العدد : ١٤٨٧٣ - الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٣ - الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

نهب الآثار في العالم بين الماضي والحاضر

الأربعاء ٠٥ ديسمبر ٢٠١٨ - 11:19

في سنة 2012 شرَّعت الولايات المتحدة الأمريكية قانونا جديدا يرمي إلى توفير الحماية القضائية والقانونية اللازمة للمبادلات الثقافية مع الدول الأجنبية. ذلك هو محتوى التشريع الذي تقدم به اثنان من أعضاء الكونجرس الأمريكي أحدهما ديمقراطي والثاني جمهوري. ومثلما كان منتظرا فقد صوَّت مجلس النواب الأمريكي بالموافقة على القانون الجديد في شهر فبراير 2012 قبل تمريره إلى مجلس الشيوخ.

ينص هذا القانون على حماية كل المتاحف الموجودة على أراضي الولايات المتحدة الأمريكية ودول العالم الأخرى، سواء على صعيد إعارة بعض مجموعاتها الأثرية أو استعارة أعمال فنية أو كنوز أثرية بين مختلف المتاحف في العالم.

وينص القانون المثير للجدل أيضا على منع حجز أو المطالبة بأي أعمال فنية أو قطع أثرية متنازع على ملكيتها أو تحوم حولها شبهات قانونية باستثناء تلك التي تعود ملكيتها إلى العائلات اليهودية التي استولت عليها ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945). لعل ما يثير الجدل في هذا القانون الجديد أنه يستثني تلك الآثار والأعمال الفنية التي تم نهبها في ظل ظروف مختلفة مثل الحروب أو حالة المنفى. 

يرمي هذا القانون إلى منع أي لجوء إلى القضاء من أجل استعادة الأعمال الفنية والقطع الأثرية التي تحوم حولها شبهة إجرامية. بطبيعة الحال، أبدى محافظو المتاحف الرئيسية في الولايات المتحدة الأمريكية دعمهم للقانون الجديد، الذي حظي أيضا بدعم من المجلس الأعلى للمتاحف في فرنسا قبل أن يتراجع عن هذا الموقف تحت وطأة الانتقادات والاحتجاجات المنددة بالقانون الأمريكي المذكور. 

لقد تم الاستيلاء على عدد كبير من القطع الأثرية المرتبطة بتاريخ وتراث الشعوب عبر العالم وذلك من خلال الحملات العسكرية التي حدثت، إضافة إلى عملية نهب آثار عديد من دول العالم التي مزقتها الحروب والصراعات المسلحة في عصرنا الحديث، ولعل ما يثير السخط أن الدراسات قد كشفت تورط بعض علماء الآثار وخبراء التراث وعلماء الأنثروبولوجيا في عمليات تزويد متاحف الغرب على وجه الخصوص بأفضل القطع الأثرية. 

هناك أمثلة شهيرة على هذا الأمر، على غرار حجر رشيد والمسلة التي تم اكتشافها في سنة 1799 في دلتا النيل خلال الحملة الفرنسية التي قادها نابليون بونابرت في مصر، وقد نُقلت إلى إنجلترا لاحقا بعد الانتصار العسكري الذي حققه الإنجليز في معارك أبو قير. يوجد حجر رشيد اليوم في المتحف البريطاني وظلت مصر تطالب به على مدى العقود الماضية من دون هوادة. 

حجر رشيد عبارة عن لوح من الحجر، يحمل نقوشًا من الحروف اليونانية، والحروف الهيروغليفية المصريّة، والرموز الديموطيقية، واعتبرت بمثابة مفتاح لفك رموز الكتابة الهيروغليفية المصريّة القديمة. يضم حجر الرشيد نقوشا مصرية قديمة، وهذه النقوش مكتوبة بعدد من اللغات والنصوص، وهو من نوع حجارة الجرانيت الأسود، وذو شكل منتظم، ويصل طوله إلى 114سم، وعرضه 72سم.

حدثت عمليات نهب أخرى لآثار وتراث الشعوب غير أنها لم تثر ضجة كبيرة، على تلك السرقات التي شهدتها إثيوبيا سنة 1868 وغانا سنة 1874 ومملكة إيدو (البنين) سنة 1897 في سنة 1860 عمدت القوات الاستعمارية الفرنسية والبريطانية إلى نهب القصر الصيفي في الصين غير أن هذه السرقات التاريخية لم تثر ضجة كبيرة. 

في سنة 2008 نظمت دار كريستي مزادا في العاصمة الفرنسية باريس للمجموعات الفنية التي كان يمتلكها مصمم الأزياء الشهير إيف سان لوران وكانت من بين الأشياء المعروضة للبيع في ذلك المزاد العلني قطعتان من البرونز منهوبتان من عمليات النهب الاستعمارية. لقد عرضت دار كريستي القطعتين البرونزيتين على الحكومة الصينية التي تطالب بهما وطلبت من سلطات بكين دفع مبلغ 20 مليون دولار لاستعادتهما. اعتبرت سلطات بكين أن الثمن مبالغ فيه خاصة أن القطعتين منهوبتان إبان الحقبة الاستعمارية.

يمكن لعمليات نهب تراث وآثار الشعوب أن تحدث حتى عندما يسود السلام. فالمتحف البريطاني يدين بالفضل للقنصل العام هنري سالت الذي مكّنه من الحصول على قطعة رمسيس الثاني. أما السفير البريطاني لدى الدولة العثمانية توماس بروس (اللورد إيلجين) فإنه لعب دورا كبيرا في حصول المتحف البريطاني على مجسمات البارثينون (الأكروبوليس) وقد ظلت اليونان تطالب باستعادتها منذ سنة 1830. 

في سنة 1911 عثر عالم الآثار هيرام بنجام الأستاذ المرموق في جامعة هارفارد الأمريكية على خمسة آلاف قطعة أثرية في موقع ماشو بيشو في البيرو. أعارت البيرو رسميا تلك القطع بعيد اكتشافها للولايات المتحدة الأمريكية لأغراض الدراسة والترميم وذلك مدة سنة واحدة لا أكثر غير أن تلك القطع لا تزال موجودة حتى اليوم في متحف بيبودي في نيو هايفن بالولايات المتحدة الأمريكية. 

أما جامعة يايل الأمريكية العريقة التي تحتضن المتحف المذكور فقد رفضت السماح لعلماء الآثار من جمهورية البيرو بالاطلاع على تلك القطع الأثرية التي تعد بالآلاف على الرغم من أن ملكيتها الحقيقية تعود إلى البيرو من دون أدنى شك وظلت سلطات ليما تطالب باستعادة هذه القطع منذ سنة 1920 إلى أن تم في نهاية المطاف التوصل إلى اتفاق في شهر فبراير من سنة 2011 نص على بناء متحف في منطقة كورز بالبيرو يكون مخصصا لحضارة الأنكا والسماح لمتحف بيبودي الأمريكي بالتعهد بصيانة أجمل القطع الأثرية في إطار إعارة دائمة. 

في الحقيقة فإن سلسلة السرقات التي طالت عديدا من تراث وآثار الكثير من شعوب العالم لا تزال متواصلة حتى اليوم-على غرار مجموعات فسيفساء كاناكيا التي عرضتها بعض الأطراف المشبوهة سنة 1988 على متحف بول جيتي في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، إضافة إلى بعض الأيقونات. يذكر أن هذه المجموعات من الفسيفساء الأثرية قد نهبت من الكنائس البيزنطية في قبرص عقب الغزو العسكري التركي سنة 1974. تولى التاجر إيدين ديكمان الذي يقبع في السجن منذ سنة1997 تقطيع بعض القطع الأثرية من أجل تسهيل عملية نقلها وتهريبها. 

لا ننسى أيضا تمثال رأس نفرتيتي الذي يعود إلى القرن الرابع عشر قبل ميلاد السيد المسيح وقد اكتشفه عالم الآثار الألماني لودويدج بورشاردت سنة 1912 ونقله إلى برلين من أجل دراسته غير أنه لا يزال يقبع هناك حتى اليوم في أحد المتاحف الألمانية. 

عاشت نفرتيتي في القرن الرابع عشر قبل الميلاد زوجة للفرعون المصري إخناتون أحد ملوك الأسرة الثامنة عشرة في مصر القديمة، حكم مصر من 1352 ق.م إلى 1336 ق.م، ودعا إلى ديانة جديدة سميت الديانة الآتونية وتدعو إلى توحيد عبادة قرص الشمس آتون.

في 6 ديسمبر 1912 عثرت البعثة الألمانية على تمثال نفرتيتى في تل العمارنة في ورشة عمل النحات المصري «تحتمس»، ووصل التمثال إلى ألمانيا في عام 1913. إذ تم شحنه إلى برلين، وقدم إلى «هنري جيمس سيمون» تاجر الآثار وممول حفائر تل العمارنة، وبقي التمثال لدى سيمون حتى أعار التمثال وغيره من القطع الأثرية التي عثر عليها في حفائر تل العمارنة إلى متحف برلين.

ومنذ إزاحة الستار عن عرض التمثال في متحف برلين عام 1925 وهناك جدل واسع حول استرداد التمثال حتى يومنا هذا، حتى أنه في عام 1925 أعلنت الحكومة المصرية حظر عمل البعثات الألمانية إن لم تعد رأس الملكة الفرعونية إلى مصر، لكنها لم تلق استجابة من الحكومة الألمانية وفى أثناء حكم أدولف هتلر رفض المستشار الألماني حينها أي مخطط من شأنه عودة التمثال إلى مصر.

بعض الدول الأوروبية ومن بينها ألمانيا أصدرت قانونا ينص على أن كل أثر مضى على دخوله أراضيها 25 عامًا يُعدّ أثرًا قوميا لا يمكن التفريط فيه، ومن هنا تكمن أزمة سياسية وقانونية كبيرة.

أما المتحف القومي للفنون الآسيوية (متحف جيمات) فإنه يضم بعض القطع الأثرية التي كانت على ملك معبد الخمير في بانتي سراي، ومن ضمنها أربع منحوتات تحدث الأديب والمفكر الفرنسي أندريه مالرو سنة 1923. 

سعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) إلى التدخل حيث إنها اعتمدت سنة 1970 اتفاقية تنص على عدم قانونية استيراد أو تصدير الأعمال الفنية التي يتم الحصول عليها بشكل مشبوه كما تشجع الاتفاقية المذكورة الدول الموقعة على الاتفاقية المذكورة على إعادة الأعمال الفنية المسروقة إلى بلدانها الأصلية. 

من المؤسف أن تلك الاتفاقية على أهميتها، غير إلزامية بعد التصديق عليها كما أنها لا تنص على أي أثر رجعي لتشمل تلك الآثار والأعمار والتي نهبت وسرقت وهربت خلال الفترة الاستعمارية. هذا ما يحتم استخدام عدة وسائل أخرى أكثر فاعلية. 

أما التمثال الثاني لأبي الهول، والذي يعود إلى عهد الإمبراطورية الحيثية في منطقة الأناضول في تركيا فقد ظل معروضا في متحف برلين فيما ظلت تركيا تطالب به مرارا وتكرار وهو ما تم فعلا في شهر نوفمبر 2011. وذلك بعد أن هددت أنقرة بمنع كل فرق التنقيب الأثرية الألمانية من العمل على الأراضي التركية. 

لقد لجأت مصر إلى نفس الأسلوب سنة 2007 وأعلنت أنها لن تستقبل أي علماء آثار من متحف اللوفر في باريس ما لم تستعد القاهرة خمس مسلات فرعونية تقول السلطات المصرية إنها قد سرقت خلال عمليات التنقيب عن الآثار والتي أنجزت في فترة الثمانينيات من القرن العشرين وقد تمت فعلا إعادة المسلات الخمس إلى السلطات المصرية سنة 2009.

في خطوة جديدة، استعانت منظمة اليونسكو بالمعهد الدولي للقانون الخاص من أجل توسيع نطاق اتفاقية 1970 لتشمل المؤسسات والأفراد والسماح للدول بفتح تتبعات قضائية ورفع قضايا أمام محاكم الدول التي يعيش فيها المتهمون بسرقة وشراء الآثار المنهوبة والمتاجرة بها. 

في سنة 2005 وقّعت إحدى عشرة دولة فقط على ميثاق في هذا المعنى وهو ما أثار انتقادات عنيفة من التجار وهواة جمع المجموعات الفنية وحتى أصحاب المعارض الفنية ومديرو المتاحف. فقد اعتبر هؤلاء أنه يعود إليهم الفضل في ترميم وتثمين هذه القطع الأثرية كما أنهم يزعمون أن استقرار إدارات مؤسساتهم وسمعتهم من شأنه أن يشجع على زيادة الزوار الذين يتوافدون على المتاحف.

ضرب هؤلاء عدة أمثلة مثل تعرض معرض بغداد سنة 2003 إلى عمليات نهب واسعة في خضم الغزو العسكري الأمريكي للعراق كما نهب متحف القاهرة في سنة 2011، كما عمدت حركة طالبان المتطرفة إلى تدمير تراث البوذيين في أفغانستان، وغيرها من الأمثلة الأخرى من مختلف أنحاء العالم. ويذكر أيضا أن النرويجي مارتن شايان الذي أنقذ المخطوطات البوذية التي عثر عليها في كهوف جبال باميان، علما أنه اشتراها في لندن! 

يزعم كبير محافظي المتحف البريطاني مجموعة «بيزوت» أن الآثار هي ملك للجميع، بصرف النظر عن المكان الذي يتم فيه حفظ هذه القطع الفنية أو الأثرية. في سنة 2002 أصدر المتحف البريطاني بيانا موقعا من سبعة من محافظي المتاحف والمعارض الفنية وقد جاء فيها ما يلي على وجه الخصوص: 

«مع مرور الوقت تصبح الأشياء  التي يتم الحصول عليها عن طريق الشراء أو الإهداء أو التقاسم جزءا لا يتجزأ من أملاك المتحف الذي احتفظ بها، ومن ثم تصبح جزءا لا يتجزأ من تراث الدولة التي تحتضن هذه الأشياء». هذا أيضا ما توافق عليه إسبانيا التي تعتبر أن المحافظة على مجموعات فنية مدة عشرة أعوام يجعلها جزءا لا يتجزأ من تراثها القومي. 

هذا ما يثير عديدا من الأسئلة ومواقف الاستغراب من التداخل المريب ما بين محافظي المتاحف والقاعات الفنية من ناحية وتجار الأعمال الفنية والقطع الأثرية؟ وقد تولت مدام ماريون في الفترة 1986 و2005 إدارة متحف بول جيتي في مدينة لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية علما أن هذا المتحف المذكور يرصد مبلغ 100 مليون دولار سنويا من أجل اقتناء الآثار والأعمال الفنية المعروضة للبيع. في سنة 2009 مثلت هذه المسؤولة مع التاجر الأمريكي روبرت هيتش أمام محكمة روما بتهمة الحصول بشكل غير قانوني على قطع أثرية من موقع سرفوريتي.

في تلك الفترة داهمت الشرطة السويسرية مخازن تابعة للتاجر الإيطالي جياكومو مديسي وعثرت هناك على أعمال فنية وقطع أثرية مشبوهة حصل عليها بطرق غير قانونية وقد حكم عليه بالسجن مدة عشر سنوات مع النفاذ. في فترة التسعينيات من القرن العشرين الماضي حصل المتحف الأمريكي المذكور أعلاه على مجموعة الآثار الخاصة التي كانت ملك لورانس وباربرا فليشمان وقد استعان القائمون على المتحف بالتاجر الإيطالي جياكومو مديسي. 

في شهر فبراير 2006. دخل متحف الميتروبوليتان في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية في مفاوضات مع إيطاليا وقد أعاد إلى سلطات روما ما لا يقل عن أربعين عملا فنية وكان من بينها لوحة رائعة للفنان إيفرونوس والتي سرقت من موقع سيفريتي بإيطاليا وبيعت للتاجر الأمريكي روبرت هيتش سنة 1972 بمبلغ زهيد لا يتجاوز المليون دولار. 

التزم متحف الميتروبوليتان أيضا في سنة 2012 بإعادة منحوتة «أفرودايت» المتأتية من مورجانتينا صقلية في إيطاليا، وقد بيعت سنة 1988 بمبلغ 18 مليون دولار للتاجر روبين سيمز. 

في سنة 2011 جددت الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا التوقيع على الاتفاقية التي تم التوصل إليها سنة 2001 والتي تنص على منع استيراد أي عمل فني من إيطاليا  على أن يشمل الاتفاق القطع الأثرية التي تعود إلى الفترة بين القرنين التاسع قبل الميلاد والقرن الخامس بعد الميلاد. 

في أغلب الأحيان تأتي إعادة القطع الأثرية نتيجة عمليات أبحاث قانونية وأحكام قضائية ولا تأتي عمليات الإعادة بقرارات من المتاحف التي تعرضها إلا في حالات استثنائية قليلة. تأتي هذه التطورات في ظل تنامي الوعي بأهمية الحفاظ على الإرث الثقافي وخاصة ذلك المتعلق بالدول ذات الحضارات العريقة. 

عقب نهب متحفي بغداد والموصل في الفترة بين 2003 و2004. في ظل الاحتلال العسكري الأمريكي للعراق أنشأت الشرطة الفيدرالية الأمريكية (الإف-بي-آي) دائرة خاصة اسمها «برنامج السرقات الفنية» وهو ما مكّنها سنة 2006 من استعادة تمثال نفيس كان قد سرق أثناء عمليات النهب التي تعرض لها متحف بغداد إبان الغزو العسكري الأمريكي. هكذا يمكن التصدي بمثل هذه الطرق للمفاهيم والتطبيقات الخاطئة والإجرامية لما يسمى في العرف الدولي «التراث الثقافي العالمي». 

لوموند دبلوماتيك

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news