العدد : ١٤٩٧١ - الأربعاء ٢٠ مارس ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ رجب ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٩٧١ - الأربعاء ٢٠ مارس ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ رجب ١٤٤٠هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

إنكار الإدمان دليل إدمان

تحدثت في مقالي الفائت عن كيف أن السلطات الصحية في الصين أدرجت «إدمان الإنترنت» ضمن قائمة الاضطرابات النفسية التي تتطلب المعالجة المتخصصة، وبداهة فإن شخصا يمضي نصف ساعات اليقظة على الانترنت (في غير ما يتصل بعمل ذي طبيعة معينة، أي لمجرد التسلية حتى لو كانت تسلية ذهنية) يعاني من إدمان يؤثر على علاقته بمن حوله، وبالمجتمع بصورة عامة، فليس شخصا طبيعيا من يستغني عن العلاقات الطبيعية مع الناس، ليجلس قبالة شاشة متوهجة «متبكِّما»؛ أي لا ينطق بحرف، ساعات متصلة، او من يفضل التخاطب حتى بالكلمات المنطوقة مع أناس لا يراهم وقد لا يعرف عنهم كثير شيء، على التآنس والدردشة مع بشر من لحم ودم كانوا موجودين في حياته قبل اختراع الانترنت.. وإذا كنت تمضي –مثلا– ست ساعات يوميا مع الإنترنت ولا تعتبر نفسك «مدمنا» فهذا تأكيد لكونك مدمنا؛ لأن من علامات الإدمان «الإنكار»، واسأل نفسك لماذا تعتبر الشخص الذي يتفادى مخالطة الناس بمن فيهم أهل بيته انطوائيا، وتقول إنه بحاجة إلى علاج نفسي، ولا تعتبر شخصا آخر يجلس بمفرده أمام شاشة بلورية ساعات متصلة وهو يبتسم أحيانا ويضحك أحيانا أخرى انطوائيا؟ (وقبل سنوات قليلة كان من يفعل ذلك -أي يضحك ويتكلم وهو جالس بمفرده- ينتهي به الأمر عند طبيب نفسي أو شيخ يقرأ عليه شيئا من القرآن ليعينه على استرداد قواه العقلية).

والعصر الحالي جاء بأنواع جديدة من الإدمان، لم تكن حتى عهد قريب مدرجة في قواميس الحياة اليومية، فهناك إدمان الرشاقة عند بعض النساء، فتجد فتاة عاقلة وحسنة التعليم طولها 175 سنتيمترا ووزنها 65 كيلوجراما تجعل نفسها عامدة من ضحايا المجاعة، وينخفض وزنها بوتيرة منتظمة حتى تصبح في رشاقة عود السواك (وهذا ليس غزلا ولا مدحا لأن عود السواك بلا تضاريس)، ويصبح وزنها 50 كيلوجراما ولكنها تواصل تجويع نفسها لأن الحرمان من الطعام يصبح عندها غاية في حد ذاته، ومثل هذا الهوس هو الذي يوصل العديد من النساء إلى المرض المعروف بـ«أنوركسيا»، وهو مرض عضوي نفسي يجعل المصاب يعاف الطعام بل تلفظ المعدة كل ما يدخلها من طعام، وقد يصبح مجرد الحديث عن الطعام مسببا للقيء؛ تقول لها عندما يبلغ وزنها 60 كيلوجراما: يا بنت الناس والله أنت في منتهى الرشاقة واللياقة.. ارحمي نفسك! ولكنها ترد: لا بد أن أتخلص من كيلو ونصف الكيلو لكي أصل إلى الوزن المثالي.. لا تستطيع أن تقنعها بأنه لا يوجد هناك وزن أو بطيخ «مثالي»؛ ثم -يا جماعة- إن الأكل «متعة» وغاية ووسيلة، فلماذا نجعل حياتنا معادلات جبر وفيزياء ونقيسها بالجرام والمسطرة والكسور العشرية؟ وكما هو ثابت في العديد من الدراسات الرصينة، فإن جناية الرشاقة التي تعاني منها النساء نجمت عن متابعة فتيات الفياغرا على شاشات التلفزيون، وجعلهن «مثلاً أعلى» في مجال الشكل والوزن والمحيط والمساحة.

من إدمان العصر أيضا التسوق المفرط، وفي الدول الغربية يخضع مئات الآلاف للعلاج النفسي بسبب معاناتهم من إدمان التسوق، ويسمى المصاب بهذا المرض shopaholic.غالبية ضحاياه من النساء، وياما خرب بيوتا وزج بالناس في السجون، ولأسباب كثيرة من بينها أن التسوق هو الترفيه الوحيد المباح للنساء في كثير من المجتمعات بما فيها الغربية، ولكون النساء أكثر اهتماما بالأناقة، فإنهن أكثر عرضة لهذا النوع من الإدمان، الذي يتمثل في شراء أشياء لا حاجة لهن إليها، أو شراء عدد كبير من صنف واحد من السلع وارتياد الأسواق بصورة شبه يومية، وفي كل عائلة تقريبا امرأة عالية الثقافة في شؤون السوق، وتعرف كل شيء عن المتاجر التي بها «تنزيلات»، وحتى عن المتاجر التي بها أدوية لعلاج حالات الإمساك عند القطط، رغم أنها لا تملك قطة بل تخاف من القطط.. وبإمكانك أن «تقفش» هذا الصنف بوضع عدد من الصحف أمامه، وسترى كيف أن اليد لا تمتد إلا للملاحق الإعلانية.. وستعجب لماذا تقرأ أختك أو زوجتك إعلانا يتعلق بتوريد مواد لسفلتة موقف سيارات في وزارة البلدية.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news