العدد : ١٤٨٧٣ - الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٣ - الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

لماذا يهرب الناس من المُدن؟

بقلم: د. إسماعيل محمد المدني

الخميس ٠٦ ديسمبر ٢٠١٨ - 01:15

عادة ما نسمع أو نقرأ عن زحف الناس وهجرتهم من القرى والأرياف إلى المدن بحثا عن العمل والوظيفة المناسبة ذي الراتب العالي والمغري، أو الانتقال هربا من حياة الأرياف البسيطة والنائية وغير المتطورة إلى حياة المدن العصرية الراقية والمرفهة والتي توجد بها جميع الوسائل الحديثة التي يحتاج إليها الإنسان.

ولكن اليوم وفي بعض المدن الحضرية العريقة قد انعكست الآية، فأصبحت هناك ردة فعل مغايرة جديدة عند الكثير من سكان المدن، إذ وبدأت الهجرة المعاكسة من المدن الصاخبة والمزدحمة إلى الضواحي والأرياف والقرى البعيدة الهادئة والمريحة.

وهناك عدة أسباب أدت إلى انتشار هذه الحالة العصرية الحديثة، ومن أهمها الآن استفحال أزمة التلوث في المدن الحضرية الكبيرة، وتجذر وتعمق الملوثات في جميع عناصر بيئة المدن من مياه الشرب والمسطحات المائية والتربة والهواء الجوي، فتدهورت جودة الهواء إلى درجة أصبحت لا يمكن تحملها من قبل الإنسان، بحيث تحولت من هواءٍ نظيفٍ عليل يقي صحة الإنسان ويحسن أمنه الصحي ويحميه من شر الأمراض المستعصية إلى هواءٍ سقيم مشبع بشتى أنواع الملوثات السامة والمسرطنة التي لا تعد ولا تحصى.

فهذا الوضع المأساوي الخطر للمدن المزدحمة بجميع مصادر التلوث، وخاصة تلوث الهواء والضوضاء والأصوات المرتفعة الناجمة عنها كالسيارات والقطارات ومحطات توليد الكهرباء والمصانع الكثيرة والمترامية في كل مكان، أجبر من يستطيع من سكان هذه المدن ولديه القدرة والإمكانات المالية إلى الذهاب بأطفاله والهروب بباقي أفراد أسرته بعيدًا كلما أمكن عن مركز المدينة ومصادر تلوثها وفساد هوائها، والانتقال إلى القرى والأرياف والمناطق غير الملوثة. 

والتقارير والدراسات العلمية الميدانية، إضافة إلى الحوادث البيئية التي تقع في بعض المدن الشديدة التلوث تؤكد وتبين حجم التلوث الرهيب الذي يعاني منه سكان المدينة وأمراض التلوث التي يقعون ضحية سهلة لها. 

فقد نشرت مجلة اللانست الطبية بحثًا في 18 نوفمبر من العام الجاري يثبت وجود هذه الظاهرة في واقعنا الحالي في المدن نتيجة لتلوث الهواء الجوي، حيث أشارت الدراسة إلى أن أطفال مدينة لندن يفقدون نحو 5% من فاعلية الرئة وقدرتها ووظيفتها بسبب تلوث الهواء، وخاصة من سيارات الديزل حيث الجسيمات الدقيقة المتناهية في الصغر التي تزحف إلى الرئة فتستقر في أعماقها وبالتحديد في الحويصلات الهوائية، ما يؤدي إلى تلف رئة الطفل منذ الصغر حتى يكبر؛ أي من المهد إلى اللحد. فهذا التأثير المستدام لتلوث الهواء على فلذات أكبادنا، أجبر العوائل واضطرهم إلى حماية صحة أطفالهم ووقايتهم من الأمراض والعلل المتعلقة بتلوث الهواء عن طريق إبعادهم عن التعرض لهواء المدينة الملوث والانتقال رغمًا عن إرادتهم ورغبتهم إلى مناطق أكثر أمنًا وسلامًا من ناحية جودة الهواء ومن الناحية الصحية.

وقد أكدت منظمة الصحة العالمية هذه الحقيقة المتعلقة بتدهور نوعية الهواء في معظم مدن العالم، في تقريرها المخيف والمنشور في 29 أكتوبر من العام الجاري تحت عنوان: «تلوث الهواء وصحة الطفل» أن 93% من أطفالنا وفلذات أكبادنا حول العالم يستنشقون هواءً ملوثًا ويتجرعون مواد كيميائية سامة وخطرة كل ثانية من حياتهم، وأن أكثر من 1.8بليون طفل من دون سن الـ15 عامًا يعانون من أمراض مزمنة نتيجة لتعرضهم كل ساعة للهواء الملوث في داخل المنزل وخارجه، كما أفاد هذا التقرير الصادم والمرعب بأن قرابة 600 ألف طفل قضوا نحبهم في عام2017 بسبب أمراض الجهاز التنفسي الناجمة عن تلوث وتدهور نوعية الهواء الجوي.

فكل هذه الحقائق العلمية الصاعقة لا شك أنها كافية ومقنعة لتجبر الأسر حول العالم على وقاية أطفالهم من كَرْب التلوث، والحفاظ على أمنهم الصحي، وجعله الأولوية في اتخاذ القرار المتعلق بمكان السكن، أو موقع المدرسة التي يذهب إليها الأطفال كل يوم، أو الجامعة التي يلتحقون بها.

ولحسن الحظ فإن المدن الكبيرة حول العالم تتكون من مركز المدينة حيث نسبة التلوث المرتفعة ثم الضواحي والأرياف والقرى البعيدة نسبيا عن الازدحام والاكتظاظ المروري ومصادر التلوث الأخرى، ولذلك بالإمكان الهروب من بؤرة التلوث إلى مناطق أكثر أمنا وراحة نفسية وجسدية، ولكننا في البحرين لا نمتلك هذه الميزة، فبيئة الأرياف والبساتين الجميلة الوادعة والهادئة والممتعة قد انقرضت وتحولت إلى كتلٍ خرسانية وأعمدة حديدية جوفاء وصماء لا روح فيها ولا متعة من رؤيتها أو السكن بالقرب منها.

إن البحرين الآن في تقديري واستنادًا إلى الدراسات التي أجريتها منذ أكثير من ثلاثين عامًا، قد تحولت كلها إلى «مدينة حضرية» كبيرة، شديدة الازدحام بالسيارات، وكثيفة الاكتظاظ بالمركبات، حيث إن المصانع أصبحت الآن في قلب هذه المدينة الكبيرة التي تتوسع كل يوم على حساب البيئات العذراء البكر والوادعة، فتأكل كل يوم شبرًا من جسد البر والبحر معًا، إذن فأين الفرار من آفة التلوث؟ 

bncftpw@batelco.com.bh

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news