العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

النهوض بالصناعات الغذائية من منظور التنمية المستدامة (2)

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٢ ديسمبر ٢٠١٨ - 01:15

في إطار حديثنا عن الصناعات الغذائية وكيفية النهوض بها، تحدثنا في الأسبوع الماضي عن واقع الصناعات الغذائية في البحرين وبينّا بعض المشكلات التي يعاني منها القطاعان العام والخاص المتعلقة بموضوع الصناعات الغذائية، واليوم سنحاول أن نتطرق إلى الكيفية – التي نعتقد أنها مناسبة – للنهوض بهذه الصناعات وهذا القطاع حتى يسهم في المدخول أو الناتج المحلي العام.

قلنا ونقول دائمًا إنه لا يمكن النهوض بالصناعات الغذائية بطريقة الحلول البندولية أو الوقتية، بل إن كانت الحكومات تريد تطوير هذا القطاع فإن عليها النهوض به بطريقة متكاملة وبصورة مستدامة، فليس من المعقول التفكير في جزئية وحلها وترك الأمور الأخرى معلقة –مثلاً – ليس من المعقول فرض أنظمة صحة وسلامة الأغذية العالمية على المصانع حتى تتمكن من التصدير إلى الدول الأوروبية وأمريكا ولكن في المقابل هذه المصانع لا تمتلك المقومات الأساسية ولا البنية التحتية لمثل هذه الأنظمة، وكذلك فإن أجهزة الرقابة نفسها التي من المفروض أن تمتلك القدرة على كيفية وإمكانية تطبيق هذه الأنظمة هي في الواقع لا تمتلك القدرة العلمية ولا الموارد البشرية لتنفيذ ومراقبة هذه الأنظمة.

لذلك فنحن نحتاج إلى حلول عملية متكاملة مستدامة من أجل النهوض بهذا القطاع، وهذه الحلول يمكن تلخيصها وتنظيمها في ثلاثة أمور مهمة، وهي: 

أولاً: التعاون التام بين الأجهزة التشريعية والتنفيذية في القطاع الحكومي وغرف التجارة والقطاع الخاص المتمثل في قطاع صناعة الأغذية؛ وذلك بهدف الارتقاء بصناعة الأغذية وليس لمجرد فرض القوانين وتنفيذها وفرض الغرامات وكتابة المخالفات، وإن كان أمرا مطلوبا إلا أن التعاون من أجل الارتقاء هو الهدف الأول، وما عدا ذلك فإنه سيأتي لاحقًا.

ثانيًا: وضع استراتيجية متكاملة للنهوض بقطاع صناعة الأغذية؛ لا يمكن تطوير أي عمل إلا بوجود خطط، بحيث يمكننا أن نعرف متى وكيف نبدأ وإلى أين نسير، ومتى نصل وإلى أين نصل، هذه الاستراتيجية يجب أن تبنى وتتشكل في ثلاثة عناصر أساسية تكوّن منظومة الرقابة على الأغذية وتتمثل في: القوانين والتشريعات – تطوير البنية التحتية – تطوير الرقابة الصحية على الأغذية، وسنحاول أن نتطرق إلى هذه العناصر بشيء من التفصيل كالآتي:

تطوير القوانين والتشريعات: عندما نتحدث عن التشريعات والقوانين فإننا نقصد كل تلك القوانين والأنظمة والاشتراطات والمواصفات التي تصدر من الجهات ذات العلاقة بهدف وصول الغذاء إلى المستهلك بأفضل صورة ومن غير أن يسبب له أي أضرار صحية. ويمكننا أن نقسم التشريعات إلى نوعين، الأول: التشريعات المحلية وتنقسم إلى القانون الأساسي للأغذية واللوائح التفسيرية، والثاني: التشريعات الدولية.

ونجد أنه من المناسب أن تصاغ كل تلك القوانين واللوائح -سواء المحلية أو الدولية- بلغة واضحة ومختصرة، ما تتيح للعاملين في أجهزة الرقابة وفي صناعة الأغذية والمستوردين والمصدرين وكذلك المستهلكين فهم حقوقهم وواجباتهم والتزاماتهم بسهولة ويسر، ومن ناحية أخرى يفضل أن تطبع القوانين واللوائح -على الأقل المحلية- في مجلد واحد حتى يكون في متناول الراغبين في تداوله.

الجدير بالذكر أن القوانين واللوائح يجب أن تكون متكاملة حيث إن قصورها يتسبب في مشاكل كثيرة للأجهزة الرقابية، وربكة كبيرة في الجوانب الإدارية وأوقات ضائعة وقرارات فردية.

تطوير البنية التحتية للصناعات الغذائية: وتشتمل البنية التحتية على عدة أمور، مثل: تطوير أجهزة الرقابة الصحية نفسها، وإنشاء المختبرات، وإيجاد مساحات من الأراضي الصناعية الخاصة بإنشاء مصانع إنتاج الغذاء وما إلى ذلك، لنحاول أن نستعرض بعض الأمور التي يمكن أن تشملها البنية التحتية، وهي:

فرض الأنظمة وقوانين صحة وسلامة الأغذية العالمية: منذ بداية التسعينيات من القرن العشرين ظهرت منظومة (تحليل المخاطر وتحديد النقاط الحرجة HACCP)، ومن المعروف أن الكثير من دول العالم اليوم تطبق هذه المنظومة، وهذه المنظومة تختص بتطبيق أرقى أنظمة وقوانين صحة وسلامة الأغذية، وتعتبر شهادة دولية بأن هذه المنشأة تطبق أرقى أنظمة صحة وسلامة الأغذية، ومن ثم فإن بإمكانها أن تقوم بتصدير بضاعتها إلى أي دولة ترغب -وهي منظومة بدأ تنفيذها في مصانع الأغذية، ولكن وجد أنه يمكن تنفيذها في جميع المنشآت الغذائية الأخرى على حد سواء الكبيرة أو الصغيرة- أو يمكن كحد أدنى أن تطبق ما يعرف (بمتطلبات الإنتاج الجيد Good Manufacturing Practices)، وهذه المنظومة أيضًا مقبولة في بعض الدول، ويمكن كذلك تطبيق الأيزو (ISO 22000).

كذلك جدير بالذكر أن الحكومة تستطيع أن تفرض تطبيق هذه المنظومات كشرط أساسي ومبدئي لإنشاء مصانع الأغذية في البلاد، علمًا أن إقامة هذه المنظومات في المصنع لا يكلف المصنع أي شيء وإنما هي عمليات تنظيمية تراعي فيها أفضل أنظمة الجودة والصحة والنظافة والترتيب.

تطوير البنية التحتية لمنظومة الرقابة الصحية: وهذا الموضوع بالتحديد سنتحدث عنه لاحقًا بشيء من التفصيل، لذلك لا نريد التوسع فيه حاليا.

إيجاد مناطق صناعية خاصة لمصانع الأغذية: وإن لم تتمكن الحكومة من توفير كل تلك الأراضي، فعلى الأقل يمكن تقديم العديد من التسهيلات لإقامة مصانع الأغذية، سواء في التقليل من الضرائب والرسوم الخاصة لإقامة المصنع أو رسوم توفير الطاقة أو إدارة المخلفات والنفايات وما إلى ذلك، ومن ناحية أخرى تعطى مصانع الأغذية أفضلية لإقامتها مقارنة بالصناعات الأخرى مثل مصانع الإطارات أو الألمنيوم وغير ذلك.

معاهد ومراكز إرشادية ومراكز بحثية: تفتقر الدول العربية إلى مراكز بحثية خاصة بالإنتاج الغذائي، سواء في الزراعة أو مصانع الأغذية، ولا نقصد كليات الزراعة المنتشرة في معظم الدول العربية، بل يحتاج الوطن العربي إلى معاهد متخصصة لتخريج عمالة واعية يمكن أن تعمل في قطاع الإنتاج الغذائي كمصانع الأغذية، على أن تكون مدركة مدى خطورة هذا العبء وأهميته على الإنسان واقتصاد البلاد، ومن ناحية أخرى فإن الدول العربية تحتاج إلى مراكز بحثية متخصصة في عمل الدراسات والبحوث المتعلقة بالغذاء وذلك بهدف وضع الحلول للمشكلات القائمة وليس من أجل الترقية في الدرجات العلمية كما هو حاصل في كليات الزراعة، وكذلك فإن رجال الأعمال يحتاجون إلى مراكز إرشادية وتوجيه سواء لتسويق المنتجات أو تسهيل بعض العمليات الإدارية أو الفنية.

خدمات التحليل والمختبر: لا يمكن لأي دولة تريد إقامة جهاز للرقابة الغذائية أن تغفل إنشاء مختبر، فالمختبر والتحاليل المخبرية لا تقل أهمية عن أي جزء من الأجزاء الأساسية للرقابة، فعن طريق نتائج التحاليل المخبرية يمكن اتخاذ القرارات المناسبة فيما يتعلق بصلاحية المواد الغذائية ومدى مطابقتها للمواصفات والمقاييس.

وعادة يقوم المختبر بنوعين من الاختبارات، وهي: الاختبارات الروتينية والاختبارات الطارئة التي يتم إجراؤها بحسب الموقف والحاجة.

وفي الدول العربية نحتاج إلى تطوير دائم للمختبرات من حيث صيانة أجهزتها وتوفير قطع الغيار، بالإضافة إلى تأهيل الكوادر الوطنية التي تستطيع أن تقوم بمثل تلك المهام، وكذلك توفير الميزانيات الخاصة للمختبرات من غير تقاعس، فيجب أن يفهم المسؤولون في الدول أن المختبر ربما يكون حجر الزاوية في الرقابة الغذائية، إذ من بين أروقته يصدر القرار بصلاحية الغذاء أو عدمه.

توفير المواد الخام: معظم دول الإقليم وربما بعض الدول العربية لا تنتج المواد الخام، لذلك فنحن نستورد تلك المواد -وهذا لا خطأ فيه بل هو أمر طبيعي فمعظم الصناعات تقوم على ذلك- ولكن الأمر يحتاج إلى أحد أمرين: إما توفير المواد الخام لصنّاع الأغذية، وهو أمر يصعب تنفيذه، أو مساعدة التجار في تخفيض الرسوم والضرائب التي تؤخذ على المواد الخام التي يتم استيرادها للصناعات الغذائية، وهذا يمكن اعتباره مساعدة تقدمها الحكومة من ضمن التسهيلات التي تقدمها.

اتفاقيات بشأن الضريبة الجمركية: من الأمور المهمة التي يعاني منها الكثير من صنّاع الأغذية موضوع الضرائب الجمركية العالية التي تفرضها الدول على البضائع المستوردة وذلك من أجل المحافظة على منتجاتها المحلية، لذلك نعتقد أنه قد آن الأوان ليس لإلغاء هذه الضرائب الجمركية إذ إنه أمر مستحيل بل إن المطلوب على الأقل التقليل من تلك الضرائب من أجل انسياب البضائع والمنتجات الغذائية بين الدول.

الوعي والتوعية العامة: ومن القضايا المهمة التي يجب ألا نغفل عنها موضوع الوعي ونشر ثقافة الاهتمام بالمنتج المحلي في مقابل المنتج الأجنبي، على الرغم من أن المنتج الأجنبي –عادة- ما يكون أكثر جودة من المنتج المحلي، فإنه من المهم على الأقل أن نشجع المنتجات المحلية من الانتشار والوجود في الأسواق المحلية والمعارض.

وكذلك نشر الوعي بين العاملين في المصنع وفي صناعة الأغذية، والمقصود هنا أن يفهم العامل ويطبق الطرق الصحية السليمة في إنتاج الغذاء، إذ يجب-مثلاً - أن يعرف بل ويؤمن تمام الإيمان أن عليه أن يغسل يده بالماء والصابون بطريقة تضمن خلوها من البكتيريا بعد خروجه من الحمام، ولا ينفذ هذا الأمر لمجرد أنه طلب منه ذلك، وقس على ذلك.

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news