العدد : ١٤٩١٤ - الثلاثاء ٢٢ يناير ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٩١٤ - الثلاثاء ٢٢ يناير ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٠هـ

في الصميم

لــطفـــــــي نصــــــــــر

كلام فض مجالس!!

بعد أن قرأت المقال المتميز والمنصف للأستاذة سوسن الشاعر الذي نشر يوم الخميس الماضي عن «مجلس الشورى» تحت عنوان: «الغرفة التشريعية الأولى.. بنت الميثاق».. أجد نفسي مضطرا إلى البدء بالمثل البحريني الشهير «اللي ما يعرف الصقر يشويه»!!

كنت في مقدمة الصحفيين الذين اختيروا لتغطية جلسات مجلس الشورى منذ بداية مجيئه إلى الساحة البحرينية.. ذلك لأن جولتي الصحفية الأولى في مؤسسة «أخبار اليوم» بمصر كانت في مؤسسات تشريعية.. اخترتها مجالا لعملي الصحفي انطلاقا من حبي وتفضيلي لهذا المجال.. ولذا؛ منذ أُسنِدَت إليَّ هذه المهمة في البحرين كنت استمتع بحضور جلسات مجلس الشورى استمتاعا حقيقيا.. فأداء السادة الأعضاء أداء متمرس.. وعميق.. وتأصيل رائع للتشريعات والقضايا، وقد كان أعضاؤه منذ أول فصل تشريعي شوري مُتَمرِّسين من قبل.. فضلا عما كان يضيف إلى كل ذلك رئاسة للمجلس هي الرائدة للملحمة الشورية على أرض البحرين من حيث الروائع والإبداعات في الأداء والمتمثلة في المرحوم إبراهيم حميدان.. حيث يسير رئيس مجلس الشورى الحالي الأستاذ علي صالح الصالح على نفس النهج والروعة في الأداء.

وبعد أن نقلت لتغطية نشاط الغرفة التشريعية الثانية «مجلس النواب» مع بداية إنشائه في عام 2002م، وبعد أن قضيت في تغطية نشاط مجلس الشورى حوالي (12) عاما متواصلة.. تكونت لدي قناعة بأن مجلس الشورى كان يؤدي مهمة الغرفتين معا وفي جدارة طوال السنوات التي كنت أغطي فيها نشاط جلساته.. أي أنه كان يغطي مهمة الرقابة والتشريع معا.. وفي مستوى أداء لم يتكرر.. حيث تصدى المجلس بالبحث والنقد والتفنيد والتصحيح للعديد من القضايا العامة الشائكة.. ومن بينها قضية الاحتكار التي كانت تسود السوق البحرينية في معظم سنوات العقد الأول لمسيرة مجلس الشورى البحريني!

وقد عُرِفت قيمة مجلس الشورى أكثر.. وتأكدت حقيقة مطلب استمرار هذه الغرفة التشريعية.. بعد أن جاءت الغرفة الثانية إلى الساحة.. وخاصةً عندما ظهر أن هناك جماعةً أخذوا وانتهجوا الشطط طريقا لهم من داخل المجلس ومن خارجه يريدون أن يسِّرعوا بل ويحكموا كما يعِنُّ لهم من دون أن يكون هناك من بعدهم من ينظر فيما نظروه أو قرروه.. أو يفندوا ما فنده من هم قبلهم بل ويأخذ به نحو التعميق والتأصيل وكشف عُرى الشطط والتسرع أو اللجوء إلى سلق المسائل بحسب الهوى!!

ولذلك كما أشارت الأستاذة سوسن الشاعر: لقد كان هناك البعض الذين أرادوا أن تنزاح الغرفة الثانية من طريقهم.. حتى لا يكون هناك معقب على ما ينتهون إليه.. ورغم أنني أغطي جلسات مجلس النواب منذ سنوات طويلة كنت أرى أن أداء مجلس الشورى هو الأفضل.. وقد كتبت عن هذه الحقيقة من وحي ضميري ومشاهداتي عدة مرات.. ولم أخش لوم اللائمين.

صحيحٌ أنه في بدايات مجلس الشورى كانت هناك اختيارات لأعضائه –وقد يكون لا يزال لها بعض الأثر الآن– ليست على ما يرام من حيث الاختيار.. وأنه في بدايات سنوات مجلس الشورى الأولى كان هناك قلة من أعضاء المجلس الذين كانوا يقضون الفصل التشريعي بكامل أدواره صامتين لا يتحدثون ولا يتحركون ولا ينطقون ببنت شفة وكأن على رؤوسهم الطير.. بينما كان الأكثرية من أعضاء مجلس الشورى -وهذه حقيقة- هم من الجهابذة المعطائين.. ومن هم على درجة من الخبرة والثقافة العالية في تخصصاتهم.. وأن القلة القليلة الصامتة لا تأثير لهم على كفاءة أداء المجلس في مجملها، أو أنهم كانوا لا يمثلون إلا أنفسهم.. فقد كانوا مكشوفين للغاية.

الديمقراطيةُ لها ثمن علينا أن نقبل الوفاء به.. وما دمنا قد رضينا باختيار الديمقراطية طريقا لنا.. فقد رضينا بأن ندفع هذا الثمن راضين ومتراضين.. ففي فصول مجلس النواب قد دفعنا أيضا ثمنا باهظا.. وقد جاءت الديمقراطية بمن هم أخطر من الصامتين.. حيث دفعت إلينا الديمقراطية بنواب هم والمهرجون سواء بسواء.. وهم الذين اقتصرت مهمتهم على إثارة الزوبعات التي لا تقدم شيئا على الإطلاق سوى الإساءة إلى المسيرة البرلمانية الناجحة على أرض البحرين.. وسوى أنهم كانوا يسهمون في حدوث التأخير وليس العطاء والتطوير!!

ليس ما أقوله هو للنيل من سمعة وإمكانيات ومقدرة السادة النواب على العطاء النافع للوطن والمواطنين.. بل بالعكس، هناك الأغلبية من السادة النواب الذين يقدمون العطاء الجزيل في مقدرة فائقة وعالية.. بل ومن بينهم وطنيون ومبدعون ومخلصون.. ولا يهمهم إلا أن يعطوا بإخلاص مهما كان الثمن.. ولكن في المقابل كان هناك من يطلب المداخلة من خلال الجلسات لمجرد أن يقول: أنا هنا.. وأنا أتحدث.. ولا يهم بعد ذلك أي شيء آخر!

لكن إذا كان مجلس النواب يعطي لقضية التشريع الكثير.. حيث تنطلق التشريعات الجماهيرية المهمة من مجلس النواب.. فإن مجلس الشورى يقدم الخدمة المهمة وهي تعميق المسائل وسبر أغوارها وتأصيلها بعيدا عن السلق والشطط أحيانا!

وعلى فكرة، هذا الكلام حول إمكانية أو ضرورة الاكتفاء بغرفة تشريعية واحدة مطروح منذ فترة بعيدة.. ثم علت وتيرته في هذه الأيام؛ أي في زمن «ترشيد الإنفاق».. هذا غير الترويج لشائعات تقول إن المملكة تعتمد ميزانيات سخية للسلطة التشريعية.. بينما هي تضن على مشروعات نفع الشعب في زمن «الضريبة المضافة».. المهم أن الكلام عن ترشيد «المجالس» في هذه الأيام هو مجرد كلام «فض مجالس» لا أساس له من الصحة أو الحاجة أو الضرورة.. بل هناك مجالات أخرى أهم وأنفع هي ما يجب أن تتركز عليها أحاديث مجالسنا.. وأيضا أحاديثنا مع بعضنا بعضا!!

وعلى فكرة، الحديث الذي كان يُشاع ويتردد ليس عن الاكتفاء بالغرفة الشورية باعتبار ما يقولونه من أنها تبحث في المبحوث وتكرر المكرر.. بل كان يشمل الحديث أيضا عن مدى إمكانية الاستغناء عن مجلس النواب نفسه باعتباره ليس له كلمة نهائية مسموعة.. واشتدت وتيرة الحديث مع طرح برامج ترشيد الإنفاق.. ولكن ظهر في النهاية أن هذا الكلام عن فض المجالس هو مجرد كلام «فض مجالس» ليس له أي ظل من الصواب أو الحقيقة.. إنه مجرد «كلام في كلام».. فالبحرين هي الدولة الكاملة المتكاملة بشعبها وقادتها ومؤسساتها الدستورية والقانونية شأنها في ذلك شأن كل الدول الكبرى تماما.

إقرأ أيضا لـ"لــطفـــــــي نصــــــــــر"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news