الحرب وتراجع الاعتماد الأمريكي على استقرار النفط العالمي؛ إلى غياب السياسة الخارجية في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن ترامب قد مضى عكس هذا الاتجاه، إلى حد ما، بإقامة تحالفات قوية ونشطة مع الدول الخليجية والأردن ومصر وإسرائيل، إلا أنه أصر أيضا على أن يقع العبء الأكبر سواء لوجستيا أو ماليا لمقاومة إيران على هؤلاء الشركاء المحليين. وفي ظل هذا الفراغ الذي خلفه الانسحاب الأمريكي، استغلت الصين وروسيا بطرق مختلفة الفراغ العسكري والسياسي والاقتصادي الذي تركته الولايات المُتحدة من خلال توطيد روابطهما مع جميع دول الشرق الأوسط تقريبا. 

وفي الوقت الحالي، ينصب التركيز الصيني على اكتساب المزيد من الشركاء التجاريين وخلق فرص الاستثمار، وتمهيد المنطقة لمبادرة «حزام واحد طريق واحد»، بدلاً من محاولة القيام بتأثير على الدبلوماسية أو النتائج السياسية على الأرض. وبالرغم من ذلك، وكما نوه «بروس جونز»، فإن، «الصين شرعت في الاستثمار في الآليات التي تُمكنها من ترسيخ نفوذها في المنطقة وقيامها بدور أكثر استباقية». 

وبالرغم من ذلك، تظل روسيا المستفيد الأول من انسحاب أمريكا؛ من أجل تشكيل السياسة الإقليمية بما يخدم مصالحها. وفي المقام الأول، يتعلق قلق الكرملين بنمو الجماعات الجهادية الذي تعتبر تهديدًا لأمنها القومي، وخاصة أن عدد سكانها من المُسلمين يقدر بـ20 مليونا، ما يجعلها مُعرضة بشكل كبير لهجمات، هو خلفيات حروبها في كل من الشيشان وداغستان، الأمر الذي جعلها تندفع إلى دعم نظام الأسد في سوريا، فضلاً عن جهودها لإقرار الاستقرار في ليبيا. علاوة على ذلك، سعيها إلى بناء تحالف معادٍ للغرب في الشرق الأوسط، تستطيع من خلاله إيقاف الجهود الأمريكية للتأثير على الأحداث الإقليمية مستقبليا. وترى «أنجلا ستنت»، «أن بوتين قد استغل «التناقض الأمريكي حول دورها المستقبلي في المنطقة؛ من أجل إعادة ترسيخ النفوذ الروسي، ما يؤثر من دون شك على التركيبة الجيوسياسية في هذه المنطقة».

وفي هذا السياق، يتساءل المؤلفون: كيف يمكن للولايات المُتحدة أن تتكيف مع هذه الحقائق الجديدة؟ بشكل عام، يؤكدون أن ذلك يتم من خلال مبادرات تهدف إلى تخفيف حدة التوتر في الشرق الأوسط، بالنظر إلى كون حالة عدم الاستقرار الناجمة عن الحرب، والشقاق الدبلوماسي، وانتشار الجماعات الإرهابية تُضر بالمصالح الأمريكية في نهاية المطاف، فمثلا فيما يتعلق بالحرب الأهلية اليمنية، يتفق المؤلفون على أن أمريكا بحاجة إلى الأخذ بنهج أكثر استباقية؛ لإنهاء الصراع من أجل ضمان أهداف عدة، من بينها؛ الحد من نفوذ إيران المتنامي هناك عبر وكيلها «الحوثي»؛ لمساعدة حلفائها الخليجيين، ولمنع عودة ظهور الجماعات الجهادية في المستقبل مثل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

وعلى الرغم من أن إعادة تنظيم النشاط الأمريكي في المنطقة سيعود بالفائدة على واشنطن، إلا أن هذا الاقتراح متناقض مع نفسه، حيث أخفق المؤلفون في إدراك أن الانسحاب الأمريكي هو خيار محبب على المستوى المحلي الأمريكي، بعيد المنال بالنسبة إلى صانعي السياسة الحاليين والمستقبليين، ومن غير المرجح أن يختار الرئيس في ظل المناخ الحالي إقحام نفسه بشكل أكبر في شؤون الشرق الأوسط. وكان من الأجدى أن تنصب جهودهم على كيف يمكن لأمريكا، في هذا السياق الحتمي، أن تسعى نحو أولوياتها بعيدًا عن التورط في أزمات المنطقة. إلى جانب أن «الوضع الجيوسياسي الجديد في الشرق الأوسط» يوفر بيئة خصبة لتجمع القوى الدولية في المنطقة اليوم. فضلا عن إخفاق التقرير في تناول بعض التطورات المحورية المهمة، مثل؛ فرض العقوبات الأمريكية على إيران، وإعلان أمريكا انسحابها من سوريا.

ومع ذلك، يُعد هذا التقرير إسهاما مهما من الناحية الجيوسياسية، حيث ساعد في بناء فهم واسع وشامل للواقع الجيوسياسي في الشرق الأوسط اليوم، ونجح في إثبات حقائق جديدة للديناميكيات الداخلية والخارجية التي تشكل التطورات الإقليمية. فضلا عن صدوره كنتاج مجهود تعاوني لمجموعة من الأكاديميين، قد أتاح رؤية أكثر وضوحًا حول تأملات الخبراء في مجال الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news