العدد : ١٤٨٧٦ - السبت ١٥ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٦ - السبت ١٥ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

في انتظار ما لا يجيء .. مرثية لحال شعوبنا العربية

     حين نتأمل التاريخ الطويل لدولنا العربية وما حفل به من تطورات وأحداث جسام وغير جسام، لا نملك إلا أن نرثى لحال شعوبنا العربية وما وصل إليه اليوم.

عبر تاريخ دولنا الطويل، كانت شعوبنا العربية، وبالأخص البسطاء والفقراء والذين هم الأغلبية الساحقة جدا، هي التي حمت أوطاننا ودافعت عنها.. هي التي حافظت عليها في مواجهة كل الأخطار والتهديدات والتحديات.

على امتداد تاريخنا الطويل، كانت شعوبنا العربية هي التي كافحت ضد الاستعمار، وهي التي حاربت الأعداء أيا كانوا، وهي التي خاضت كل المعارك أيا كانت، وقدمت الشهداء تلو الشهداء من أبنائها.

شعوبنا العربية الفقيرة هي التي تبني الأوطان.. هي التي تعمل وتكدح وتكافح وتنتج في كل موقع ومكان.. هي التي تعمل في المصانع، وفي الحقول والمزارع، وخلف المكاتب في مؤسسات الدولة.. وهكذا.

شعوبنا العربية هي التي تصنع الثروة القومية وتأتي بها.. هي التي بفضل عرقها وكدها وكفاحها يعيش الكل في المجتمع، وتمضي عجلة التنمية.

حين تتعرض أوطاننا في أي وقت لمحنة أو أزمة عاصفة تكاد تعصف بها وبوجودها ذاته، لا تنقذها إلا الشعوب الفقيرة المكافحة المحبة للوطن.. هي التي تنتفض وتخرج إلى الشوارع والميادين دفاعا عن بقاء الأوطان.

حين تتعرض دولنا لأزمة اقتصادية أو مالية، يُقال للشعوب إن عليها أن تتحمل وأن تضحي وأن تشد الأحزمة من أجل الوطن.. ولا تتردد شعوبنا الصابرة في أن تفعل هذا.. تتحمل من دون شكوى ارتفاع الأسعار وقلة الرواتب وضيق ذات اليد، وتجبر فلذات أكبادها على أن يتقشفوا، وأن يتخلوا عن بعض من احتياجاتهم الإنسانية الأساسية، وكل هذا في سبيل الوطن وكي يخرج من أزمته.

شعوبنا الفقيرة تفعل هذا وتتقشف وتشد الأحزمة وحدها.. لا يفعل هذا الأثرياء ولا رجال الأعمال ولا الفاسدون والمترفون ولا الممسكون بزمام السلطة.

شعوبنا تفعل هذا وأكثر منه، وهي لا تطلب الكثير أبدا.

شعوبنا الفقيرة المكافحة الصابرة لا تطلب إلا «الستر» في كل شيء.. الستر في الحياة وفي السياسة وفي الحكم.

شعوبنا لا تطلب إلا الحياة الكريمة في أقل وأبسط مقوماتها.. أن تطعم أبناءها.. أن يتلقى أبناؤها تعليما معقولا، ورعاية صحية، وسكنا يأويهم، وكرامة إنسانية، ووظيفة تؤمن لهم الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

شعوبنا الفقيرة لا تطلب المستحيل.. لا تطلب إلا العدل كأساس للملك.. لا تطلب إلا الإنصاف لكفاحها وصبرها وتضحياتها الطويلة عبر التاريخ.

شعوبنا لا تطلب إلا حماية ثروة الوطن من فاسدٍ بلا ضمير أو وطنية ينهبها، وأن يتم محاربة الفساد والفاسدين وعقابهم بما يستحقون.

شعوبنا لا تطلب إلا أن يتولى أمرها مسؤولون شرفاء أكْفَاء غير فاسدين.

شعوبنا لا تطلب إلا قدرا معقولا من الحرية يتيح لها أن ترفع صوتها بلا خوفٍ وتقول هذا خطأ، وهذا لا يجوز، وهذا يجب ألا يستمر، وهذا يجب إصلاحه.. لا تطلب إلا أن يكون لها صوت مسموع من أجل ترشيد الحكم والسياسات العامة في سبيل مصلحة البلاد والعباد.

شعوبنا العربية الفقيرة الصابرة المكافحة لا تطلب الكثير. لا تطلب إلا أن تأمن على مستقبل أوطانها ومستقبل أبنائها وأحفادها.

شعوبنا العربية لا تطلب إلا أن تعيش ويعيش أبناؤها وأحفادها في وطنهم بلا ذل.. ذل العوز والحاجة، وذل قهر السلطة وسطوتها.

لكن الحادث أنه على امتداد تاريخ دولنا الطويل وحتى يومنا هذا، فإن شعوبنا العربية تنتظر ما لا يجيء، وما لا يلوح في الأفق أنه سيجيء.

.. لا عدل يتحقق.

.. ولا فساد يتم محاربته، أو فاسدين يتم معاقبتهم.

.. ولا رشد في الحكم، أو كفاءة للمسؤولين.

.. ولا حرية حقة حصلت عليها الشعوب.

تمضي السنوات وراء السنوات، وتظل شعوبنا العربية الفقيرة الصابرة المكافحة في انتظار ما لا يجيء.

تشهد دولنا والمنطقة والعالم التطورات والأحداث الجسيمة التي تدق عشرات من نواقيس الخطر، ويبقى الحال على ما هو عليه.

تتغير الوزارات، ويذهب مسؤولون ويأتي مسؤولون آخرون، ويبقى الحال على ما هو عليه. يبقى الفاسد والمرتشي والفاشل، ولا يأتي إلى موقع المسؤولية وافدٌ جديد يمكن أن تستبشر به خيرا.

إن المرء كقارئ مدقق لتاريخ الأمم والدول والشعوب في العالم كله، وكعارف بتحولات التاريخ وأحواله التي كثيرا ما تكون مفاجئة ولا تخطر على بال أحد، لا يملك إلا أن يتساءل بكثير من الفزع والخوف:

إلى متى يمكن أن يستمر هذا الوضع؟.. إلى متى يظل أمر البلاد والعباد بيدِ مستبدٍ أو فاسد أو مرتش أو فاشل أو عديم الكفاءة؟.. إلى متى يمكن أن تظل شعوبنا العربية التي حمت الأوطان وكافحت وصبرت وتحملت في صمت وألم، تنتظر ما لا يجيء؟

إن المرء ليخشى، أكثر ما يخشى، أن يأتي يومٌ علمُه عند الله وحده، لا يعود فيه بمقدور شعوبنا العربية أن تتحمل وتصمت وتصبر.. أن يأتي يوم تقرر فيه شعوبنا العربية أنه آن الأوان لأن تعجل هي بمجيء ما انتظرته عبر تاريخ دولنا الطويل. 

يخشى المرء أن يأتي يوم وتنفجر فيه شعوبنا العربية غضبا ونقمة بكل قوتها الضاربة وبكل عذابات التاريخ الطويل، ومن دون مؤامرات خارجية أو أيادٍ خارجية تحركها.

ساعتها الله وحده يعلم، ما الذي يمكن أن يحدث!!.

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news