العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

العقلانية والمصلحة في السياسة الخارجية الروسية

بقلم: د. نبيل العسومي

الأحد ٠٢ ديسمبر ٢٠١٨ - 01:15

المتتبع للسياسة الخارجية الروسية خلال السنوات الأخيرة ومواقفها الرسمية المعلنة في مختلف القضايا الدولية بما في ذلك القضايا العربية يلمس بوضوح خيطا رابطا لهذه السياسة يترسخ من فترة إلى أخرى وعبر القضايا الدولية الأكثر حساسية. ويمكننا في هذا السياق أن نستخلص أهم سمات هذه السياسة في مرحلة الرئيس بوتين المستقرة والثابتة في الرؤية:

السمة الأولى: في هذه السياسة العقلانية تجنب المواقف والشطحات السياسية العاطفية والخطابية الدعائية مثلما يحدث في سياسات الدول الأخرى مثل التهديد والوعيد والابتزاز، فالسياسة الخارجية الروسية تمشي على أطراف أقدامها بهدوء وتعمل حسابا لكل صغيرة وكبيرة ولا تفرق هنا بين دولة كبرى ودولة صغرى أو متوسطة فالعقلانية تقود هذه السياسة بحيث يتم تحقيق التوازن بين مختلف الأطراف الدولية وتجنب المواجهات المحتدمة والتي قد تهدد بعودة أجواء الحرب الباردة.

ومن مظاهر هذه العقلانية التنسيق الكامل مع المملكة العربية السعودية ودول الأوبك بشأن الحفاظ على أسعار معقولة لبرميل النفط من خلال الحفاظ على توازن السوق النفطي بحيث لا يقع خلل في التوازن يؤدي إلى ارتفاع هذه المادة.

السمة الثانية: لهذه السياسة هي البحث عن المنطقة الوسطى الجامعة للمصالح بحيث تبنى السياسة على تحقيق المصالح بين روسيا وشركائها في العالم وربط المواقف السياسية والدبلوماسية بما في ذلك المواقف في مجلس الأمن الدولي بمدى تحقيق المصالح المشتركة لجميع الأطراف ويمكننا أيضا هنا أن نعيد الحديث عن السياسة النفطية التي تعتمد مداخيل الموازنات الروسية عليها بدرجة أساسية لتسيير الحياة الاقتصادية في البلاد ولا شيء تقريبا يجعل السياسة الخارجية الروسية تغير اتجاهاتها إلا إذا ظهرت مؤشرات عن وقوع أزمة أو اختلال التوازن في إنتاج النفط يؤدي إلى الإضرار بمصالح روسيا وشركائها في هذا المجال حيث إن الشراكة هنا لا علاقة لها بالأيديولوجية ولا حتى بانسجام المواقف السياسية والمواقف الدولية وإنما ترتبط بالدرجة الأولى بتبادل المصالح.

الثالثة: تمتاز السياسة الخارجية الروسية بالثبات مع الحلفاء والوفاء بالوعود، ما يجعل العالم يثق بها حيث لم يسبق لروسيا -أو للاتحاد السوفيتي السابق- أن انقلبت على حلفائها فهي سياسة ثابتة وتدفع روسيا من أجل ذلك العديد من التكاليف المادية والسياسية والعسكرية وهذا يعكس ما شاهدناه في علاقة بعض الدول العربية والآسيوية والإفريقية واللاتينية مع الاتحاد السوفيتي السابق أو حتى مع روسيا فالشراكة هنا تقوم على ضمانات سياسية وأخلاقية في حين أن علاقة الدول مع بعض الدول الغربية الكبرى لا تقوم على أي ضمانة بل بالعكس يمكن في أي لحظة أن تنقلب رأسا على عقب وقد رأينا ذلك إبان أحداث ما سمي بالربيع العربي حيث وقفت الدول الغربية التي كانت تعتبر حليفا لبعض الدول التي حدثت فيها زوابع الربيع العربي موقفا معاديا ومازلنا نتذكر ولن ننسى أبدا حيث سقطت كل تلك العلاقات التاريخية والاستراتيجية في لحظة واحدة ولم نشهد أي مواقف داعمة لهذه الدول في حين تعاملت موسكو مع تلك الأحداث تعاملا عقلانيا متوازنا وعندما تعرض أحدث حلفائها في المنطقة إلى تهديد عسكري وأمني وإرهابي متعدد الأطراف هبت بكل قوة للوقوف معه والدفاع عنه.

الرابعة: تمتاز السياسة الخارجية الروسية في تعاملها مع القضايا بالهدوء والاتزان وعدم التسرع، مثال على ذلك تعاملها مع القضايا الأكثر سخونة في الأشهر الأخيرة ومنها قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي حيث لم تتسرع الخارجية الروسية في اتخاذ أي مواقف سلبية واعتمدت في تعاطيها مع هذا الملف على ثوابت العلاقات الدبلوماسية واحترام ما صدر عن المملكة العربية السعودية من بيانات رسمية من دون أي تدخل أو إثارة أو ابتزاز كما فعلت الدول الغربية لأن الأصل في العلاقات الدبلوماسية هو احترام السيادة الوطنية للدول وعدم تجاوزها بأي شكل من الأشكال.

إن ما يلفت الانتباه وما يهمنا في هذا السياق أن روسيا لا تزال على الرغم من كل التحولات التي مست العالم العربي تتعامل مع الدول العربية على أنها كيان إقليمي واحد بعكس الدول الكبرى الأخرى التي ترفض مفهوم العالم العربي أو الوطن العربي وتسعى إلى إذابة الشرق الأوسط الكبير أو دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أو غيرها من المفاهيم التي تخفي الخصائص الجامعة للدول العربية في حين لا تزال السياسة الخارجية الروسية تجاه العرب قائمة على الشراكة الاقتصادية والتعاون في مجال الطاقة والتعامل النفعي وتفعيل دور روسيا التنموي في السوق والعمل على كسر احتكار الدول الغربية لسوق السلاح في المنطقة وغير ذلك من الجوانب التي تجعل من تطوير علاقاتنا العربية مع روسيا أمرا يخدم التوازن والأمن القومي العربي خاصة في ظل التكالب على الوطن العربي ومحاولة الإضرار به بأي شكل من الأشكال.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news