العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

رسائل

الجيش الأوروبي الموحد.. هل هو فكرة قابلة للتنفيذ؟

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الثلاثاء ١١ ديسمبر ٢٠١٨ - 10:16

تجدد الحديث خلال الفترة الأخيرة حول فكرة حديثة قديمة تفرض نفسها في أوروبا بين آن وآخر، ارتباطا بما يستجد من أحداث، وهى فكرة «الجيش الأوروبي الموحد» فما الذي أوجد حيزا لهذه الفكرة الآن؟ ولمَ يتمسك بها قادة أوروبيون ويعارضها آخرون؟ وما الموقف الأمريكي؟ وما مدى قابليتها للتنفيذ. 

بداية فإن الحديث عن إنشاء جيش أوروبي موحد ليس جديدا على دول الاتحاد الأوروبي، حيث طرحت الفكرة صراحة منذ ما يزيد على عقدين من الزمن، ففي العام 1992 أعلن عن تشكيل الاتحاد الأوروبي الذي ضم حينها «28 دولة» عبر معاهدة «ماستريخت» التي تحدثت عن «وضع سياسة خارجية وأمنية تُستكمل بسياسة دفاعية مشتركة عندما تسمح الظروف».  

وإثر تفجر الأزمة الأوكرانية في عام 2014 دعا رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر في التاسع من مارس 2015 إلى إنشاء جيش أوروبي موحد، من أجل إقناع روسيا بأن الاتحاد الأوروبي جاد في الدفاع عن قيمه.

تجدد الحديث عن إنشاء الجيش الأوروبي الموحد بعد الاستفتاء البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو من عام 2016. وفي عام 2017 تسارعت المطالبة بإنشاء هذا الجيش عقب فوز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمنصبه.

صاحب الحديث عن الجيش الأوروبي هذه المرة بعد التوتر بين الرئيسين الفرنسي والأمريكي، ففي السادس من نوفمبر قبيل مراسم إحياء ذكرى انتهاء الحرب العالمية الأولى، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لوسائل الإعلام إن من مصلحة أوروبا الشروع في إنشاء «جيش أوروبي حقيقي» ولكن يبدو أن ماكرون لم يكتف بكلام مقتضب وأراد عن عمد -أو غير عمد- توضيح المقصود بهذه «المصلحة» في حوار له مع إذاعة أوروبا 1 الفرنسية، حين قال: «يجب أن نحمي أنفسنا من الصين وروسيا وحتى من الولايات المتحدة الأمريكية» وهو التصريح الذي كانت له تبعاته.

وتابع ماكرون قائلاً: «عندما أرى الرئيس ترامب يعلن انسحابه من اتفاقية كبرى للحد من التسليح النووي قد أُبرمت عقب أزمة الصواريخ، التي اجتاحت أوروبا في ثمانينيات القرن الماضي فمن يصبح الضحية؟ أوروبا وأمنها»، ثم أضاف: «إننا بحاجة إلى أوروبا تتولى الدفاع عن نفسها بمفردها، من دون أن تكتفي بالاعتماد على الولايات المتحدة». 

حديث ماكرون لم يجد ارتياحا من الرئيس الأمريكي ترامب، الذي رد على تصريحات الرئيس الفرنسي بعنف، معتبرًا تغريدة له تصريحات ماكرون «مهينة جدًا» لبلاده.

لكن الكاتب مع ذلك رأى أن جملة ماكرون موضع الخلاف أُخرجت من سياقها، ما دفعه إلى تبني جزء من مطالب ترامب الخاصة بدفع الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف الأطلسي إلى زيادة إسهاماتها المالية قائلا: «أشاطر الرئيس ترامب رأيه في أنه يتعين على أوروبا أن تتقاسم أعباء الدفاع (داخل الحلف الأطلسي)» ما اعتبره الكاتب محاولة لترطيب الأجواء، وخاصة أن الأخير لم يتأخر عن الإشادة بطرح ماكرون.

 وبصرف النظر عن التوتر الأمريكي-الفرنسي فإن الحديث عن إنشاء جيش أوروبي موحد، ليس محل إجماع حتى داخل أوروبا نفسها.

وتجدد الحديث عن الجيش الأوروبي الموحد حاليا دفعت إليه جملة من المتغيرات، يأتي على رأسها قرار الرئيس الأمريكي ترامب الانسحاب من اتفاقية الحد من الأسلحة النووية مع روسيا، والتي ترى فيها أوروبا أن الولايات المتحدة قد تخلت عن التزاماتها تجاهها، في موقف يوضح التفرد الأمريكي باتخاذ القرارات في الآونة الأخيرة.

فأوروبا تخشى أن تكون ضحية لأي صراع محتمل بين روسيا والولايات المتحدة على أراضيها، وتراقب بقلق النزاع بين القوتين على الساحة الأوكرانية.

وهو ما أوضحه كل من ستايسي ميشتري ولورانس نورمان من صحيفة «وول ستريت جورنال» قائلين: «إن العلاقات الأمنية الأوروبية مع الولايات المتحدة، التي شكَّلت حجر الأساس لاستقرار القارة لعقود، تعرضت لضغوط كبيرة، حيث طالب ترامب بمزيد من الإنفاق العسكري من الأعضاء الأوروبيين في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وشكَّك في أهمية الحلف بالنسبة إلى الولايات المتحدة؛ وأدت مثل هذه التوترات بالسيد ماكرون، رئيس فرنسا وأنجيلا ميركل، مستشارة ألمانيا إلى التشكيك علنا فيما إذا كان بإمكان القارة أن تعتمد على الولايات المتحدة للدفاع عن أوروبا. وأصبح ينظر إلى الجيش الأوروبي على أنه الطريقة الوحيدة التي من خلالها يتحقق هذا الاكتفاء الذاتي الدفاعي».

ولا يمكن إغفال التوافق الفرنسي الألماني حول هذا المطلب، فالرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» منذ فوزه بمنصبه، دائما ما يجدد الدعوة إلى التوحد الأوروبي الكامل، وإنشاء جيش أوروبي موحد، تشاركه في هذا الطموح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والتي ستودع حياتها السياسية في نهاية دورتها الحالية، ولذلك تبحث عن شيء يترك بصمة لمسيرتها السياسية.

وعلى الرغم من أنه في الوقت الحاضر، يشرف الاتحاد الأوروبي على عدد من المبادرات العسكرية الدفاعية والهجومية المركزية فإن المحللين يرون أن تطور الأحداث على الساحة الدولية حاليا يجعل هذا ليس كافيا، ويرون أن أوروبا يجب أن تتحلى بدرجة أكبر من القوة عندما يتعلق الأمر بالجيش الأوروبي، من خلال مزيد من الإنفاق والتعاون والتطوير التكنولوجي.

ونستطيع القول إن العزلة التي تواجهها أوروبا على نحو متزايد، والمخاطر التي يشكلها رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، وروسيا التي تزداد عداء، إلى جانب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كلها أسباب تجعل هذه الفكرة ملحة لدى القادة الأوروبيين، ولكن هل هذه الفكرة قابلة للتطبيق.

فعلى الرغم من أن كل ما سبق تناوله عن أسباب يجعل إنشاء جيش أوروبي ضرورة لدى القادة الأوروبيين فإن جدوى هذا المخطط تظل أمرا مشكوكا فيه في ضوء معارضة عدد من القوى المؤثرة مثل بريطانيا وذلك على الرغم من خروجها من الاتحاد الأوروبي.

 وغالبا ما يأتي الاعتراض على فكرة إنشاء جيش أوروبي حقيقي من منطلق أنه سيتألف من وحدات عسكرية موحدة، ينظمها الاتحاد الأوروبي؛ بهدف تعزيز القدرات الدفاعية للقارة الأوروبية بطريقة مماثلة لتلك التي يقدمها حاليا حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأمر الذي يُحدث بلبلة وخلافا بحسب إليزابيث برو مديرة برنامج الردع المعاصر التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة.

 وترى برو أن مفهوم إنشاء جيش أوروبي يجمع بين الخيال والواقع على حد سواء، فكما يوجد الفيدراليون في بروكسل الذين يرون في إنشاء قوة دفاعية مشتركة تعزيزا لمكانة أوروبا في العالم، يوجد في لندن وأماكن أخرى أولئك الذين يعارضون فكرة إنشاء جيش أوروبي من المحتمل أن يصبح ندا لحلف الناتو. 

 كما أن هناك أسبابا من خارج القارة وهما منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والولايات المتحدة، فعلى الرغم من عدم وجود سلطة اتخاذ قرارات مباشرة تتعلق بالاتحاد الأوروبي فإن آراء هذين الحليفين المقربين «الناتو والولايات المُتحدة» تحظى بأهمية وتبدو مؤثرة؛ فإذا كان حلف الناتو يعتمد على السلاح الأمريكي، فما نوع السلاح الذي سيعتمد عليه الجيش الأوروبي؟ وإذا كان الهدف من إنشاء الجيش الأوروبي هو أن تدافع القارة العجوز عن نفسها ضد أمريكا أيضا فهذا يعني أن واشنطن لن تمد هذا الجيش بالسلاح، فضلا عن أن الدول الأوروبية الأعضاء في حلف «الناتو» تدفع 2% من ناتجها القومي لتوفير ميزانية حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يعني أن تضاعف هذه الدول من ميزانياتها العسكرية، على الرغم من أن كثيرا من هذه الدول لم تدفع ما تدين به لحلف الناتو أصلا، الأمر الذي يثير غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يرى أن بلاده تدافع عن الدول الأوروبية بالمجان.

 كما أن تطوير جيش أوروبي جنبا إلى جنب مع نظام الدفاع الجماعي الحالي الخاص بحلف الناتو من شأنه أن يقلل من فاعلية كلا الحليفين «الناتو والولايات المُتحدة» من خلال نشر ميزانيات الدفاع، الفعلية للدول الأوروبية والتسبب في ازدواجية المسؤوليات، وبالفعل منع ضغط الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) إنشاء جيش أوروبي في الاتحاد الأوروبي.

 وهنا ترى صوفيا بيش زميلة الأبحاث في مركز الإصلاح الأوروبي أن: «بعض الدول الأعضاء تقلق من أن جيش الاتحاد الأوروبي سوف يتعارض مع مؤسسات الناتو» وأضافت: «مع انضمام 22 من 28 دولة من دول الاتحاد الأوروبي، دعا ينس ستولتنبرج، الأمين العام للناتو، الأوروبيين إلى تجنب ازدواجية حلف الناتو؛ لأن الأموال المُستثمرة في جيش الاتحاد الأوروبي ستكون أموالاً ضائعة على الحلف». 

إذن يأتي الإنفاق كواحد من أهم العقبات أمام الفكرة، وهو ما تعبر عنه الأرقام التالية عن مشكلة التسليح والتمويل منذ 2004.

ففي الفترة بين عامي 2008-2012 جرى خفض الإنفاق العسكري في المملكة المتحدة بنسبة 5.2%، وفي فرنسا بنسبة 3.8%، وكذلك انخفض الإنفاق العسكري في أوروبا الغربية والوسطى عامة بنسبة 1.6% بين عامي 2011 و2012، وشهد العام 2011 تخفيضات كبيرة في كل من اليونان وإسبانيا وإيطاليا وأيرلندا. 

إذن تضييق حجم الميزانيات الدفاعية، المحدودة بالفعل، للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، التي تنفق الكثير منها بالفعل على تدابير الدفاع الوطني، بالإضافة إلى إسهاماتها التي تقدمها لحلف الناتو أيضًا تعتبر عقبة أكبر، وهنا يشير يان تيتشو المدير السابق لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي في تقرير له إلى أن «ميزانيات الدفاع تتعرض بالفعل لضغوط، ولم يعد متاحا سوى القليل من الأموال المطلوبة لإنشاء قدرات عسكرية تنفيذية ذات استقلالية وجدوى للاتحاد الأوروبي».

بجانب ما سبق من عقبات فإن طريقة تكوين الجيش مجهولة بنظر بعض المحللين، بسبب تعقيداته، ومن هذه الآراء ما كتبته براو في مجلة «فورين بوليسي»: «إنه ليس هناك اتفاق بين بعض الدول الأعضاء حول ما ستبدو عليه هذه القوة بالضبط وما القدرات التي يمكن أن تتخلى عنها القوات المسلحة الوطنية لكل دولة نتيجة لذلك». 

 ويُمكن القول إن الاتحاد الأوروبي كمجموعة من الدول ذات الأهداف والمصالح المتنافسة غالبًا ما تكون غير متناسقة، بحيث لا يمكن لأعضائه الوصول إلى توافق في الآراء حول حجم الجيش الأوروبي وشكله وآلية عمله.

 وعرض الكولونيل تيم كولينز، الضابط السابق في الجيش البريطاني والمحلل العسكري، هذا الأمر في مقالة افتتاحية لـمجلة «ذا سبكتاتور»: قائلا: «مع وجود معدات عسكرية مختلفة لبلدانها، وشروط متباينة للخدمة (بعضها يخص القوات النظامية، وبعضها يخص المجندين) ومدد متفاوتة لأداء الخدمة العسكرية، وعدد لا يحصى من القوانين الدستورية المُتعددة المتعلقة بالعلاقة مع جيوشهم فإنه من الصعب الوصول إلى إنشاء جيش يرضي جميع الأعضاء بعيدًا عن النزعات الفردية». 

ولا يعوق تعقيد الاتحاد الأوروبي كمؤسسة فقط تطوير جيش، بل أيضًا قدرة عمليات تشغيله إذا ما تم تأسيسه، ويوجز كولينز ذلك قائلا: «في حين أن الجيش الأوروبي يمكن، من الناحية النظرية، أن يكون موجودا فإنه في حال وجوده لن يحقق شيئا بسبب التردد في اتخاذ القرار والتعقيد داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، هذا الارتباك الناتج عن الانشقاقات بين الدول الأعضاء من حيث المصالح والأهداف. 

كما كتبت بيش من مركز الإصلاح الأوروبي إن «عدم وجود رؤية مشتركة حول كيفية استخدام قوات الاتحاد الأوروبي سيكون مشكلة هائلة وسيسبب أزمة».

 ووفقًا لقواعد الاتحاد الأوروبي فإن «الدول الأعضاء سوف تكون حريصة على حماية سيادتها، ما يعني أنه يمكن أن تمنع حكومة واحدة نشر الجنود».

وعلى أي حال، فإن القوة التقليدية المشتركة للدول الأوروبية، بما في ذلك جيوشها الضخمة والمتقدمة مثل القوات المسلحة الفرنسية والإسبانية والألمانية، لن تستطيع أن تضاهي في قوتها أكبر التهديدات الاستراتيجية الأوروبية المتمثلة في الدب الروسي، ناهيك عن أحد المنافسين الناشئين وهي الصين، فضلا عن أن الولايات المتحدة، التي تعتبر أكبر دولة من حيث الإنفاق العسكري على مستوى العالم برمته، تظل قادرة على سد الثغرات الواضحة داخل الجيوش الأوروبية التي تجعلها عرضة لتكون الأقل في المستوى بالمقارنة بالتطور العسكري الروسي والصيني، وخاصة من حيث القدرة النووية والصاروخية وأعداد القوات العسكرية والطائرات القابلة للانتشار. 

وعامة على الرغم من إعادة النظر في تلك الفكرة المتكررة من قبل صانعي السياسة بالاتحاد الأوروبي، فإن إنشاء جيش أوروبي لا يبدو مجديا، وفي حالة إنشائه، هناك شكوك حول فاعليته. 

إن تحقيق الاستقلال الاستراتيجي من خلال جيش يديره الاتحاد الأوروبي أمر لا يمكن التنبؤ به، نظرًا إلى التعقيد الداخلي لأهداف ومصالح الدول الأعضاء والمعارضة الخارجية التي سيواجهها من قبل الشركاء الأساسيين بما في ذلك الناتو والولايات المتحدة والآن بريطانيا. وعلاوة على ذلك، فإن المبادرة ستواجه عديدا من العقبات التمويلية واللوجستية والقدراتية التي من المحتمل أن تجعله من الأساس كيانا غير فاعل، وعلى الرغم من الاهتمام بالفكرة من قبل شخصيات رفيعة المستوى بالاتحاد الأوروبي، فإن الجيش الأوروبي يظل مجرد فكرة رائعة قد لا تؤتي ثمارها أبدا.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news