العدد : ١٤٨٧٣ - الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٣ - الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

من أشعة القرآن الكريم!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٢ ديسمبر ٢٠١٨ - 01:15

هذه دعوة مبرورة أرجو لها القبول وأن يعقلها العاقلون، فيستقبلونها استقبالا يليق بها، ويحتفون بها حفاوة تستحقها.

إنها دعوة مباركة إلى إنشاء علاقة مع القرآن تختلف عما ألفه الناس، واستمرأوه وفاتهم من جراء ذلك خير كثير حين توقفوا عند ظواهر النصوص القرآنية على الرغم من الدعوة المبرورة التي وجهها إلينا الحق سبحانه وتعالى بتدبر هذا القرآن، وعدم الاكتفاء بظاهر النص، بل لا بد من أن نسبر أغواره، ونبحر قدر ما نستطيع في محيطاته وبحاره، وتأكيدًا على هذه الدعوة المباركة جاء الحض عليها أربع مرات في سورة القمر في قوله تعالى: «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر» تكررت هذه الآية أربع مرات في الآيات: (40،32،22،17). 

الحق سبحانه وتعالى يلفت في هذه الآية إلى حقيقة مفادها أن الذي قام بتيسير القرآن هو الله تعالى لأنه سبحانه هو العليم بمقاصد قرآنه، الخبير بمآلات كلامه، ولأن القرآن الكريم ميسر من الله تعالى، ولأنه كتاب هداية، وخطابه ليس مقصورًا على بلغاء العرب، بل له عدة مستويات من الخطاب تناسب كل الناس، وخاصة أصحاب العقول الراشدة، كما إنه مناسب لكل عصر، مهما تقدم العصر في وسائله وغاياته.

إذن، فالقرآن سابق لكل تقدم، مناسب لكل زمان، ورحم الله تعالى المفكر الإسلامي سيد قطب الذي قال في كتابه الرائع «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» عند حديثه عن التطور في الإسلام: «التطور في الإسلام معناه أن الإسلام سابق لكل تطور يحدث، وأنه مهما تطورت البشرية، فإنها لن تتجاوز الإسلام» وهذا حق لا مراء فيه لأن الحق سبحانه وتعالى قال عن الإسلام: «.. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا» المائدة/3.

إذن فالحاجة اليوم إلى أن نقيم علاقة جديدة مع القرآن على أساس من التدبر لنستخلص منه أقصى ما نستطيع، وتعيننا عليه عقولنا ومعارفنا، وألا نكتفي بظواهر النصوص، بل نسعى جاهدين إلى استجلاء ما تعقله عقولنا، وتستبصره بصائرنا، ولهذا فنحن حين نقرأ قوله تعالى: «وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21)» الذاريات، فإنه تتداعى إلى وعينا آفاق رحبة من العلم الذي لا يقتصر على العلوم الشرعية، بل توازيها وتحاذيها الكثير من العلوم الكونية التي بثها الحق سبحانه وتعالى في كونه المترامي الأطراف، ونجد ذلك في آيات كثيرة منها قوله تعالى: «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (190) الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار (191)» آل عمران، ومن مثل هذه الآيات الكريمات قوله تعالى: «وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج» الحج/5.

يا له من بيان معجز ونحن نغاديه ونصابحه في ليلنا ونهارنا، ونرى فيه ومن خلاله عظمة الحق سبحانه وتعالى، وبديع صنعه، وكمال قدرته، والقوانين والسنن لها في كتاب الله تعالى المكان الأرفع، والمنزلة الأعظم، وذلك مثل قوله تعالى: «وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون(40)» يس.

هذه القوانين والسنن الصارمة، والنظام البديع كيف جاءت صدفة كما يدعي الملحدون، ويردد مزاعمهم من يسير على نهجهم، ونقول لهؤلاء جميعًا: قل هاتوا برهانكم إن كُنتُم صادقين فيما تدعون. لقد ألجم نبي الله إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) الملك الطاغية النمرود حين زعم أنه يحيي ويميت قال له إبراهيم عليه الصلاة والسلام: «.. فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين» البقرة/258. 

والقرآن الكريم يواصل إرسال أشعته الربانية إلى الآفاق، ولهذا نراه يوجه الأبصار والبصائر إلى النظر العقلي في الآفاق وفي الأنفس لاستكشاف جوانب الإعجاز في القرآن الدالة على أن هذا القرآن وحي من الله تعالى، وأن هذا الوجود كله من صنع العليم الخبير، قال سبحانه وتعالى: «وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السماء رزقكم وما توعدون (22) فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون(23)» الذاريات.

 نعم..فورب السماء والأرض إنه لحق!! لأن قائله سبحانه هو الحق، ولهذا فكل ما يصدر عن الحق هو الحق، وما على الإنسان الراشد إلا أن يقف أمام هذا النص المقدس وقفة إجلال وتعظيم، ويستجلي من غاياته ومقاصده ما يفتح الله تعالى عليه.

إن أشعة القرآن الكريم تنير الكون من حولنا، وتكشف ما غاب عن أبصارنا وبصائرنا، فلنستقبلها بما يليق بها من حفاوة وتكريم لعل الله تعالى يفتح علينا من عطائه ويحقق فينا ولنا من تجليات أسمائه الحسنى، وصفاته العلا، فننال من عطاء الكريم سبحانه ما تطمئن به قلوبنا، وترتاح إليه نفوسنا.

إن في السماء والأرض من آيات الله تعالى للموقنين ما تنير دروب الحائرين، وتهدي بهداها الضالين الذين تفرقت بهم السبل، وطال عليهم السفر، واشتاقوا إلى أنوار الهداية الربانية.

وبعد، فإن ما في الأرض والأنفس من آيات للموقنين لهي حق لا مراء فيه، ودونه الباطل الذي لا شك فيه، فإليكم الأرض بما فيها من آيات واضحات جليات، فإن قصرت هممكم عن استكناه حقائق الوجود من حولكم، فلكم أن تغوصوا في أعماق نفوسكم وهي أقرب إليكم من حبل الوريد، وأنتم تحملونها بين جوانحكم.

إنها أشعة من كتاب الله تعالى المعجز تتجلى في آيات القرآن الكريم، وفي آيات الكون الدالة على كمال قدرة الخالق سبحانه، وعظيم حكمته، وتمام علمه سبحانه وتعالى!!

www.albinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news