العدد : ١٤٨٧٣ - الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٣ - الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

المرحلة الانتقالية وتحديات التحول نحو الدولة المنتجة

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

الأربعاء ٠٥ ديسمبر ٢٠١٨ - 01:15

منذ هبوط أسعار النفط والدول الخليجية ومنها البحرين تعيش مرحلة انتقالية تسعى من خلالها للتحول نحو الضرائب والإنتاج والتنمية الاقتصادية الحقيقية التي تعتمد على رأس المال البشري والاجتماعي. هذا الجهد للتحول تواجهه تحديات كبيرة بعضها هيكلي ومؤسسي وبعضها إجرائي وتنظيمي، بالإضافة إلى أن هذا الوضع المعتمد على النفط خلَّف لنا مشاكل مالية واقتصادية واجتماعية وثقافية. الاعتماد على النفط جعل اقتصادات المنطقة تعتمد على الإنفاق الحكومي ليس فقط لتمويل الخدمات التي تقدمها الدولة ولكن كذلك لتمويل السيولة في البلد لتغذية الأنشطة الاقتصادية الأخرى مثل التجارة والصناعات الخفيفة الاستهلاكية وأنشطة التعمير والتشييد وسوق العقار. 

هذه السيولة السهلة في يد الدولة والمجتمع أنتجت سلوك إنفاق غير إنتاجي يضغط على المجتمع والدولة لقبول نمط استهلاكي بذخي على أنه مؤشر على الرخاء والازدهار أدى إلى خفض معدلات الادخار والضغط على الميزان التجاري والحساب الجاري. لا يقتصر الإنفاق البذخي على المواطنين المقتدرين بل شمل وزارات الدولة حيث نرى آثار الإسراف في تأثيث مكاتب المسؤولين وفي قاعات الاجتماعات والحفلات والمؤتمرات مقارنة بدول متقدمة أكثر منا إنتاجا وتنمية وقد أدى ذلك إلى تشويه مفهوم المال العام واختلاطه بالمال الخاص، فلم يعد المسؤولون يفصلون هذا عن ذاك. هذا التشويه أضرّ بكيفية التعامل مع المال العام وأضعف ثقافة المساءلة والمحاسبة وشجع الفساد والتزلف والمحسوبية وتخاذل خطباء المساجد في الدفاع عن حرمة المال العام وقلّت فاعلية المجالس المنتخبة في حمايته ما افقد المجتمع الثقة فيها.

في نفس الوقت فقدت المجتمعات الخليجية قيمة العمل وأهميته واعتمدت على عمالة وافدة تفوق أعداد السكان وبلغ ما ترسله من أموال إلى خارج الخليج سبعة مليارات شهريا. مع ما تمثله هذه العمالة الوافدة من تهديد هوية المجتمعات الخليجية وخصوصا الصغيرة منها. 

أنتج هذا الوضع تفاقم البطالة بين الشباب في جميع دول الخليج بما يفوق 30% وابتعاد الشباب عن المهن الحرفية واليدوية التي يعتبرها المجتمع من المهن الدونية التي لا تليق بالشاب الخليجي الذي يحلم بالزواج وبناء أسرة. 

العمالة الوافدة خلقت سوق عمل خاصا بها متدني الرواتب أخرج المواطن من المنافسة. إن عدم توافر وظائف مجزية للشباب في مثل هذا السوق المشوه عزز السلوك الريعي وجعل الشاب يتكل على الدولة أو على الأهل بدلا من العمل في المهن الدونية ذات الرواتب المتدنية.

التحول من الوضع الحالي المعتمد على إيرادات النفط وتوزيعها وفق معايير غير واضحة وتعتمد على التقاليد والعادات إلى وضع جديد يعتمد على الإنتاج والمشاركة والضرائب والرسوم قد يغير من معادلات توزيع الثروة وسوف يؤثر في مصالح متجذرة في وعي المستفيد والمجتمع لا نكاد نحس بوجودها وسوف يجعل الفئات المستفيدة تدافع عن هذه المصالح وتفضل استمرار الوضع الحالي. في نفس الوقت سوف يُبرز التغيير فئة جديدة ترى أنها سوف تستفيد من التغيير وتحاول تبنيه وتنفيذه بحماس توقعا لمكاسب؛ أي أننا إزاء منافسة شديدة وصراع بين فئة تريد استمرار الوضع الريعي المستفيدة منه وفئة تسعى إلى المستقبل وضرورة التحول نحو الدولة الإنتاجية.

خيار التحول يتطلب تحقيق توازن بين الليبرالية الاقتصادية الجديدة في الفكر مع فكر اقتصادي يجمع بين القطاع الخاص والعام في شراكة إيجابية ولا يجبر الدولة على الابتعاد عن السوق والاكتفاء بدور تنظيمي. قامت الدولة في السبعينيات بإنشاء شركات كبيرة وظَّفت أعدادا غير قليلة من البحرينيين ومازالت تعتبر أهم القطاعات التي تسهم في الناتج المحلي. نحتاج إلى أن تبادر الحكومة إلى إنشاء مثل هذه الشركات الكبيرة، فهذا سوف يشجع قيام مؤسسات صغيرة ومتوسطة تخدم هذه الشركات وتنعش السوق وتفتح فرص عمل متنوعة. الدول المتقدمة الرأسمالية لا تطبق الليبرالية الاقتصادية بحذافيرها، بل تتدخل في تنمية مناطق وقطاعات وفق حاجة المجتمع، وتعمل على منع حدوث جيوب متخلفة تكثر فيها البطالة وتضر بالأمن والاستقرار.

التحول يتطلب الانفتاح في توفير المعلومات للمجتمع ومنظماته ومؤسساته وتعزيز حرية الصحافة. يتطلب التحول تقوية مؤسسات مكافحة الفساد والمساءلة والمحاسبة وإنشاء المؤسسات الناقصة مثل هيئة مستقلة لمكافحة الفساد. مثل هذه الإجراءات سوف تبث الثقة في البيئة الاستثمارية وتجعل مهمة المفسدين أكثر صعوبة.

التعامل مع هذا الوضع سوف يحتاج إلى إرادة سياسية وإدارة متمكنة تدرك أهمية التغيير ومستعدة لأن تقف مع مصالح المستقبل ومصالح الغالبية من المجتمع. وفي نفس الوقت تستطيع تعويض الخاسرين وإدماجهم في العملية الإصلاحية، وتتمتع بنَفَس طويل وإدارة سَلِسة ومتدرجة للتغيير الذي سيستمر سنوات تتيح فيه للجميع إمكانية المواءمة مع الوضع الجديد، مع ضمان استدامة الحماس للتغيير والتشبث به مع مرور الزمن والعمل على منع الانتكاسة. 

التحدي الذي سوف يواجه هذه الإرادة السياسية هو التعقيد الكبير في الوضع الراهن بسبب تأثيرات الاعتماد على النفط الذي عوّد المجتمع على الاتكالية والاعتماد على الدولة، وبسبب العولمة والمنافسة الكبيرة التي يتعرض لها الاقتصاد والتنمية، وتأثير النظام الريعي على وسائل الإنتاج، وكذلك بسبب تأثر البحرين بالبيئة الإقليمية والدولية وتأثرها بالقيم والفكر الإنساني والاتفاقيات والمعاهدات الدولية ومراعاة المتطلبات البيئية بالإضافة إلى ضرورة التزامها بالتقاليد والثقافة العربية والإسلامية. لهذه الأسباب وغيرها لم تتمكن الحكومة من التوفيق وموازنة المدخلات والمخرجات والتعامل مع المتغيرات في البيئة الخارجية المؤثرة. 

التحول يحتاج إلى تغيير ثقافي وقيمي يقبل بالآخر وينبذ العنف ويقتنع بأن الله للجميع، وهو القاهر فوق عباده يهدي من يشاء ويضل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير. تحول ثقافي يبين للمجتمع أن الاختلاف مشروع ولكنه اختلاف فكري واختلاف مصالح واختلاف وجهات نظر من دون تخوين ومن دون إقصاء وإبعاد، وأن السلاح الوحيد المقبول هو الكلمة التي تعبر عن مختلف وجهات النظر والحسم في الاختلاف يكون في صناديق الاقتراع وفي الحوار والمناظرات. 

التحول يتطلب تغيير أخلاقيات العمل من حيث الإحساس بالمسؤولية والتفاني في العمل وأن الاجتهاد هو الطريق الوحيد للترقي ورفض التملق والنفاق الذي تشجعه بعض العادات والتقاليد مثل المحسوبية والوساطة والعلاقات العائلية والاجتماعية.

mkuwaiti@batelco.com.bh 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news