العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

المشهد السياسي في تقـــلبات ســـوق النفط

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الخميس ٠٦ ديسمبر ٢٠١٨ - 01:15

مع قرب توقيع العقوبات الأمريكية على إيران، وفي مقدمة هذه العقوبات حرمان طهران من تصدير نفطها، البالغ أكثر من 1.5 مليون برميل يوميًّا، كانت التوقعات تشير إلى أن الأثر المباشر لهذا الإجراء هو ارتفاع الأسعار نتيجة وقوع المعروض النفطي من دون الطلب عليه، ولهذا كانت المطالب الأمريكية من المملكة العربية السعودية أن تبادر بتغطية هذا النقص للمحافظة على استقرار السوق النفطي، فالسعودية التي تنتج يوميًّا 10 ملايين برميل لديها طاقة فائضة بمقدار مليوني برميل، ولكنه خشية التأخر في تلبية هذه المطالب، لجأ كثير من الدول المستوردة إلى تكوين مخزونات لديها، وكانت مخاوف المملكة لدى مناقشة المطالب الأمريكية، أن يلجأ البعض ممن لديهم مخزونات كبيرة إلى الدفع من هذا المخزون إلى السوق، ومن ثم تنخفض الأسعار.

 كانت أسعار النفط قرب تطبيق العقوبات الأمريكية قد جاوزت 80 دولارًا للبرميل، وحينها تنبأ البعض بأنها ربما تصل إلى 100 دولار، ولكن ما حدث قد خالف هذه التوقعات، فإذا بالأسعار في شهر نوفمبر وبعد تطبيق هذه العقوبات تنخفض بنسبة 30% ليتراوح سعر البرميل بين 50 و60 دولارًا.

إذن فإن الصورة تُظهر تقلبات في سعر النفط في الأجل القصير، ولكن المشهد سياسي بامتياز، وخاصة مع إعلان قطر الانسحاب من أوبك قبيل ساعات قليلة من اجتماع أوبك في 6 ديسمبر 2018.

تكمن الأسباب الأولية لهذا الانخفاض الذي جاء على خلاف ما هو متوقع، في سرعة استجابة السعودية وروسيا، أكبر منتجي النفط في العالم (تنتج روسيا 11.2 مليون برميل يوميًّا) بزيادة الإنتاج قبيل تطبيق العقوبات الأمريكية، وفق اتفاق أوبك مع كبار المنتجين من خارجها في يونيو الماضي بمقدار مليون برميل يوميًّا، لتعويض النقص الناتج عن حظر تصدير النفط الإيراني، وكان خفض الإنتاج في 2017 -نتيجة تعطل إنتاج ليبيا وفنزويلا وأنجولا - قد بلغ 2.8 مليون برميل يوميًّا، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع حتى بلغت نحو 80 دولارًا للبرميل، محققة أرباحًا لمنتجي النفط الصخري، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، وزاد إنتاجهم من هذا النفط، حتى أصبح من المتوقع أن يبلغ إنتاجها 12.1 مليون برميل يوميًّا مع مطلع 2019 بزيادة 28% عن إنتاج 2017.

وقد جاءت الزيادة في إنتاج النفط التقليدي من أوبك وروسيا، بينما كان النفط الإيراني مازال متوافرًا في الأسواق، مع منح الولايات المتحدة الأمريكية كبار مستوردي النفط الإيراني، وعلى رأسهم الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وتركيا إعفاءات من العقوبات الأمريكية مدة 180 يوما، ومع التفاف إيران عبر حلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم قطر، من تسريب نفطها، كما أن حالة الركود التي تنتاب الاقتصادات العالمية الكبرى، لم تتمكن من تنشيط طلبها حتى تستوعب الكميات التي طُرحت زيادة في الإنتاج، وهي الحالة التي يضاعف منها الحرب التجارية القائمة بين الاقتصاد الأمريكي وهذه الاقتصادات، والتي شهدت عودة إلى السياسة الحمائية.

هذا المشهد يبين بجدارة الطبيعة السياسية لسلعة النفط في العلاقات الدولية، فلا تكمن أسباب هذه التقلبات في المجال الاقتصادي فقط كعرض وطلب، ولكنها تتعداه إلى المجال السياسي، كما أن النتائج لا تصب فقط في النواحي الاقتصادية، كالتأثير على الميزانية والإنفاق العام، ولكنها تتعداها إلى صراعات القوى خاصة في قمة الهرم العالمي، فقد أثرت الولايات المتحدة الأمريكية على سياسات الطاقة في العقود الأخيرة، على النحو الذي مكنها من الصعود في إنتاج النفط الصخري، بعد أن اعتمدت في صعودها الاقتصادي قبل ذلك على واردات النفط الرخيصة، التي كانت تأتيها عبر شركاتها العملاقة من الشرق الأوسط، وخاصة في الخليج العربي، وحين وقعت هذه المنطقة في برميل النفط المتفجر، انتهجت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة الفطام من الاعتماد على هذا النفط، وتكريس جهودها نحو ارتفاع حصتها في سوق النفط العالمي، وتخطي إنتاجها كلا من السعودية وروسيا.

وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال اللعب في السوق النفطي إلى تعزيز قوتها القومية، في مقابل خصمها التقليدي روسيا، وفي مقابل الاقتصادات المرشحة لاعتلاء هرم القوة في العالم، وعلى رأسها الصين، فالزيادة السريعة في إنتاجها من النفط الصخري توفر للحكومة موارد كبيرة، تستطيع من خلالها التوسع في سياستها الخارجية وإنفاقها الدفاعي، ومن ثم تعزيز مكانتها العالمية، باعتبارها القوة الأكبر والأكثر تأثيرًا في العالم من دون منافسة، فضلاً عما تمكنه هذه الزيادة من توسيع الاقتصاد المحلي، وزيادة فرص العمل وتقليل الواردات النفطية وتوازن ميزان المدفوعات، وتخفيض الأعباء الواقعة على ميزانية الدولة الفيدرالية، وجعل الصناعة الأمريكية أكثر تنافسية، وخاصة الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة كصناعة البتروكيماويات والألمونيوم والصلب، وغيرها.

إن انخفاض أسعار النفط يصب لا محالة في إضعاف روسيا وإيران، وهو هدف تسعى إليه السياسة الأمريكية، في ظل إدارة ترامب، ولهذا، فقد أعفت أمريكا الاقتصادات الكبرى التي تستورد النفط من إيران، من العقوبات مدة 180 يوما، بعدها تستجيب هذه الدول إلى تطبيق نصوص العقوبات كاملة على طهران، وخاصة أن من هذه الدول حلفاء للولايات المتحدة الأمريكية، كاليابان وكوريا الجنوبية، ليكون الخاسر الأكبر هو إيران، كما أنه مع تراجع المبيعات النفطية الإيرانية، فضلاً عن انخفاض أسعارها، لن يكون في مقدور طهران الاستمرار في تمويل أنشطتها في سوريا واليمن ولبنان والعراق، كما هو قائم الآن، في مقابل السماح لواشنطن بتأكيد وجودها في الشرق الأوسط، من خلال احتواء الطموحات الإقليمية الإيرانية.

وكما إيران، فإن انخفاض أسعار النفط يضعف قدرة روسيا على تمويل احتياجات سياساتها الخارجية التوسعية واحتياجاتها المحلية، كما أن من شأنه أن يضعف حالة الاستقرار في الداخل وقدرة روسيا في الخارج، في مقابل الانتعاش الاقتصادي للولايات المتحدة الأمريكية، وأوضاعها الداخلية المستقرة، لذا تسعى روسيا إلى زعزعة الاستقرار في المناطق التي تفرض هيمنتها عليها، حتى يؤثر ذلك على التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، فترتفع الأسعار، ومما لا شك فيه أن الاشتباكات الأخيرة بين الأسطول الروسي ونظيره الأوكراني في البحر الأسود هي مثال على ذلك.

ولا يقف أمر النتائج السياسية لانخفاض أسعار النفط عند حد إضعاف القوتين الإيرانية والروسية في مقابل صعود القوة الأمريكية، ولكنه يمتد إلى المنافسة التي صارت محتدمة بين النفط الصخري، الذي تمثل الولايات المتحدة الأمريكية عنصر القيادة فيه، وبين النفط التقليدي الذي تمثل الأوبك عنصر القيادة فيه، وقد ظلت الأوبك حتى اللحظة هي المحدد الرئيسي لسعر النفط في العالم، من حيث قدرتها من خلال التنسيق بين أعضائها، وبينها وبين كبار المنتجين من خارجها، على تحديد كمية النفط التي تطرح في السوق العالمي، وكثيرًا ما اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية الأوبك بأنها تمارس الاحتكار، وتزعمت في مقابلها إنشاء اتحاد لكبار المستهلكين (وكالة الطاقة الدولة)، وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى استغلال ميزتها في إنتاج النفط الصخري إلى قلب الدفة، وأن تكون هي القوة الأكثر تأثيرًا في تحديد الأسعار وفق ما تقتضيه مصالحها الخاصة، ولكن هذا التوجه الأمريكي يلحق أضرارًا بالغة بحلفاء تقليديين للولايات المتحدة الأمريكية، يعتمد اقتصادهم كلية على إنتاج وتصدير النفط التقليدي، إلا أن السياسة الأمريكية ترى أن هؤلاء لديهم المقدرة على التعامل مع أسعار النفط المنخفضة، من خلال الاحتياطيات المالية الكبيرة لديهم من ناحية، ومن خلال انخفاض كلفة إنتاجهم النفطي من ناحية أخرى.

وكثيرًا ما انخفضت أسعار النفط قبل ذلك من دون الأسعار الحالية بكثير، ولكن هذا الانخفاض الذي قد تجده الإدارة الأمريكية في صالحها، قد يكون له تأثيره على قدرة هؤلاء الحلفاء على تمويل أنشطتهم الخارجية خاصة تلك المتعلقة بمقاومة تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة ونشاط الجماعات الإرهابية، ما يعود بالضرر على الولايات المتحدة الأمريكية نفسها ومصالحها عبر العالم.

وقد سارعت قطر، مغردة خارج السرب، بمؤازرة السياسة الأمريكية، وما أدت إليه من انخفاض أسعار النفط، حين أعلن وزير الطاقة القطري سعد الكعبي يوم 3 ديسمبر قرار انسحاب بلاده من الأوبك، اعتبارًا من أول يناير 2019. وبينما يبلغ إنتاج الأوبك نحو 32 مليون برميل يوميًّا؛ أي نحو ثلث المعروض النفطي العالمي، فإن إنتاج قطر يبلغ نحو 640 ألف برميل يوميا؛ أي لا يمثل وزنًا ذا شأن، سواء على مستوى الأوبك أو على المستوى العالمي، غير أن توقيت هذا الإعلان قبيل انعقاد الأوبك في 6 ديسمبر، وما يحمله من منافسة السعودية العضو القائد في هذه المنظمة، ومن رفضه الاتجاه القوي في هذا الاجتماع لخفض الإنتاج، يعني أن قطر خارج هذا الاتجاه، وقد يكون هذا الوقف تمهيدًا لموقف محتمل في المجال الذي تبرز فيه قطر، وهو إنتاج الغاز وتصديره، فقطر هي الخامسة عالميًّا في إنتاج الغاز الطبيعي، ولكنها الأولى عالميًّا في إنتاج وصادرات الغاز المسال، وتسعى إلى زيادة إنتاجها من 77 إلى 110 ملايين طن سنويًّا، وتمثل صادراتها 27% من صادرات الغاز العالمية، وعن طريق هذا الدور المحتمل في سياسة أسعار الغاز وتوريده يمكن أن تخدم الهدف الأمريكي في إضعاف موقف روسيا في سوق الطاقة العالمية، ومن المعلوم أن أوروبا تعتمد بشكل كبير على إمدادات الغاز الروسي عن طريق شركة غاز بروم الروسية أكبر شركات الغاز في العالم.

عموما يبدو أن سياسة أمريكا في هذه القضية لن تكون ثمارها عسلاً على طول الخط، فهي تقوّض مصالح شركاء استراتيجيين لها في الشرق الأوسط والخليج العربي، وتُلحق ضررًا بقدرتهم على تحقيق الأهداف الأمريكية في هذه المنطقة، ذلك أن تراجع إيرادات هؤلاء الشركاء سيترتب عليه تخفيض إنفاقهم في المجال الاجتماعي، وفي المجال الأمني، في الداخل والخارج، ما يعطي فرصًا كبيرة لعدم الاستقرار، ونشاط الجماعات الإرهابية التي تستغل هذه الحالة، وهذه الجماعات نفسها هي المرشحة لأن تكون أكبر آليات إيران للالتفاف على العقوبات الأمريكية حتى تجعلها غير مجدية.

وقد رأينا في الآونة الأخيرة الاضطرابات التي وقعت في الأردن نتيجة اتجاه الحكومة لفرض أعباء جديدة على مواطنيها، وما ساعد الحكومة الأردنية في احتواء هذا الموقف مؤقتًا المساعدات الخليجية، فكيف يتسنى لهذه المساعدات أن تستمر في ظل استمرار السياسة الأمريكية المؤثرة على قدرة بلدان الخليج العربية على تقديم هذه المساعدات؟!

لذا يتعين على السياسة الأمريكية ألا تنظر بعين واحدة وهي تتحرك في سوق الطاقة العالمي، وأن تنظر إلى هذا السوق في مجمله، وليس فقط إلى ما قد تجنيه من مكاسب في الأجل القصير، وبدلاً من إدارة شؤون العالم بالصراع، فإنها كقوة عالمية مسؤولة يتعين أن تديره بالتعاون، حتى تتحقق بشكل متوازن مصالح الأطراف المتعددة في هذا العالم.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news