العدد : ١٤٨٧٣ - الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٣ - الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

العنصرية في أمريكا.. أقنعة سقطت ومعركة مفتوحة

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ٠٤ ديسمبر ٢٠١٨ - 01:15

هذا الأسبوع كنت أتناول طعام الغداء مع أحد الأصدقاء العرب وقد أخذنا الحديث، كما كان متوقعا، إلى تأثير دونالد ترامب في حياتنا السياسية ونظرة العالم إلى الولايات المتحدة الأمريكية وشعبها.

لقد كان صديقي العربي يدرك جيدا مدى تأثير انتخاب دونالد ترامب وسياساته وأفعاله التحريضية في تأجيج مشاعر العداء الموجهة ضد المؤسسات الرئيسية في البلاد وإذكاء مختلف أشكال التعصب من العنصرية، والعداء الموجه ضد المهاجرين والإسلاموفوبيا وكراهية الأجانب. 

في خضم النقاش الذي دار بيننا فاجأني صديقي بالقول: «هناك أيضا جانب إيجابي فيما فعله دونالد ترامب» عندها سألته «ما هذا الجانب الإيجابي؟» أردف قائلا إنه، وباعتباره يراقب الساحة الأمريكية، منذ فترة طويلة، يعتبر أن العنصرية وانعدام التسامح بمختلف أشكاله، قد ظلا دائما ملازمين للحياة الأمريكية. 

أضاف صديقي قوله إن أفعال دونالد ترامب هي التي أجبرت الكثير من المؤسسات والقادة السياسيين على مواجهة مثل هذه الشرور بشكل مباشر وقوي ثم قال: «لقد باتت العنصرية والمعركة ضدها مكشوفتين للعيان». 

قبل خمسة عقود من الآن أجبرت الحركة الواسعة المطالبة بالحقوق المدنية سلطات البيت الأبيض والكونجرس على تشريع قوانين تنهي التمييز العنصري وتضمن الحقوق الانتخابية وتوسع من نطاق الفرص الاقتصادية المتاحة للمواطنين الأمريكيين من أصل إفريقي. 

وعلى الرغم من أن تلك القوانين والتشريعات مثلت خطوة مهمة إلى الأمام فإنها لم تقض على العنصرية. لقد حققت تلك القوانين بعض العدالة للضحايا غير أن سم العنصرية تواصل بشكل خفي وقد ظل الساسة الجمهوريون يستغلونه، من نيكسون إلى ريغان وبوش.

عندما جاء الرئيس بيل كلينتون إلى البيت الأبيض حاول أن يعالج آفة العنصرية بشكل مباشر، وقد سعى إلى إشراك الأمريكيين في حوار وطني. وعلى الرغم من أن الفكرة كانت إيجابية فإن تنفيذها على أرض الواقع كان سيئا، الأمر الذي جعلها لا تعمر طويلا. 

ذهب في اعتقاد الكثير من الناس الطيبين أن انتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية يؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية قد نجحت، أخيرا في أن «تسمو بنفسها فوق العنصرية».

مع الأسف، فقد أدركنا لاحقا أن الحزب الجمهوري عقد العزم على أن يأخذ البلاد في اتجاه آخر مغاير، فراح يشدد في أكثر من مناسبة على أن باراك أوباما «مختلف» وذلك من أجل حشد المعارضة المناوئة للرئيس الجديد. 

الجمهوريون لم يتوانوا عن رفع شعار: «نريد استعادة بلادنا» في رسالة موجهة مباشرة إلى الناخبين البيض مفادها أن إدارة باراك أوباما لا تعيرها أي اهتمام ولا تأبه بهم.

لقد استخدمت مسألة «اختلاف» باراك أوباما كمادة للحملات الدعائية للجناح اليميني الذي يزعم أن «أوباما مسلم» أو «أوباما ليس أمريكيا، بل هو كيني» ما يجعله في نظرهم رئيسا غير شرعي. 

وجدت كل هذه المفاهيم طريقها إلى الجمهوريين بمختلف أطيافهم وألوانهم، وهو ما كان له تداعيات وخيمة. فقد أظهر استطلاع للرأي أجريناه سنة 2016 أن ثلثي الناخبين الذين صوتوا لترامب كانوا يعتقدون أن باراك أوباما ليس مسيحيا كما أن الأغلبية كانت غير متأكدة من أن باراك أوباما قد ولد فعلا في الولايات المتحدة الأمريكية.

كان الرئيس أوباما يدرك جيدًا أن خصومه لا يتورعون عن توظيف العرق الإسلاموفوبيا ضده. كانت قدرته على الرد محدودة لأنه كان بطبيعية الحال هدفا لتلك الهجمات. كان يكفي أن يتخذ القادة الجمهوريون موقفا قويا كي يخمدوا تلك النيران.

باستثناء السيناتور جون ماكين الذي تحدث عن الأمر في مرات معدودات فإن أغلب القادة الجمهوريين والطامحين إلى تولي منصب الرئاسة قد أدلوا بدلوهم وأسهموا أيضا في تأجيج نيران انعدام التسامح أو أنهم لاذوا بالصمت الذي ينم عن قبول مبطن بالأمر. 

عندما جاء دونالد ترامب على حين غرة سنة 2016 كمرشح للانتخابات الرئاسية تخاذل الجمهوريون ولم يسارعوا إلى رد الفعل وإعلان موقفهم منه. فقد كانوا في البداية مقتنعين أن ترشحه لن يطول وأنه سيخرج من السباق بمثل ما دخل به. في كل مرة يرتكب فيها دونالد ترامب هفوة يقول الجمهوريون لأنفسهم «هذه ستكون حتما نهايته»  وعلى عكس ما كانوا يتوقعونه فقد ازداد ترامب قوة لأنهم لم يدركوا ما يمكن أن يفعله وحش العنصرية و«الخوف من الآخر» وهو الوحش الذي أسهم الجمهوريون أنفسهم في تضخيمه وهو ذاته الذي يلتهمهم. 

ندد البعض علنا بدونالد ترامب قبل أن يسعوا إلى مهادنته والسلام معه خوفا من التفريط فيما يسمونه «قاعدته الانتخابية» أي أولئك الناخبين الذين يشعرون بأنهم مهمشون والذين يشعرون أنهم وجدوا في دونالد ترامب البطل الذي يبحثون عنه.

وعلى العكس من الرؤساء الجمهوريين السابقين الذين لم يستغلوا المخاوف بشكل معلن وفضلوا التعبير عن ذلك من خلال رسائل مشفرة، فإن ترامب قد وظَّف تلك الأوراق كلها وعزف على وتر المخاوف بشكل معلن وأسماهم بـ«الذين يثيرون المخاوف»، وحرم أولئك الذي ولدوا في الولايات المتحدة الأمريكية من حقهم في اكتساب الجنسية مثل المكسيكيين والمسلمين والسود واللاجئين، كما استهدف الإعلام والنخب الساحلية والمحاكم وأوباما والديمقراطيين بصفة عامة. 

في الوقت الذي نتغنى فيه بلغة شاعرية بما نسيمه «قيمنا ومثلنا» يعرف العديد من المراقبين في مختلف أنحاء العالم تاريخنا وحقيقة المشاكل التي ظلت تنخر مجتمعنا.

إنهم يعرفون أيضا آثامنا الأصلية مثل العبودية والمذابح التي ارتكبت ضد السكان الأصليين والاحتلال الإمبريالي في شمال القارة الأمريكية واستعباد شعوبها. إنهم يعرفون أيضا استمرار العنصرية وتداعياتها على مجتمعنا وسياساتنا الأمريكية الخارجية منها والداخلية.

لقد كان صديقي العربي يعني بكلامه أن الغطاء قد أزيح وأن عنصريتنا لم تعد مخفية أو مبطنة في رسائل مشفرة. تتم الآن مناقشة هذه المسألة لما تمثله من خطر يتهدد الجاليات التي تجد نفسها مستهدفة بالكراهية. ويتهدد هذا الخطر أيضا فكرة المجتمع الذي نأمل أن نبنيه.

تواصلت النقاشات بيننا وأدركت أن صديقي حسن النية، كما أنه أبدى تحمسا كبيرًا للمشاركة في هذا الجدل الواسع الذي يدور الآن حول خطاب دونالد ترامب وسياساته. من الأهمية بمكان التصدي للهجمات التي يستهدف من خلالها ترامب السود واللاتينيين والمسلمين واللاجئين وتشجيعه للقوميين البيض. ومن الضروري القيام بذلك لأنه الأمر الصحيح، كما أنه يساعد على رد الاعتبار لصورة أمريكا في العالم.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news