العدد : ١٥٠٦٣ - الخميس ٢٠ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٣ - الخميس ٢٠ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ شوّال ١٤٤٠هـ

الثقافي

ســـرديــــات: «زنوبيا..ملكة تدمر» لسلطان القاسمي.. إعادة تفكيك التاريخ السردي

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٠٥ يناير ٢٠١٩ - 11:32

خضعت بعض المرويات السردية في تاريخ الثقافة العربية إلى اختلاقات كبرى أسّست «تاريخ الجماعات السردية» المجازي الثقافي الذي قد يفترق عن التاريخ المدوّن في بعض المصنفات التاريخية العربية القديمة، بل إنَّ حتى هذا التاريخ المدوّن لا يخلو من الإضافات والتغيير والحذف والطمس والمحو والإلغاء، ما أدى إلى تعدد مرويات الحكاية الواحدة. أشار الناقد المصري الكبير شوقي ضيف إلى اختلاق قصة زنوبيا ملكة تدمر في الثقافة العربية، وتعارض قصتها مع ما كشفته الوثائق الرومانية عنها وعن قصة حياتها بما يتناقض تمامًا مع قصتها كما ترد في بعض المرويات العربية في سرديات أدب ما قبل الإسلام.

تناول الشيخ الدكتور سلطان القاسمي قصة زنوبيا كما وردت في المصادر التاريخية الخاصة بالتاريخ الأغسطي والبيزنطي، ومنها: السيرة الذاتية لزنوبيا في التاريخ الأغسطي «حياة الأدعياء الثلاثين»، وقصة زنوبيا بحسب رواية المؤرخ البيزنطي «زوسيموس» «التاريخي، مخطوطة الفاتيكان» و«تاريخ المؤرخ البيزنطي زونارسا». يقول الدكتور سلطان القاسمي «تفاجأت، عندما قرأتُ ما كتبه العرب عن ملكة تدمر، ودعوها بالزبَّاء وهو اسم تطلقه العرب على النساء ذوات الشعر الطويل الكثير، فقالوا هي «الزبَّاء بنت عمرو بن الظرب»، أو «إنها الزبَّاء بنت الريّان الغساني» ملك الحضر جنوب الموصل. والرواية التالية ربَّما هي التي أحدثت التشابه بأنَّ الزبَّاء هي ملكة تدمر، تقول الرواية: «لأمر ما جدع قصير أنفه»: مثل يُقال في من استعمل حيلة لنيل مرامه. قالته الزبّاء لما رأت «قصيرا» مجدوعا. وكان أبوها الريّان الغسّاني ملكًا على الحضر، فقتله «جذيمة» الأبرص، وطرد الزبَّاء إلى الشام، فلحقت بالروم، وبلغت من همتها أنها جمعت الرجال، وبذلت الأموال، وعادت إلى دار أبيها ومملكته، فأزالت جذيمة عنها وقتلته، وحكمت باسم الملكة الزبّاء». وكان لجذيمة وزير اسمه «القصير» فاحتال في قتل الزبّاء، فجدع أنفه، وضرب جسده، ورحل إليها زاعمًا أنَّ «عمرًا» ابن أخت جذيمة صنع به ذلك، وأنه لجأ إليها هاربا منه، واستجار بها. ولم يزل يتلطف لها بطريق التجارة وكسب الأموال إلى أن وثقت به، وعلم خفايا قصرها ثم وضع رجالاً من قوم «عمرو» في غرائر أي جواليق وعليهم سلاح، وحملهم على الإبل، على أنها قافلة متجر، إلى أن دخل بهم مدينتها، فحلوا الغرائر، وأحاطوا بقصرها وقتلوها فعلمت حيلته، وقالت المثل.

لكن الحقيقة، كما يذكر الدكتور القاسمي، تكمن في «التاريخ الأغسطي» عن «حياة الأدعياء الثلاثين» والذي كُتِبَ سنة 320م، أي بعد إحضار زنوبيا إلى روما بست وأربعين سنة فقط، فقد أُحضِرَت إلى روما سنة 274م، وقد ذكر في تلك الوثيقة «تنتسب زنوبيا إلى عائلة كليوباترا وبطليموس أحد ملوك مصر». وقول آخر يقول إنَّها «تنتسب إلى عائلة كليوباترا، والعائلة المالكة في قرطاجة من سلالة «ديدون». كما أنَّ المؤرخين البيزنطيين اختلفوا في مصير هذه الكلمة «زنوبيا» «هناك من يقول إنه قد جيء بها إلى روما وتزوجت بواحد من أبرز رجال روما، بينما يقول آخرون إنها توفيت في الطريق بسبب حزنها على تغيّر أوضاعها، على الرغم من أنَّ «أوريليان» قد اتخذ إحدى بناته زوجة له، بينما تزوجت باقي بناتها من أشهر الرجال الرومان».

 إذن «الزبّاء» في المصادر العربية القديمة وفي المرويات السردية هي ملكة عربية في حين تصبح في المصادر التاريخية الرومانية والبيزنطية ملكة بطليمية من أصول إغريقية، واسمها «زنوبيا». فمن الذي اختلق هذه المرويات السردية؟ ولأي تاريخ ينتمي هذا الاختلاق.. الإجابة صعبة جدًا ما دمنا نتحدث عن تاريخ شفهي وحتى تاريخ مُدوّن خضع ولا يزال يخضع لاختلاقات وفقًا للجماعات السردية التي أنتجته. ألم يقل ابن خلدون في تاريخه إنَّ لبني هلال سيرة تكاد تصل لديهم حد التقديس، وإنَّ من يشكك فيها يُرمى عندهم بالجنون!

أستاذة السرديات والنقد الأدبي الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين.

dheyaalkaabi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news