العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

دراسات

تقرير للمعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس» في لندن يناقش:

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الأربعاء ١٦ يناير ٢٠١٩ - 01:15

«السياسة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط»


 

 

على مدار عقود أدى الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط إلى إثارة نقاش مثير للجدل من جهة أولئك الذين يسعون إلى الحفاظ على انتشار القوات الأمريكية في المنطقة من أجل تعزيز نفوذها، والقضاء على التهديدات الأمنية مثل الإرهاب، إيمانًا منهم بأنه كما تقول «هيلي دال» من مؤسسة «هيرتيدج» «يعتمد السلام والاستقرار في كثير من الأحيان على استعداد أمريكا لقبول أن يكون لها وجود على أرض أجنبية»؛ وبين آخرين أمثال «بريان جنكيز» من مؤسسة «راند» الذين يعتقدون أن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة «سيخرج واشنطن من فوضى مكلفة، ويساعدها في التركيز على إعادة بناء اقتصادها، الأمر الذي سيكون أكثر أهمية بالنسبة إلى الأهداف الاستراتيجية على المدى الطويل». 

ومن أجل تفسير هذه الظاهرة في إطار السياسة الخارجية الأمريكية، صدر يوم 24/10/2018 تقرير عن «المعهد الملكي للشؤون الدولية»، «تشاتام هاوس» بلندن، أعده «ميكا زينكو» الباحث في برنامج الولايات المتحدة والأمريكتين، بعنوان «تقييم السياسة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط»؛ سعى خلاله إلى البحث عن أهم العوامل التي استند إليها الرؤساء الأمريكيون من أجل الإبقاء على الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط. ومن خلال استنتاج غير تقليدي أكاديميا يحلل «زينكو» مدى نجاح هذه الأسباب في تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية.

وعلى الرغم من أن واضعي السياسات ورؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين بدءًا من بيل كلينتون إلى باراك أوباما، وحتى الرئيس دونالد ترامب الذي يتبنى سياسة تسير نحو العزلة والانكفاء من خلال شعار «أمريكا أولاً» يسعون إلى تقليل أعداد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط؛ مع ذلك فقد زاد بشكل مستمر عدد الأفراد العسكريين والمستشارين الذين يمثلون هذا الوجود في المنطقة، وبلغ خلال فترة ترامب الرئاسية الحالية ما يُقدر بنحو 14000 فرد.

وفي الوقت الحاضر، يصل الوجود العسكري الأمريكي إلى مستويات لم يسبق لها مثيل منذ اندلاع حرب العراق. وقد قُدر إجمالي القوات المؤلفة من العاملين في الخدمة الفعلية في مناطق القتال مثل العراق وسوريا، بالإضافة إلى الموجودين في القواعد الأمامية الأمريكية، اعتبارًا من سبتمبر2017 بحوالي 180.54 ألف جندي. وعلاوة على ذلك، يقدم «زينكو» إحصاءات عن عدد القوات المتعاقدين لتقديم الخدمات اللوجستية والإدارية والذين يبلغ عددهم 323. 22 ألف فرد، ما يؤكد الحجم الحقيقي للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. في حين تشكل قوات سلاح البحرية الأمريكية مصدرًا آخر من مصادر الوجود، ويُعد أكبرها وأهمها على الإطلاق الأسطول الخامس المتمركز في منطقة الخليج، والذي يحظى بدور مهم حتى خلال وقت السلم، سواء كان ذلك من أجل تلقي التدريبات العسكرية أو دعم العمليات المنخرطة في صراعات المنطقة، مثل إمداد قوات دعم الشرعية في اليمن بالوقود.

ولعل السبب الرئيسي وراء دعوات انسحاب أو تقليل الوجود الأمريكي في المنطقة يرجع في المقام الأول إلى «توفير نفقات هائلة يمكن إنفاقها بطريقة أفضل على السياسة الداخلية». وفي الوقت الذي يصعب فيه تقدير كلفة نشر القوات الأمريكية في المنطقة تعد أفضل الأرقام المتاحة تلك التي وفرتها «نيتا كراوفورد» منسقة مشروع كلفة الحروب في جامعة «براون» الأمريكية في عام 2016، والتي حددت كلفة نشر القوات الأمريكية في صراعات منطقة الشرق الأوسط (بما فيها حربا أفغانستان وباكستان) بحوالي 3.689 تريليونات دولار، متوقعة أن ترتفع الكلفة بحلول عام 2053 إلى 4.792 تريليونات دولار. فيما يفشل الباحثون في تقدير كلفة عملية نشر القوات الأمريكية وقت السلم من أجل حفظ الأمن في المنطقة، مثل الأسطول الخامس و16000 جندي متمركزين بين معسكر عريفجان، وقاعدة أحمد الجابر الجوية، وقاعدة علي السالم الجوية في الكويت؛ جنبا إلى جنب مع كلفة التدريب ومساعدة حلفاء محليين.

وفي سياق رصد أسباب فشل الرؤساء المتعاقبين في تحقيق هذا الهدف، يقدم المؤلف ثلاثة عوامل أساسية:

الأول: عدم وجود إجماع عام حقيقي على الانسحاب من المنطقة. فعلى الرغم من دعوات جماعات الضغط وصانعي السياسات إلى تقليص الالتزامات الأمريكية والذين يشغلون مساحة جلية في كل من الكونجرس والإعلام، وخاصة بعد الإخفاقات الواسعة النطاق مثل حرب العراق؛ فإن هناك أغلبية صامتة تظل مناصرة للمشاركة، فقد أظهر استطلاع أجراه معهد «الشرق الأوسط» حول المواقف الأمريكية في أواخر عام 2017 عن اعتقاد 75% من الأمريكيين أنه يجب على الولايات المتحدة أن تظل منخرطة في المنطقة. علاوة على ذلك، فإن 25% من تلك النسبة يرغبون في أن تلعب حكومتهم دورا أكثر نشاطا، وخاصة في الحالات التي ينظر إليها على أنها تؤثر بشكل مباشر في المصالح الأمريكية. وعند السؤال عن دور أمريكا في مكافحة «داعش» في كل من سوريا والعراق أيد 82% تعامل الحكومة مع القضية. وعلى الرغم من أن الرأي العام متقلب وعُرضة للتغير بشكل ظاهري حول نشر قوات عسكرية في الشرق الأوسط، فإنه ظل على الدوام مؤيدًا بشكل كبير للوجود الأمريكي خلال السنوات الماضية. 

ثانيًا: الضغوط القوية من قبل وزارات الدفاع والخارجية الذين يمثلون مراكز البيروقراطية لسياسة أمريكا في الشرق الأوسط. وهؤلاء الأشخاص بما في ذلك كبار القادة العسكريين، والمستشارين، والقائمين على المخابرات وغيرهم من الشخصيات المؤثرة، يستخدمون مواقفهم في التأثير على قرارات الرؤساء المتعاقبين نحو تفضيل البقاء في المنطقة. ومنذ الحادي عشر من سبتمبر، وبعدما أصبح استقرار الشرق الأوسط مرتبطا بشكل جوهري بمفاهيم الأمن القومي الأمريكي، كان لأصحاب هذه النظرية الكلمة العليا في صناعة السياسة الإقليمية على جميع المستويات التقليدية الحكومية تقريبا.

وتماشيا مع الرأي العام الأوسع، يظل صانعو السياسة ملتزمين بالفكرة القائلة بأن الوجود العسكري النشط في المنطقة مفيد للمصالح الأمريكية على الرغم مما تتكبده الولايات المتحدة من تكاليف. من هذا المنظور يوضح المؤلف «أن انخفاض التمثيل العسكري من شأنه أن يقلل من قدرة الولايات المتحدة على تشكيل الخيارات وتوجيه سياسات حكومات بلدان الشرق الأوسط». ومع المزيد من الاستقلالية، قد تعتمد حكومات المنطقة سياسات تعتبر غير مواتية للولايات المتحدة. علاوة على ذلك «فإنه في حال خفض الدعم الأمريكي العيني لشركائها وحلفائها في المنطقة؛ فإن ذلك سيؤدي إلى مزيد من الفوضى، ويساعد في زيادة انتشار الإرهاب العابر للحدود». 

ثالثا: الحفاظ على سياسة الولايات المتحدة الإقليمية للدفاع المتقدم، ومن خلال تقديم هذا الاقتراح، لا يتفق «زينكو» مع معظم المحللين المعاصرين، الذين يميلون إلى الحكم على وجود أمريكا في المنطقة منذ أوائل الثمانينيات على اعتبار أنه ضار بالمصالح الأمريكية، ولم يحقق شيئا إلا تكبد تكاليف مالية وبشرية كبيرة، علاوة على عدم تحقيقه أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، مثل استعادة الاستقرار في المنطقة، والإسهام في تعزيز قدرات الشركاء المحليين، واحتواء إيران، وإيقاف انتشار الإرهاب، وهي الأهداف التي تم تقويضها بشكل مباشر بسبب أخطاء واشنطن العسكرية التاريخية في الشرق الأوسط.

ويعارض «زينكو» هذا الإجماع من خلال قياس مدى النجاح في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى المحددة التي اعتمدتها الإدارات المتعاقبة. كما يقر بأنه ربما الأكثر أهمية من هذه الأهداف، هو ضمان الاستقرار الإقليمي. وتماشيًا مع تأكيدات الأكاديميين الآخرين وصانعي السياسات والمحللين قال إن هذا الهدف الاستراتيجي لم يتحقق، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 وما تلاه من احتلال عسكري للعراق، قد أدى إلى ظهور جماعات مثل «داعش» التي أصبحت بمثابة آفة انتشرت في بقاع المنطقة، ما يقوض الاستقرار فيها. وعلى نفس القدر من الأهمية، يجب ألانتجاهل عدم قدرة الولايات المتحدة على احتواء إيران وسياستها الإقليمية العدوانية. فبمجرد السماح بظهور ملامح التوتر الطائفي في جميع أنحاء الشرق الأوسط قدمت واشنطن لطهران فرصة لاستغلال الانقسامات من خلال توسيع انتشار قواتها الشيعية، التي تعمل بالوكالة لصالحها، في كل من مناطق النزاع مثل سوريا والعراق واليمن، ولبنان، مع ما يؤدي إليه ذلك من زعزعة استقرار الدول في المنطقة.

وعلى الرغم من أن هذا الهدف الذي فشلت في تحقيقه والتعامل معه الآلة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط هو الأكثر أهمية، إلا أن هناك ثلاثة أهداف رئيسية أخرى يرى «زينكو» أنه قد تم تلبيتها، وهي:

الأول: منع تشكيل «الملاذات الآمنة» التي يمكن أن يعمل الإرهابيون من خلالها، وهي شبيهة بتلك التي قدمتها القاعدة لحكومة طالبان في أفغانستان أوائل العقد الأول من القرن الحالي. لكنّ مع ذلك يشير المؤلف إلى أن هذا الهدف قد شابه بعض العيوب، حيث إن نشر القوات الأمريكية في المنطقة قد جعلها عرضة لهجمات إرهابية محلية في مناطق النزاع. 

علاوة على أن تكتيكات مكافحة الإرهاب الأمريكية مثل الاغتيالات المستهدفة والهجمات بطائرات من دون طيار، قد عززت المشاعر المعادية للولايات المتحدة في المنطقة. ولعل أبلغ دليل على ذلك تشجع عشرات الشباب على الانضمام إلى منظمات إرهابية مثل داعش وحزب الله وتنظيم القاعدة، ما قوض الأهداف الاستراتيجية الأمريكية طويلة الأجل. 

ومع ذلك، فإنه عند تقييم كل هذه الدلالات السلبية يتضح اعتباران رئيسيان، وهما؛ 1- أن سياسة مكافحة الإرهاب الاستباقية الأمريكية أثبتت مدى جديتها حينما لم يتم شن أي هجوم خارجي واسع النطاق ضد الولايات المتحدة منذ الحادي عشر من سبتمبر. 2- أن الولايات المتحدة تمتعت مؤخرًا بنجاح عملية القضاء على داعش كهيكل شبه رسمي عبر العراق وسوريا.

الثاني: الإشراف على التدفق الحر المستمر للنفط عبر الخليج العربي، وهو هدف لا يرقى إليه الشك في نجاحه، فالوجود العسكري الأمريكي في الخليج عبر قواعده في دول الخليج  قد منع إيران من محاولة إغلاق مضيق هرمز أمام نقل شحنات النفط الخام. وعندما جرت محاولات لإغلاقه، كما حدث أثناء الحرب بين إيران والعراق، استجابت البحرية الأمريكية بسرعة فائقة واستطاعت الحفاظ على فتح ممرات الملاحة. 

الثالث: تعزيز قدرة الشركاء المحليين فعلى الرغم من أن هناك بعض الحالات التي تقوض هذه الفكرة، وخاصةً عندما انهار الجيش العراقي وبدأت داعش في تمردها عام 2014 فإن معظم الدعم الذي يقدم لبناء القدرات يثبت فعاليته فقط في دول مستقرة مثل إسرائيل والأردن ودول الخليج. وكما يوضح «زينكو» «يرتبط بل ويقترن عادة التعاون الأمني الأمريكي بمسألة الضعف السياسي للدول المضيفة.

على العموم.. استطاع «زينكو» من خلال تقديم تقييم غير تقليدي للنهج العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، أن يثبت أن الوجود المستمر والدائم في المنطقة كان من الأولويات الرئيسية لجميع الرؤساء الأمريكيين خلال العقود الماضية، والذي مكنهم من تأمين كثير من أهداف السياسة الخارجية الأمريكية وتحقيقها بدرجات متفاوتة. ومع ذلك، فهو يتفق مع عديد من المحللين المعاصرين الذين يرون أنه من غير المتوقع أن تَبقى الولايات المتحدة في المستقبل المنظور، كما قال «زينكو» «عالقة في المنطقة، مع كل ما تتكبده من تكاليف بشرية ومادية، وعواقب غير مدروسة، وما يصاحب ذلك من فرص لتشكيل وتصنيف النتائج السياسية والأمنية».

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news