العدد : ١٥١٧٨ - الأحد ١٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٧٨ - الأحد ١٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤١هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

رسالة عيد الميلاد

قبل أيام، دخلت في نقاش طويل مع صديق مسيحي مقرب، في نفس عمري تقريبا ومعروف عنه تدينه الشديد.

تطرقنا في نقاشنا إلى قضايا كثيرة. أثناء النقاش سألني: لماذا يعتبر عدد المسلمين الذين يقدمون على الانتحار قليلا جدا مقارنة بأتباع الديانات الأخرى؟

أجبته قائلا إنني لا أملك في الحقيقة أي أرقام أو إحصائيات تتعلق بهذا الأمر، لكنني لاحظت أن تقارير صحفية عدة تتحدث عنه وتدعم ما قاله. وقلت له إنه مع هذا، فإنني لا أعتقد أن هذه المقارنة تنطبق على مجتمعات أوروبا الغربية المسيحية والمجتمعات الإسلامية. 

اندهشت عندما قال لي إنه يعتقد أن الجغرافيا لها علاقة بهذا الأمر. وأوضح وجهة نظره بالقول إن المسيحية في أوروبا الغربية تنهار بشكل سريع جدا. وأضاف أن الكنيسة في إنجلترا تعاني أشد المعاناة من انخفاض أعداد المصلين الذين يرتادون الكنائس بشكل كبير جدا، لدرجة أن آلاف الكنائس في بريطانيا مهددة بأن تغلق أبوابها نهائيا. وقال إن هذا الوضع نفسه ينطبق على أغلب دول أوروبا الغربية.

تعليقا على كلام صديقي، قلت له لأنك مسيحي متدين فأنت أكثر قدرة مني بالضرورة على فهم الأسباب التي قادت إلى هذا الوضع في دول أوروبا الغربية.

تابع حديثه في محاولة لتقديم تفسير لهذا الوضع قائلا: السبب الأساسي هو المادية بمعناها العام. وبالإضافة إلى هذا، فإن الكنيسة كمؤسسة دينية فقدت الكثير من سمعتها وهيبتها، وخصوصا في أوساط جيل الشباب.

قلت لصديقي إنني أختلف معك في هذا الرأي. فحتى لو كان ما قلته صحيحا، فإن أعداد المتدينين الذين يرتادون الكنائس للعبادة والصلاة بملء إرادتهم تزداد بشكل ملحوظ عاما بعد عام في دول مثل روسيا، ودول أوروبا الشرقية السابقة والصين، وأعداد هؤلاء في هذه الدول أكثر بكثير جدا إذا قارناها بالوضع في أوروبا الغربية. وسبب ذلك في تقديري هو طبيعة فهمهم للدين، فالدين بالنسبة إليهم ليس قضية فلسفية، إنما رابطة بين مخلوقات الله وخالقها.

فهم الدين والعلاقة بالخالق على هذا النحو يرسخ بالضرورة مشاعر روحية لا يمكن أبدا أن تعوضها أو تقلل منها المادية بكل صورها ومظاهرها. حاجات الإنسان ليست محصورة فقط في الاحتياجات المادية من ثروة وغيرها، وليست قاصرة عليها. حاجات الإنسان الروحية أكثر وأبعد من احتياجاته المادية وتتعداها بمراحل.

وفيما يتعلق بالدول الغربية، الأمر المؤكد أن ما شهدته مجتمعات هذه الدول خلال المائة عام الماضية كان له أكبر الأثر في الوضع الذي انتهت إليه اليوم. لقد شهدت هذه الدول ثورات كثيرة، وشهدت اندلاع حربين عالميتين فقد فيهما ملايين الناس أرواحهم.. كل هذا وغيره كان له أثر مباشر عميق بالتأكيد في توجهات الغربيين ومواقفهم وآرائهم.

شعوب هذه الدول شهدت الموت والخراب والدمار يحل ببيوتها ومدنها وأماكن عملها، وكان من الطبيعي أن يغير كل هذا من نظرة الأفراد والمجتمعات عموما إزاء كل قضايا الحياة. أصبحت هذه الشعوب الآن تتبنى شعار «عش ليومك فقط». وهذه القناعة قادت إلى مدرسة جديدة في التفكير تقوم في جوهرها على أن الغد بعيد جدا، والأمس مضى وانتهى ولا يمكن تغييره، فدعنا إذن نعش الحاضر فقط بكل جوارحنا واهتمامنا.

هذه القناعة والنظرة إلى الحياة كان لا بد أن تقود بالضرورة إلى كثير من التغيرات الاجتماعية العميقة، وكانت تغيرات تعني في جوهرها ابتعادا عن الأخلاق، والقيم، وقدسية المسيحية. 

بالطبع كان أحد المظاهر المحزنة لهذه التغيرات صداما مباشرا، كان لا بد أن يحدث مع جوهر المعتقدات الدينية.

لا شك أن الكثيرين سوف يصفون هذا الموقف أو الاعتقاد بأنه ساذج وضيق الأفق، وسوف يقولون إن هذا ليس أمرا جديدا على أي حال. على امتداد تاريخ البشرية الطويل، كانت هذه الشكوك والمعتقدات الشاذة موجودة في كل وقت وعصر.

منذ اليوم الذي اخترع فيه جوهانز جوتنبرج آلة الطباعة في عام 1440 حتى يومنا هذا، تخرج عن المطابع كل عام ملايين الكتب في كل المجالات.. الأدب والفن والعلوم، ونظريات المفكرين والفلاسفة العظام.. وهكذا.

ومع هذا، يظل دائما القرآن الكريم والإنجيل هما الأكثر قراءة في العالم كله.

هذا في حد ذاته مؤشر على أن الدين لا يمكن أن يحل محله أبدا أي شكل من أشكال المادية.

الحقيقة التي نعرفها جميعا أن البشر كلهم مهما تظاهروا بالقوة ومهما بلغ بهم الجبروت، حين يواجهون أزمة كبرى في حياتهم، وتأتي لحظة يشعرون فيها بالهزيمة ويغرقون في الإحباط واليأس ويشعرون بأن كل السبل قد سُدت أمامهم، فإنهم جميعا يفعلون شيئا واحدا.. كلهم يرفعون أياديهم إلى السماء طالبين العون والرحمة.

هذا هو حال البشر جميعا دائما، أيا كانت درجة تعليمهم أو ثقافتهم، أو موقعهم الاجتماعي، وأيا كان ما يتمتعون به من سلطة ونفوذ.

البشر جميعا يفعلون هذا؛ لأن الإنسان في هذه اللحظة من الضعف واليأس المطلق يؤمن بأن مصيره معلق بيد قوة أعظم ربما من كل تصوراته.. بيد الله سبحانه وتعالى.

نحن البشر مدينون لكل الأنبياء والرسل. مدينون لهم؛ لأنهم قادونا إلى طريق الهداية والرشاد ونقلوا إلينا رسالة الله سبحانه وتعالى ورسموا لنا طريق الخلاص الروحي والعقلي.

وفي مناسبة عيد ميلاد المسيح عليه السلام، أتمنى من خالص قلبي لكل أخت مسيحية وأخ مسيحي عيدا سعيدا، وأتمنى عاما جديدا سعيدا للبشرية كلها.

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news