العدد : ١٥٠٨٩ - الثلاثاء ١٦ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٨٩ - الثلاثاء ١٦ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

من حقي 4 ساعات عمل بأجر كامل

عندما كنت أعمل خبيرا أجنبيا في بريطانيا، وبالتحديد في تلفزيون بي بي سي، كانوا يعطوننا 180 جنيها كل ستة أشهر لتبديل النظارات الطبية، من منطلق أننا نمضي ساعات طوالا أمام شاشات الكمبيوتر والتلفزيون، ما يؤثر سلبا على قدرتنا على الإبصار، وكان يتم استدعاؤنا كل ستة أشهر أمام اختصاصي علاج طبيعي للكشف على الرسغ لأن استخدام فأرة الكمبيوتر (الماوس) يؤدي إلى ما يسمى إصابة الشد المتكرر Repetitive strain injury، وقد صار هذا المرض متعارفا عليه في الدول التي تحترم حقوق العاملين وأبناء وبنات آدم وبنات آوى، (آلام العنق والظهر الناجمة عن استخدام تطبيقات الهاتف الجوال لا تعتبر إصابات عمل رغم أن معظمنا يظل يوتسب ويفسبك خلال ساعات العمل الرسمية)، ومنذ نحو خمس وعشرين سنة وعملي يتطلب استخدام الكمبيوتر من الألف إلى الياء، أي في كل ما يتعلق بالعمل الرسمي والخاص، حتى بت عاجزا عن استخدام القلم التقليدي، بل إن استخدام الانترنت حتى للتحويلات المالية والمعاملات البنكية جلب علي الشبهات؛ فكلما كتبت شيكا لأحدهم ارتد الشيك لأن توقيعي عليه غير مطابق للتوقيع المعتمد لدى البنك، ويحدث ذلك لأنني -مثل كثيرين غيري- توقفت عن كتابة الشيكات ولا تتطلب طبيعة عملي التوقيع على أي ورقة، ولذلك صرت لا أُحسن وضع توقيعي على أي مستند.

والتوقف التام عن استخدام الورقة والقلم جعل أمي غاضبة علي لأنني توقفت عن مراسلتها بالبريد التقليدي، ولأن رأسها كان ناشفا فإنها لم تكن مقتنعة بأن المكالمات الهاتفية تكفي للتواصل بيننا، وقد نصحتها بتعلم استخدام الإنترنت لكي يتسنى لها أن تراسلني عبر البريد الإلكتروني (الإيميل)، على أن تبدأ بالالتحاق بدورة لتعلم اللغة العربية المكتوبة، علما أنها امرأة نوبية لا تتقن حتى العربية المنطوقة، ثم يلي ذلك تعلم الإنجليزية، توطئة لدراسة أبجديات استخدام الكمبيوتر، ولكنها قابلت ذلك الاقتراح الموضوعي بعبارة غير موضوعية: بلاش قلة أدب وأرسل جوابات بانتظام! (في السودان ومصر نسمي الرسائل جوابات بينما تسمى الرسالة في الخليج «كتاب»، وهي تسمية مُربكة للكثيرين الذين يعرفون أن الكتاب يتألف من عشرات بل ومئات الأوراق المطبوعة الموضوعة بين غلافين).

ويبدو أنني سأعمل بتوجيهات مامتي وأسترد قلمي وأوراقي بعد أن قرأت خلاصة تقرير منشور في العدد الأخير من المجلة الأمريكية للطب الصناعي يفيد بأن أبحاثاً أجراها فريق من الباحثين اليابانيين على مدى ثلاث سنوات أكدت أن من يستخدم الكمبيوتر خمس ساعات يوميا يتعرض لتشكيلة واسعة من الأمراض العضوية والنفسية من بينها الصداع وآلام العنق وأسفل السلسلة الفقرية وإجهاد العينين والقلق والاكتئاب والأرق، وقالوا إن السبيل الأمثل لمنع الإصابة بتلك الأمراض يتمثل في عدم الجلوس أمام شاشة الكمبيوتر أكثر من أربع ساعات يوميا.

وفي ظل العولمة وقوانين العمل الدولية الموحدة فإن من حقي أن أعمل نصف دوام بأجر كامل لأن طبيعة عملي تتطلب الجلوس أمام الكمبيوتر على الدوام طوال الدوام، وبما أن ساعات العمل اليومي تتألف من 8 ساعات، وبما أن صحتي ستتدهور إذا جلست أمام الكمبيوتر أكثر من نصف الساعات الثماني، فعلى كفيلي أن يتفادى الجرجرة في المحاكم بالسماح لي بالعمل أربع ساعات يوميا من العاشرة صباحا حتى الثانية بعد الظهر، وإلا فعليه أن يقابلني في جنيف التي سأسافر إليها على نفقته لكي أمثل أمام منظمة العمل الدولية، التي سبق لها أن كلفتني بأعمال ترجمة ضخمة، ولم تعطني فلسا عليها، ما يقوم دليلاً على أنه في ظل العولمة فإن شكوى إنسان العالم الثالث لمنظمة دولية أيا كان تخصصها... مذلة!

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news