العدد : ١٤٩٧٢ - الخميس ٢١ مارس ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ رجب ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٩٧٢ - الخميس ٢١ مارس ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ رجب ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

المبادرة السعودية لأمن البحر الأحمر وخليج عدن: الارتباط الاستراتيجي بين أمن الخليج العربي والقرن الإفريقي

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٢٤ ديسمبر ٢٠١٨ - 01:15

في الثاني عشر من ديسمبر الجاري أعلنت المملكة العربية السعودية إنشاء تكتل إقليمي يضم الدول المطلة على حوض البحر الأحمر وخليج عدن وهي المملكة العربية السعودية ومصر واليمن والسودان وجيبوتي والصومال والأردن، ويستهدف هذا التكتل إيجاد آلية تضم تلك الدول بما يمكنها من التعامل مع التحديات التي تواجهها عبر ذلك الممر الحيوي، واستغلال الفرص التي يتيحها بشكل فعال، وعلى الرغم من أن فكرة إنشاء تجمعات إقليمية قد أضحت سمة مهمة شهدها عديد من مناطق العالم المختلفة ومنها تجمع دول جنوب شرق آسيا «الآسيان» ورابطة الدول المطلة على المحيط الهندي، أتصور أن المبادرة السعودية لتأسيس ذلك التكتل تعد أهمها على الإطلاق تأسيسا على خمسة اعتبارات أولها: أن ذلك التجمع لا يعد تكريسا لمفهوم الأمن الإقليمي فحسب بل إنه ترجيح للتيار الداعي إلى توسيع مفهوم القرن الإفريقي والذي يجب أن يتجاوز المعنى الجغرافي الضيق ليضم جميع الدول التي ترتبط مصالحها بشكل وثيق بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي وثانيها: يعد ذلك التجمع آلية إقليمية تنصهر فيها جميع مصالح الدول المعنية بأمن البحر الأحمر وخليج عدن والممرات الحيوية المرتبطة بهما بما يدفع نحو التكامل لا التنافس فيما بينها أو الاستقطاب من جانب أطراف خارجية، وخاصة في ظل التطورات التي شهدتها تلك المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية ليس أقلها ما يمكن أن يطلق عليه «عسكرة القرن الإفريقي»، فضلاً عن عدم قدرة بعض الدول التي تطل على البحر الأحمر على مواجهة التحديات الأمنية التي تشهدها تلك المنطقة بمفردها ومنها القرصنة والاتجار بالبشر والإرهاب والتي تتنامى لسبب أساسي وهو ضعف القدرات الأمنية لبعض من تلك الدول، الأمر الذي يتطلب وجود كيان لإدارة تلك الصراعات وقد سبق واقترح كاتب هذه السطور هذه الصيغة في صحيفة أخبار الخليج الغراء في مقال سابق في التاسع عشر من نوفمبر 2018 بعنوان «أمن مضيق باب المندب:نحو تأسيس منظومة أمنية لدول القرن الإفريقي»، وثالثها: يعد ذلك التجمع ترجمة استراتيجية للارتباط الوثيق بين أمن منطقة الخليج العربي وأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي والذي لم يكن بعيدًا عن اهتمامات دول الخليج عمومًا والمملكة العربية السعودية على نحو خاص التي اضطلعت بدور محوري في تسوية النزاع الإثيوبي - الإريتري، فضلاً عن تنامي الاستثمارات السعودية والخليجية في دول القرن الإفريقي، ورابعها: وفقًا للتصريحات الأولية لوزير خارجية المملكة العربية السعودية عادل الجبير فإن ذلك التكتل سيكون له جوانب اقتصادية وبيئية وتجارية واستثمارية وأمنية وعسكرية، ولاشك أنه حال تم تأسيس الكيان وفقًا لتلك الأهداف فإنه سوف يجمع بين مفهومي الأمن العسكري والأمن التعاوني بما يعنيه ذلك من أن هذا التكتل لن يكون مظلة أمنية جماعية تضم تلك الدول فحسب بل إنه سوف يتيح فرصًا للتعاون في منطقة تضم فرصًا استثمارية واعدة، فضلاً عما يمكن أن يتيحه للدول الإفريقية من فرص لجذب الاستثمارات بشكل منتظم بما يتوافق مع احتياجاتها وتجنب الاستثمارات المشروطة من جانب بعض القوى الكبرى، وخامسها: أنه من مقومات نجاح ذلك التكتل خبرة المملكة العربية السعودية في تأسيس التحالفات وليس أدل على ذلك التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، والتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب.

ومع أهمية دراسة تجارب الأمن الإقليمي التي شهدتها مناطق مختلفة من العالم للاستفادة منها عند وضع الميثاق المنشئ لهذا التكتل فإن ذلك لا ينفي حقيقة مؤداها أن الأمن الإقليمي يظل وليدا لبيئته ومعبرًا عن مصالح واحتياجات دولها ومن ثم ليس بالضرورة أن يكون هذا التكتل محاكاة لتجمعات أخرى إلا أنه يجب أن يتضمن متطلبات تحقيق الأمن الإقليمي الأربعة التي توافقت عليها معظم الكتابات الأكاديمية الأول: إدراك أطراف المنظومة الإقليمية لكلفة الصراع والتنافس وأنه من خلال تلك المنظومة يمكن احتواؤها من خلال صياغة إطار مؤسسي واضح يتيح لجميع الأعضاء التعبير عن مصالحها بشكل متوازن، والثاني: أن يعكس الميثاق المنشئ لذلك التجمع الأهداف التي تم التوافق بشأنها خلال المناقشات الأولية لفرق العمل المختلفة من الدول السبع، والثالث: المرونة وذلك بالنظر إلى التغير المتلاحق في التحديات الأمنية التي قد تتطلب توافقات حول الأولويات الأمنية، صحيح أن هناك تداخلا وتشابكا بين تلك التحديات إلا أنه من خلال العمل داخل الأطر الجماعية تبرز فكرة الأولويات، فضلاً عن إمكانية توسيع عضوية ذلك التكتل ليضم دولا عربية أخرى لا تطل على البحر الأحمر وخليج عدن لكنها قد تكون معنية بالأمن في تلك المنطقة ومن ثم يمكن أن تكون عضوًا في ذلك التكتل بصفة مراقب، والرابع: تحديد آليات التعامل مع الأطر الإقليمية الأخرى التي يتمتع أعضاء التكتل بعضويتها بالفعل ومنها مجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي بحيث يمكن لتلك الدول التوفيق بين التزاماتها ضمن هذا التكتل وبين التزاماتها في تلك التجمعات الإقليمية. 

وبغض النظر عن المدى الزمني الذي سوف يستغرقه إعداد الميثاق المنشئ لهذا التكتل الجديد فإنه سيكون نقطة اشتباك جديدة للأمن الإقليمي مع نظيره العالمي والذي ليس بالضرورة أن يكون ذلك الاشتباك تصادمًا بل تكاملا في ظل انتهاء الحدود الفاصلة بين هذين المستويين من الأمن، وتقدم الجهود الدولية لمكافحة القرصنة في القرن الإفريقي وبحر العرب منذ عام 2008 وحتى الآن دليلاً على ذلك، فضلاً عن أن تأمين الملاحة عبر البحر الأحمر وخليج عدن يحقق مصلحة أكيدة للأمن العالمي، بما يعنيه ذلك من أن اضطلاع قوى إقليمية بتلك المهمة قد بات أمرًا تفرضه تحديات المرحلة ومعطيات الواقع. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية 

بمركز البحرين للدراسات  الاستراتيجية والدولية والطاقة

 

 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news