العدد : ١٤٨٧٦ - السبت ١٥ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٦ - السبت ١٥ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

الإنسان.. الأمَّار بالسوء!!

هناك من البشر من يفعل الخير ويحض عليه، وهناك من يقارف الشر ويعين عليه، ولهذا عقابه، ولذاك جزاؤه، والإنسان خلق صاحب إرادة حرة، وسوف يحاسب يوم القيامة على توجيه هذه الإرادة إما إلى الخير، أو إلى الشر، وله في الخير أعوان، كما له في الشر أعوان، وعليه أن يختار أعوانه ويحرص على من يَصْدقه النصيحة لا من يُصدّقه في جميع أفعاله وأقواله، ويزين له المعاصي ويزهده في الطاعات.

وأول الأعداء الذين يظهرون له الود، ويعملون على إضلاله هي نفسه الأمَّارة بالسوء التي يحملها بين جنبيه، والتي لا تهدأ ليلاً ونهاراً تدعوه إلى المعاصي وتحضه عليها، وتكره إليه الطاعات، وتنهاه عن إتيانها، فإذا أراد أن يقوم لأداء طاعة قالت له نفسه الأمَّارة بالسوء لا يزال هناك متسع من الوقت، فنم قليلاً حتى يفوت وقت الطاعة، وإذا أحب أن يمد يده العليا بالعطاء إلى أهل الحاجة والمسغبة بغضت إليه فعل ذلك، وقالت عن هؤلاء المحتاجين المتعففين إنهم يتظاهرون بالحاجة، وإنهم ليسوا فقراء، بينما هم من أهل الحاجة ولكن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف.

هذه النفس الأمَّارة بالسوء، هي العدو الأول الكامن في أعماق الإنسان، ويجب عليه أن يحذرها وألا يسلم إرادته إليها، لتقوده إلى الهلاك، قال تعالى: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمَّارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم) (يوسف الآية 53)

إذن فنفس الإنسان الأمَّارة بالسوء متهمة وليست بريئة، وعليه أن يتهمها فيما تسدي إليه من نصح أو توجيه حتى يتبين له الهدى من الضلال، وإذا كانت النفس في عمومها بريئة حتى تثبت عليها التهمة، فإن النفس الأمَّارة بالسوء متهمة حتى تثبت براءتها، هكذا يجب أن يعامل الإنسان نفسه الأمَّارة بالسوء، وألا ينخدع بمعسول كلامها، أو حلو منطقها، وليعلم الإنسان أن نفسه هذه تخفي وراء ذلك السم الزعاف، ومكائدها لا تقف عند حد، بل تسعى جاهدة في همة حتى يقع الإنسان في حبائلها، فإذا به يتحول إلى إنسان فاجر يستسهل المعاصي، بل يهواها، ويبحث عنها في مظانها، ولا يكتفي بهذا، بل يزينها للناس، ويحاول أن يرفع الحرج من ارتكابها، ويذكر لهم من أسماء الله الحسنى، وصفاته العلا ما يهون عليهم ارتكاب المعاصي ويرغبهم فيها، وذلك حين يذكر اسم الله الغفّار، والتواب، والرحمن الرحيم من دون أن يذكر لهم مع صفات الجمال صفات الجلال: كالقوي، والجبار، والقهار، ونسي أو تناسى أن الله تعالى في قرآنه دائماً يقرن بين صفات الجمال وصفات الجلال، فيقول جل جلاله: «إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160) إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (161) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هن ينظرون (162)» البقرة.

هذا هو منهاج القرآن الذي يرسمه لأهل الطاعة ولأهل المعصية، وهو سبحانه وتعالى في هذا المنهاج يرغب أهل الطاعة في مزيد من الطاعات، ويحذر أهل المعاصي من أن يتمادوا في عصيانهم، وعلى الإنسان أن يحذر أشد الحذر من أن يصغي إلى صوت نفسه الأمَّارة بالسوء التي تريد له الوقوع في المعاصي وتعين الشيطان علي إضلاله وإبعاده عن صراط مولاه المستقيم، وعليه أن يصارع هواه ويستغفر مولاه سبحانه، وأن يحرص على صحبة أهل الخير والداعين إليه.

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news