العدد : ١٤٩١٤ - الثلاثاء ٢٢ يناير ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٩١٤ - الثلاثاء ٢٢ يناير ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

الميثاق العالمي للهجرة: توافقات جماعية تتطلب آليات تنفيذية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ - 01:15

في العاشر من ديسمبر الجاري اعتمدت غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بمدينة مراكش المغربية الميثاق العالمي لهجرة آمنة ومنتظمة ومنظمة، والذي عرف «بميثاق مراكش» ويقع ذلك الميثاق في خمس وعشرين صفحة، ويتضمن عدة مبادئ، ومنها؛ مراعاة الجوانب الإنسانية ضمن عملية الهجرة وفي الوقت ذاته الاعتراف بسيادة الدول، فضلاً عن اقتراح إجراءات لدعم الدول التي تعاني من تلك الظاهرة، بالإضافة إلى النص على عدم الاعتقالات العشوائية في صفوف المهاجرين غير الشرعيين وأن يكون خيار التعامل الأمني مع هؤلاء هو آخر الخيارات، وينبغي التأكيد على أن ذلك الميثاق هو ثمرة مفاوضات ممتدة منذ عام 2016 وحتى الآن وذلك في أعقاب تبني منظمة الأمم المتحدة إعلان نيويورك للاجئين والمهاجرين، وقد شاركت جميع الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة وتبلغ 193 دولة في وضع ذلك الاتفاق في يوليو2018. وأتصور أن ذلك الميثاق يعد مهما للغاية مضمونا وتوقيتا، إذ لا يكاد يخلو يوم من أنباء حول ظاهرة الهجرة غير الشرعية والتي باتت تؤرق العديد من دول العالم، أو القبض على عصابات إجرامية تعمل على تسفير الشباب بطريقة غير شرعية للدول الأوروبية ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر أن المغرب تمكن حتى نهاية سبتمبر الماضي من إحباط 68 ألف محاولة للهجرة غير الشرعية، فضلاً عن تفكيك 122 شبكة إجرامية تعمل على تسفير الأفراد بطريقة غير شرعية، أو غرق قوارب للمهاجرين غير الشرعيين في البحر المتوسط، ففي أكتوبر الماضي أشار تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة إلى أن عدد من لقوا حتفهم غرقًا في مياه المتوسط حتى سبتمبر الماضي 1777 وعلى الرغم من ذلك فإن هذا العدد يقل عن نظيره في عام 2017 حيث بلغ 2749 شخصًا ولعل الأمر اللافت خلال السنوات الأخيرة أنه كان من بين هؤلاء الضحايا أطفال ونساء.

ولعل ما يكسب ذلك الميثاق أهمية أمران أولهما: إعادة تسليط الضوء على تلك القضية كتحد جماعي مشترك بدلاً من ترك عبء مواجهتها على الدول المطلة على البحر المتوسط سواء التي يتسلل منها المهاجرون أو تلك التي يقصدونها حيث إن عمليات الهجرة غير الشرعية تمثل عبئًا هائلاً على قدرات تلك الدول الاقتصادية والأمنية، وثانيهما: أن ذلك الميثاق يتضمن نهجًا شاملاً لمعالجة قضية تتسم بالتعقيد البالغ، ومن ثم فإن عدم التعامل معها كان له آثار انعكاسات طالت الداخل الأوروبي ذاته من خلال تعزيز صعود تيارات سياسية كانت تناهض استقبال دولها للمهاجرين أو اللاجئين عمومًا، كما أن الجهود الأمنية التي تمثلت في دور كل من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي على الرغم من أهميتها لم تؤد إلى القضاء بشكل نهائي على تلك الظاهرة ومن ثم فإنه كانت هناك ضرورة حتمية لإيجاد إطار دولي لمواجهة ذلك التحدي.

ومع أهمية ذلك الميثاق والذي يعد في رأيي تطورًا نوعيا على صعيد مواجهة تلك الظاهرة فإنه لا تزال تواجهه ثلاثة تحديات الأول: أنه لم يحظ بإجماع الدول كافة حيث أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية رفضها لذلك الميثاق من خلال بيان لبعثتها لدى الأمم المتحدة تضمن أن «القرارات حول أمن الحدود في شأن من يتم السماح له بالإقامة قانونًا أو الحصول على الجنسية هي من بين القرارات السيادية الأكثر أهمية التي يمكن أن تتخذها دولة ما»، وفي الوقت ذاته أعلنت 6 دول من الاتحاد الأوروبي رفضها لذلك الميثاق، والثاني: مدى إلزامية الميثاق للدول حيث أنه سوف يطرح للتصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع عشر من ديسمبر الجاري وبغض النظر عن نتيجة ذلك التصويت فإنه يبقى إطارا عاما غير ملزم إذ لا توجد آليات ملزمة لجميع الدول بتنفيذه، والثالث: الغموض الذي يكتنف الهدف من الميثاق بوجه عام وهو الأمر الذي أشارت إليه صراحة لويزا أربور الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بشؤون الهجرة العالمية بالقول إن «الميثاق لا يجعل الهجرة حقًا ولا يحمل الدول أي التزامات».

ومع الأخذ في الاعتبار تلك التحديات فإن الميثاق يعد تحركًا جماعيا نوعيا تحت مظلة الأمم المتحدة لمواجهة تحدٍ أراه متعدد الجوانب إنسانيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا بالنظر إلى صعوبة اندماج هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين في المجتمعات التي يقصدونها، فإنه تبقى هناك متطلبات ثلاثة مهمة يجب أن تتزامن مع تنفيذ مضامين ذلك الميثاق الأول: حتمية إيجاد حلول للأزمات الإقليمية التي خلفت وراءها عددا هائلا من المهاجرين قصدوا الدول الأوروبية، بالإضافة إلى أهمية بحث تنفيذ برامج تنموية في الدول الإفريقية وهي آلية بدأتها الدول الأوروبية ومن المهم أن تحذو دول العالم الأخرى حذوها، والثاني: من المهم للغاية أن تكون هناك برامج إعلامية للتوعية بمخاطر الهجرة غير الشرعية من خلال عرض تجارب واقعية تؤكد أنها تجربة محفوفة بدرجة عالية من المخاطر بل تخلف وراءها مآسي إنسانية، والثالث: أنه بغض النظر عن إمكانية تنفيذ مضامين ذلك الميثاق من عدمه أتصور أن تجربة العالم في مواجهة القرصنة في المحيط الهندي منذ عام 2008 وحتى الآن عندما أصدرت الأمم المتحدة قرارات أممية تحث فيها الدول والمنظمات المعنية بالتعاون لمواجهة خطر القرصنة والتي أرسل بموجبها حلف الناتو سفنًا حربية للمشاركة في تلك الجهود يمكن الاحتذاء بها كعمل جماعي لمواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية، ويمكن أن يكون هناك حوار بشكل أكبر بين المنظمات الإقليمية ونظيرتها الدولية والتي لديها بالفعل آليات محددة لهذا الغرض ومنها المرصد الإفريقي للهجرة الآلية التي أسسها الاتحاد الإفريقي ويستضيفها المغرب.

وأعتقد أن ذلك الميثاق -حال تم الاتفاق على آليات ملزمة لتنفيذه- سيكون أحد أهم مؤشرات الجهود الدولية لمواجهة تحديات مشتركة بما يؤسس لجهود مماثلة تجاه تحديات أمنية أخرى. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز

البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news