العدد : ١٥١٨٣ - الجمعة ١٨ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٣ - الجمعة ١٨ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

استراتيجية الدفاع الصاروخي الأمريكية: دلالات دولية وانعكاسات إقليمية

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الاثنين ٢٨ يناير ٢٠١٩ - 01:10

في السابع عشر من يناير الجاري أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجية أمريكية جديدة للدفاع الصاروخي تضمنت ستة محاور وهي أولوية حماية الشعب الأمريكي من خلال بناء عشرين نظامًا أرضيا لاعتراض الصواريخ فوق ولاية آلاسكا، وتطوير تكنولوجيا جديدة لضمان الإبقاء على التفوق الأمريكي في مجال تصنيع الصواريخ في مواجهة الآخرين، وتبني استراتيجية شاملة للدفاع ضد أي نظام صاروخي، وحماية الفضاء من خلال التكنولوجيا الحديثة في مجال تصنيع الصواريخ، والعمل على التغلب على جميع المعوقات التي تواجه الولايات المتحدة في سبيل سعيها للحصول على تلك التكنولوجيا الجديدة، تجديد الدعم الأمريكي لحلف شمال الأطلسي «الناتو» مع تجديد مطالبة الدول الأعضاء بضرورة الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الحلف.

وواقع الأمر أن اهتمام الولايات المتحدة بتعزيز تسلحها التقليدي عامة والدرع الصاروخية على نحو خاص ليس بالأمر الجديد بل إنه جاء نتيجة تكليف الرئيس ترامب لإدارته بمراجعة الدفاع الصاروخي في أعقاب توليه مقاليد الحكم. وتعد المراجعة الرسمية الأولى منذ عام 2010 إلا أن إعلان الرئيس ترامب تلك الاستراتيجية في هذا التوقيت لا يخلو من دلالات دولية، فضلاً عن انعكاساته الإقليمية، أولى تلك الدلالات الأهمية الاستراتيجية التي يوليها ترامب لحلف الناتو بما يعني أن الانتقادات التي وجهها ترامب غير ذي مرة لأعضاء الحلف لا تعني أن الرئيس ترامب بصدد الانسحاب من تلك المنظومة الدفاعية الأهم منذ تأسيسها عام 1949 وحتى الآن إلا أن محاولة ترامب الربط بين الاستراتيجية الجديدة للدرع الصاروخية وضرورة وفاء الحلفاء بالتزاماتهم المالية يعني أن مطالبة ترامب بهذا الشأن لها ما يبررها بدليل أنه وجه وزارة الدفاع الأمريكية بإعطاء أولوية لبيع تلك المنظومة المتقدمة لكل من الحلفاء والشركاء على حد سواء وثانيها: أنه خلال التفاوض في أزمات الأمن القومي غالبا ما تلجأ الدول إلى استخدام كل من الحلول الضاغطة والتوفيقية، ومن ثم فإن تزامن إعلان الاستراتيجية الأمريكية مع وجود توجهات أمريكية لتفضيل خيار التفاوض مع كوريا الشمالية يعني أنها ورقة مهمة يمكن أن تعزز من الأجندة الأمريكية خلال تلك المفاوضات في الوقت الذي لا تزال فيه الإدارة الأمريكية ترى أن كوريا الشمالية تمثل «تهديدًا غير عادي بما يستوجب على الولايات المتحدة توخي الحذر» وفقًا لما أكده الرئيس ترامب، وثالثها: أن إصدار تلك الاستراتيجية جاء في أعقاب تطورات مهمة على صعيد السياسات الروسية في المجال ذاته سواء بعد إعلان روسيا تزويد سوريا بمنظومة صواريخ إس 300 أو إعلان تركيا توقيع اتفاقية مع روسيا للحصول على منظومات الدفاع الصاروخية الجوية الروسية إس 400 وعدم رغبة تركيا في دمج تلك الصواريخ ضمن منظومة حلف الناتو إذ تعد تركيا أحد أعضاء الحلف. 

ومع التسليم بأهمية الدلالات السابقة فإن تلك الاستراتيجية سيكون لها انعكاسات إقليمية تتمثل أولاً في استفادة شركاء الولايات المتحدة من تلك المنظومة وفق ما أكده الرئيس ترامب في هذا الشأن ويعد ذلك نهجًا مغايرًا ربما لبعض الاستراتيجيات الأمريكية السابقة التي كانت تتضمن حظرًا على بعض الأسلحة لأطراف إقليمية بدعوى الحفاظ على توازن القوى الراهن بما يعنيه ذلك من أن الاعتبارات الاقتصادية في بيع تلك المنظومة سيكون لها الأولوية على ما عداها، وثانيًا: في ظل سعي إيران لتطوير أجيال متقدمة من الصواريخ بما يعنيه ذلك من الإخلال بتوازن القوى الإقليمي ومحاولة توظيف مسألة الانسحاب الأمريكي من سوريا فإن مضامين الاستراتيجية الصاروخية الأمريكية الجديدة تعني أن الولايات المتحدة لن تتساهل مع التهديدات الإيرانية وأنها لا تنفصل عن قضية البرامج النووية الإيرانية، ويلاحظ أن قائد الحرس الثوري الإيراني قال في أعقاب إعلان الرئيس ترامب تلك الاستراتيجية إن «إيران لا تعتزم زيادة مدى صواريخها في الوقت الراهن وأن مدى 2000 كم كاف لحمايتها» -على حد قوله- وثالثًا: أن إعلان ترامب تلك الاستراتيجية في أعقاب الانسحاب من سوريا يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تكون بعيدة عن الأزمات الإقليمية ولكن ليس بالضرورة أن يكون ذلك من خلال وجود قواتها على الأرض إذ إن تكنولوجيا الصواريخ الجديدة بإمكانها تحقيق الردع لكل من الحلفاء والشركاء ضمن مفهوم «تخفيف الوجود وضمان الوصول»

ومع أهمية ما سبق فإن القرارات التي ترتبط بسباق التسلح دائمًا ما تؤدي إلى ردود أفعال وهو ما عكسته حقبة الحرب الباردة، بل إن سيناريو أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 ربما يطل برأسه مجددًا، وخاصة إذا ما اعتبرت القوى الدولية الأخرى الخطوة الأمريكية تمثل تحديا لمصالحها وتحالفاتها الراهنة، بما يعنيه ذلك من احتمالية التصعيد والتصعيد المتبادل حيث وصفت وزارة الخارجية الروسية في بيان لها تلك الاستراتيجية بأنها «سوف تؤدي إلى سباق تسلح خطر في الفضاء وقد تصل إلى حد إعادة إطلاق برنامج حرب النجوم الذي يرتبط بحقبة الحرب الباردة»، وتصريح أحد الجنرالات الروس بالقول «إن منشآت الدفاع الصاروخي الأمريكية في أوروبا تقع في مرمى الصواريخ التي تمتلكها روسيا»، فضلاً عن صدور تصريحات أمريكية رسمية مفادها أن الولايات المتحدة سوف تقوم بتعليق التزاماتها تجاه معاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى مطلع فبراير 2019 مدة ستين يومًا لحل القضايا الخلافية مع روسيا ضمن تلك المعاهدة التي وقعت بين الجانبين عام 1987 وتضمنت تعهدات متبادلة بينهما بشأن صنع وتجريب ونشر الصواريخ الباليستية.

ويعني ما سبق أننا أمام مشهد دولي بالغ التعقيد، صحيح أن «الصراع المنضبط» كان سمة أساسية للعلاقات الأمريكية - الروسية إلا أنه مع ارتباط ذلك الصراع بقضايا التسلح التقليدي وغير التقليدي فإنه لا يوجد ما يحول دون تكرار سيناريوهات تصادمية لن يكون الأمن الإقليمي بعيدا عن مآلاتها في ظل احتدام الصراع الأمريكي- الروسي ودخول حلف الناتو على خط المواجهة، إلا أن التحدي الأساسي برأيي يكمن في أن زيادة هوة الخلاف الأمريكي - الروسي لن يطيل أمد الأزمات الإقليمية فحسب بل إنه سيكون فرصة سانحة لأطراف عديدة للاستفادة من ذلك الخلاف سواء أكانت دولاً أم جماعات من دون الدول بما يعنيه ذلك من ديمومة تهديدات الأمن القومي والإقليمي على حد سواء.

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز

 البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news