العدد : ١٤٩١٤ - الثلاثاء ٢٢ يناير ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٩١٤ - الثلاثاء ٢٢ يناير ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

حوارات أطلسية: خريطة طريق لحلف الناتو ضمن تحولات النظام العالمي

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٣١ ديسمبر ٢٠١٨ - 01:15

على مدى ثلاثة أيام خلال الفترة من 13-15 ديسمبر الجاري استضاف مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد بمدينة مراكش المغربية المؤتمر الدولي السابع «حوارات أطلسية» ذلك المؤتمر الذي عقد للمرة الأولى عام 2012. وضم هذا العام 350 مشاركًا من 90 دولة، ولعل ما يكسب ذلك المنتدى الاستراتيجي أهمية أنه استهدف مناقشة التحديات المشتركة لدول حلف الناتو ودول جنوب البحر الأبيض المتوسط والدول الإفريقية من خلال نقاش مؤسس على حقائق بشكل صريح إذ ضم نخبة متميزة من المسؤولين الحاليين والسابقين من الجانبين وهو الأمر الذي انعكس على صياغة مقاربات شاملة لفهم أفضل لواقع التحديات المشتركة ومحاولة بلورة رؤى واقعية لمواجهتها.

ومع التسليم بأهمية ذلك المؤتمر كون المغرب يعد أحد أعضاء مبادرة حلف الناتو للتعاون المتوسطي التي أطلقها الحلف عام 1994 وتضم إلى جانب المغرب ست دول أخرى فإن اهتمام حلف الناتو بدول جنوب البحر المتوسط قد شهد تناميا ملحوظًا إبان السنوات الماضية ليس أقلها قرار حلف الناتو عام 2017 بتأسيس مركز الجنوب ويتبع القيادة العسكرية للحلف في نابولي ويستهدف التنسيق مع دول جنوب المتوسط بشأن الجماعات الإرهابية، وضمن هذا السياق فإن المؤتمر يعد محاولة جادة لإخراج تصورات الحلف وكذلك التصورات عن الحلف خارج المنظومة الأطلسية إلى فضاء أرحب، الأمر الذي انعكس على مناقشات المؤتمر بشكل جلي في جميع جلساته أثار اهتمامي منها خمس قضايا: الأولى وجود مطالبات من دول الجنوب بأهمية تأسيس العلاقات بين الشمال والجنوب على مفهوم توازن المصالح وخاصة في ظل التطورات التي شهدتها دول الجنوب على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة، والثانية: في ظل سيادة مخاوف من انحسار الدور الأمريكي في العالم، ما عبرت عنه صراحة وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت التي أكدت أن ذلك الفراغ الاستراتيجي سيتم ملؤه من جانب قوى دولية أخرى فقد أثيرت تساؤلات حول دور حلف الناتو ضمن تلك التحولات، ذلك التحالف الذي لايزال أقوى التحالفات العسكرية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، بمعنى آخر كان هناك إجماع على أن العالم لا يزال في حاجة إلى حلف الناتو لتحقيق توازن القوى وضمان عدم خروج الصراعات عن حد السيطرة، ومع وجاهة ذلك الطرح والذي يؤسس تراكم خبرات لدى الحلف حول دول الجنوب من خلال المبادرات التي أطلقها في هذا الشأن سواء الحوار المتوسطي أو مبادرة اسطنبول إلا أنه يجب الأخذ بالاعتبار أن حلف الناتو ليس «شرطي العالم» حيث إن لديه معايير للتدخل في الأزمات وهي أهمية وجود غطاء قانوني أممي وإجماع دول الحلف على أن أزمة ما تعد تهديدًا لمصالح دول الحلف، وطلب الدول المعنية ذلك التدخل، والثالثة: أن الحاجة لحلف الناتو ضمن السياق الدولي الراهن لا تعني انحسار مهمة الحلف في التدخل عسكريًا خلال الأزمات وإنما ضرورة مواكبة الحلف للمستجدات الأمنية ومنها الحروب الإلكترونية والإرهاب المرتبط بالجريمة المنظمة وهي تحديات تحتاج إلى إطار جماعي على غرار الحلف للتصدي لها، والرابعة: أهمية استمرار تضامن الحلف سواء داخليا من خلال تعزيز الدعم الشعبي للحلف داخل دوله في ظل ظهور تيارات تناهض فكرة التحالفات ذاتها، أو خارجيا من خلال رأب الصدع بين ضفتي الأطلسي والذي بلغ ذروته بظهور مقترحات أوروبية تستهدف تأسيس جيش أوروبي موحد بعيدًا عن مظلة الناتو، والخامسة: أهمية تفعيل جسور التواصل الثقافي والحضاري بين حلف الناتو وشركائه من دول الجنوب بما يعنيه ذلك من إعادة الاكتشاف المتبادل بين الجانبين. 

وبرأيي أن ذلك المؤتمر يعد منبرا مهما ضمن حوار الحلف مع شركائه لأسباب ثلاثة أولها: أنه قد أسس لحوار استراتيجي عالي المستوى بين حلف الناتو كمنظمة إقليمية لدول أمريكا الشمالية وأوروبا، وبين دول الاتحاد الإفريقي، ما يبرز أهمية التنظيمات الإقليمية في منظومة الأمن العالمي مجددًا في ظل عولمة التهديدات الأمنية ومنها الهجرة التي تتطلب جهودًا جماعية مشتركة وإجماع المشاركين في المنتدى على أن الحلول الأمنية ليست كافية للتعامل مع تلك القضية، وثانيها: أن المؤتمر قد انعقد في ظل تطورات استراتيجية عالمية سواء على صعيد حلف الناتو ذاته من حيث توتر العلاقات بين ضفتي الأطلسي أو على الصعيد الخارجي بظهور ملامح حرب باردة جديدة ستكون القارة الإفريقية إحدى ساحتها، الأمر الذي حدا بالأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى إلى التحذير من مغبة شمول الحرب الباردة القارة الإفريقية التي أضحت ساحة لقواعد عسكرية لعديد من الأطراف الإقليمية والدولية، وثالثها: أن تلك المناقشات تجيء قبل عام من إقرار حلف الناتو المفهوم الاستراتيجي الجديد لحلف الناتو عام 2020 وهو ميثاق أمني رفيع المستوى يصدر كل عشر سنوات كمراجعة للمستجدات الأمنية وتحديد آليات مواجهتها، ما سيضفي موضوعية وواقعية على ذلك المفهوم الذي سوف يأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات الأمنية للشركاء كمتطلب أساسي لتطوير تلك الشراكات.

وتأسيسا على ما سبق يبقى التساؤل المهم الذي يجب أن يطرح ضمن تلك الحوارات: هل يدور الحديث عن أجندة أمنية واحدة لكل من دول الحلف ودول جنوب المتوسط أم هناك أجندات مختلفة؟ والتساؤل الأهم هل تكفي مبادرات الحلف الراهنة لتنصهر فيها تلك الأجندات أم أن هناك حاجة إلى أطر جديدة للشراكة؟ وأتصور أنها تساؤلات استراتيجية يتعين أن تستحوذ على جل اهتمام الحلف وشركائه مستقبلاً من أجل إيجاد تفاهمات مشتركة في ظل تحولات عالمية تؤكد أنه لا سبيل لمواجهتها سوى بالانضواء إلى تحالفات يجب أن تتجاوز مهامها التهديدات العسكرية التقليدية. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

 بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news