العدد : ١٤٩١٤ - الثلاثاء ٢٢ يناير ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٩١٤ - الثلاثاء ٢٢ يناير ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٠هـ

بصمات نسائية

بدأت تعليم الأحكام الدينية لأطفال ونساء قريتي في عمر 12 عاما

أجرت الحوار: هالة كمال الدين

الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ - 11:11

أول بحرينية تقوم بتدريس العقائد في حوزة نسائية.. بدأت دورها الديني في عمر 12 عاما.. أسست جمعية البحرين الاجتماعية الثقافية.. نائبة الوفد البحريني لجمعيات تاريخ وآثار مجلس التعاون.. عضو لجنة تكافؤ الفرص بالجامعة.. خبيرة التاريخ الحديث.. د. شرف المزعل لـ«أخبار الخليج»: 


هي امرأة غير عادية، تستمتع بشدة عند الحديث معها، لما يحمله من معانٍ جميلة عن الإنسانية، والتي بتنا نفتقد الكثير منها في هذا الزمان، الذي تراه يفتقد الروحانيات إلى حد الشراسة، لذلك كرست حياتها لتأدية رسالة اجتماعية ولنشر مبادئ الحب والتسامح والتعايش، وساعدها على ذلك كونها معلمة للتاريخ، ومربية للأجيال.

د. شرف المزعل أستاذ مساعد للتاريخ بجامعة البحرين، قسم العلوم الاجتماعية بكلية الآداب، بدأت تمارس دورها الديني في قريتها مبكرا للغاية، وذلك حين بلغت 12 عاما، حتى تحولت بسبب ولعها بالتاريخ إلى بوابة لتنوير عقول طلابها الذين تعتبرهم نبتاتها، وحصاد حياتها التي كانت معركة تحدٍ بالنسبة إليها، لما واجهته على مر مسيرتها من ألم ومرارة ومعاناة.

هذه التجربة الثرية المتفردة، تمثل في واقع الأمر كنزا معرفيا وإنسانيا، لا تملك إلا أن تسعى إلى التوقف عنده، والتعرف عليه، والبحث عن مفاتيح أسراره، كي تستلهم منه الكثير من العبر والدروس، وهذا ما حاولنا تحقيقه من خلال الحوار التالي: 

حدثينا عن نشأتك؟

لقد نشأت في بيت يجمع بين السلطتين الاجتماعية والدينية، حيث كان والدي يعمل مختارا لقرية صغيرة تسمى القرية، ويمارس من خلال هذا المنصب دورا اجتماعيا كبيرا، أما والدتي فقد كانت معلمة للقرآن، الأمر الذي كرَّس بداخلي حب نقل المعرفة، وأسهم في منحي حيزا لأبرز كناشطة في قريتي في مجال التعليم. 

متى بدأت رحلة نقل المعرفة؟

لقد بدأت في ممارسة دوري الاجتماعي والديني بشكل خاص مبكرا للغاية وتحديدا حين كان عمري 12 عاما، هذا فضلا عن مواهب أخرى كنت أتمتع بها، وقد ساعدني على ذلك ما تعلمته من والدي من قيم ومبادئ أهمها الصدق والثبات والتمسك بتعاليم الدين السامية، والاهتمام بالعمق المعرفي البعيد عن السياسة، التي لا تتسم غالبا بالعقلانية، وقد اخترت أن أعلم أطفال ونساء قريتي الأحكام الدينية في حوزة نسائية وكنت أول بحرينية تقوم بهذه المهمة.

ماذا كانت المواهب الأخرى؟ 

كنت طفلة متعددة المواهب، وكنت مولعة بالقراءة، وامتلكت مكتبة ضخمة خاصة بي في غرفتي منذ أن كنت في المرحلة الابتدائية، كما تمتعت بملكة كتابة الشعر، وأتقنت الفن التشكيلي، وكان شغفي بالتاريخ الحديث لا حدود له لذلك توجهت إلى دراسته في الجامعة وواصلت التعمق في نفس المجال من خلال الحصول على الماجستير والدكتوراه في هذا التخصص القريب من العلوم السياسية، والذي جاء حبي له من منطلق عشقي للإنسان بشكل عام والذي ورثته عن والدي.

ماذا قدم والدك إلى المرأة في قريته؟

والدي كان أول من طالب بتأسيس أول مدرسة للبنات في سترة، وذلك انطلاقا من حبه الشديد للمعرفة ونقلها للآخرين، وهي مدرسة القادسية، التي لم تستخدم مدة ثلاث سنوات من تاريخ إنشائها وذلك بسبب تخوف رجال الدين من خروج الفتيات للتعلم خارج أسوار القرية، ومن دراستهن لمناهج مستوردة وخاصة في المجال الديني، وقد التحقت بهذه المدرسة ودرست بها، وتعلمت الكثير على أيدي معلمي هذا الزمان.

وما الفرق بين التعليم آنذاك واليوم؟

التعليم آنذاك كان يختلف كثيرا عن اليوم وخاصة فيما يتعلق بالمعلم، الذي كان في ذلك الوقت يمارس مهنته بحب وشغف شديدين لدرجة أنه كان يجد نفسه في مهنته الأمر الذي كان يؤثر على عطائه، وعلى مدى احتوائه للطلاب بشكل مختلف عن الحادث اليوم.

وما تقييمك للحادث الآن؟

اليوم تحول التعليم إلى وظيفة، مثلها مثل أي مهنة أخرى ومن ثم لم يعد ضروريا أن يتمتع المعلم بالمهارة المطلوبة لتأدية هذه الرسالة ولم يعد معلما من الداخل، ومن ثم أصبحت عملية نقل المعرفة لا تتم بالمستوى السابق، بالرغم من أن المناهج اليوم أكثر تطورا ورقيا وتقدما.

ما أهم نقلة في حياتك؟

في الصف الثاني الثانوي بدأ التوجه الديني يغلب على مشاعري بدرجة كبيرة فقررت ترك مدرستي والالتحاق بمدرسة دينية، ومثَّل ذلك أهم نقلة في حياتي، ولكن بعد عامين أغلقت لظروف سياسية، وفي ذلك الوقت فسخت المريول، ولبست ثوب الزفاف، وأنجبت أول طفلة لي في عمر 19 عاما.

وكيف واصلت مسيرتك العلمية؟

في تلك الفترة كنت أقوم بالتدريس الديني في خمسة مراكز دينية، والتحقت بالتعليم من المنازل، وحصلت على الثانوية العامة، بعد انقطاع عن الدراسة النظامية أربع سنوات، وهنا عرض على تدريس العقائد والأحكام الدينية في الحوزة النسائية، بعدها التحقت بالجامعة ببيروت وقررت دراسة التاريخ الحديث وهناك تعلمت الكثير عن الأمور التي أثرت على حياتي بشكل عام. 

ماذا تعلمت في الغربة؟

في بيروت ومن خلال دراستي للتاريخ تعلمت أهم معتقد تغير لدي وهو أنه لا ثبات في الوجود، وأن كل شيء متغير، ومن ثم تبقى الأحكام على الأشياء اعتبارية، وليست ثابتة أو مطلقة، كما تعلمت مفهوم الليبرالية وقيمة الآخر في حياتي، والفرق بين التسامح والتعايش.

وما الفرق بين التسامح والتعايش؟

التسامح يأتي من داخل النفس أولا، ثم يتم مع الآخرين، وهو يؤدي إلى التعايش، وهو ليس مجرد كلام بل سلوك ينبثق عن عقيدة تنقل الإنسان من واقع مغلق إلى آخر منفتح، يتخلى فيه عن الكثير مما كان يعتقد أنه الصحيح المطلق، وهذه هي رسالتي الحالية.

وما تلك الرسالة؟

رسالتي الوجودية أن أعلم طلابي التاريخ والتسامح والتعايش، وكيف يكونون أكثر إنسانية، فأنا مربية أولا ثم معلمة، خاصة أننا نعيش عصرا ضاعت فيه الروح الإنسانية إلى حد كبير حتى أصبحنا أكثر شراسة مع بعضنا البعض، وهذا كان دافعا لي إلى تأسيس جمعية البحرين الاجتماعية الثقافية، التي تهدف أساسا إلى نشر مفهوم التسامح ودفع المرأة إلى احتلال مكانتها الطبيعية في المجتمع، لتصبح شريكة في صنع الواقع الذي تعيشه. 

ما الشخصية التي أثرت في مسيرتك الإنسانية؟

لقد ترك الكاتب محمد أركان أثرا كبيرا في حياتي، وخلَّف بصمة واضحة في فكري، حيث خلق حالة من الصراع بين الثابت والمتحرك، وخاصة من خلال كتابه «قضايا في فهم الدين»، وقد ظللت طوال مسيرتي داخل القالب الديني، الذي تشربته منذ نعومة أظافري، ومنه استخلصت أن الأخلاق هي التي تصنع تاريخ المستقبل. 

ما اهتماماتك الأخرى؟

كنت أول امرأة نائبة للوفد البحريني لجمعيات تاريخ وآثار مجلس التعاون بدول الخليج العربي منذ عشر سنوات وحتى الآن، كما أنني عضو بلجنة تكافؤ الفرص بالجامعة والتي تهتم بأن تحتل المرأة البحرينية مكانها الطبيعي في الفرص المتاحة بالدولة فيما يتعلق بالمناصب والميزانيات وغيرها، والتي نجد فيها فروقا كبيرة بين الجنسين. 

هل تؤيدين المساواة المطلقة بين الجنسين؟

لا أؤيد المساواة المطلقة بين الجنسين، بل أرى فيها ظلما كبيرا للمرأة، فكل منهما يجب أن يقوم بالدور المطلوب منه، ولا يمكن أن يتساوى كل منهما جسديا وماديا، لكنني مع الاستقلال المادي للمرأة مائة في المائة، ومع إسهامها المادي بموافقتها كرغبة وليس فرضا أو ضرورة.

ماذا تعلمت من مجتمع القرية؟

أنا فخورة بأنني امرأة قروية، أحب الأرض والزراعة، وأعشق الحصاد، والطلبة هم نبتاتي التي حصدتها خلال حياتي المليئة بالمعاناة والمرارة والألم، والتي أعتبرها معركة تحدٍ، لذلك حرصت أن تكون علاقتي بالطلاب علاقة خاصة، حيث نعيش معا سباق النمو والبروز من خلال عملي بالجامعة.

ما أصعب محنة؟

لقد مررت بمحن كثيرة طوال مسيرتي، وقد تكون محنة مرض ابني بمرض عضال في المخ من أقسى التجارب التي مرت بي، والتي مثلت بالنسبة إلى معركة تحد للنجاح من بين المعارك الأخرى التي خضتها على المستوى الأسري أو الصحي أو الحياتي بشكل عام، وقد اجتزت تلك المحنة بعد رحلة من الألم والصمود، حيث كان يعاني من طاقة كهربائية زائدة في المخ، والحمد لله تخلص من المرض بعد أن اتخذت قرار علاجه من دون أدوية من خلال المتابعة وحمايته من التعرض لأي مصدر للطاقة، وكانت قصة نجاح بارزة في مشواري.

ما أسلحتك للصمود في معركة الحياة؟

أسلحتي في معركة الحياة هي ممارسة هواياتي كالشعر والرسم والقراءة، فأنا أملك لوحات تساوي معرضا، ونصوصا تساوي ديوانا، وأستمتع بقراءاتي المتنوعة وأنسى هموم الحياة مع الرياضة التي أواظب عليها منذ سنوات.

كيف ترين دور رجال الدين اليوم؟

رجال الدين خلطوا بين السياسة والدين، ما أحدث نوعا من الالتباس والخلط لدى الناس، حيث ابتعدوا عن دورهم الحقيقي في نشر التسامح والأخلاق والتعايش، وأصبحوا يحملون مهمة نقل الطقوس أكثر من المفاهيم الروحية، لذلك أصبحنا مجتمعا طقوسيا محضا فارغا من الروح الإنسانية، وبتنا نفتقر إلى الروحانيات، ولو أن رجل الدين لعب دوره الحقيقي لكنا أرحم ببعضنا ، وأقل شراسة فيما بيننا وأكثر رحمة، وهذه هي دعوة الدين الحقيقي.

هل ترين أن ذلك هو المخرج من الأزمة السياسية؟

البحرين منذ أن عرفت بأرض دلمون وهي حاضنة للأرواح الخصبة، التي تعطي الوطن مهما حدث من جفاف، فأرضنا تزرع الإنسان الخصب، ولدينا أمل في مملكتنا أن تحتضن جميع أبنائها ومن يعيش على أرضها، وهذا ما أعرب عنه جلالة الملك في أول خطاب سامي له عند تقلد الحكم حين قال «أحلم بوطن يحتضن جميع أبنائه» ونحن نشارك جلالته هذا الحلم، وسنبقى نسقيه حتى ينبت ويشهد عليه الجميع.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news