العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

تنامي الشعبوية في أوروبا.. هل يمثل تهديدا جديدا للاتحاد الأوروبي؟ (1)

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

السبت ٠١ ديسمبر ٢٠١٨ - 01:15

«الشعبوية» مصطلح فرض نفسه بقوة في الأعوام الأخيرة، إذ تم تداوله خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وقبل ذلك في النقاشات التي رافقت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وفيما يرى خبراء أنه «خطاب سياسي موجه إلى الطبقات الشعبية، قائم على انتقاد النظام ومسؤوليه والنخب»، يرى آخرون أن هذا التعريف «غامض وغير دقيق» لأن الطبقات الوسطى، أيضا معنية بهذه الظاهرة.

ولعل أفضل تعريف للشعبوية، هو تعريف عالم السياسة الهولندي كاس مودي، في تقرير عام 2004 حول التصور الشعبوي نُشر في «جفرنمنت آند أوبوزيشن جورنال» Government and Opposition journal، والذي يرى أن الشعبوية هي آيديولوجية ترى أن المجتمع ينقسم إلى قسمين أحدهما متجانس والآخر معادٍ، يمكن وصفهما بـ«الصالحين» مقابل «الطالحين». 

وفرضت النزعة الشعبوية نفسها في الغرب خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذى وضع المحللين في حيرة وترقب، فهي غيرت المشهد السياسي في الولايات المتحدة بانتخاب ترامب رئيسًا للبلاد، وفي أستراليا تسببت فى زعزعة استقرار الحكومات المتعاقبة، وفي أوروبا، بصفة إجمالية، حالت دون استقرار الأحزاب السياسية الرئيسية التي كانت تنعم بالاستقرار في يوم من الأيام لصالح أحزاب متشددة، ما أدى إلى مرحلة من التشكيك في الاتحاد الأوروبي، ويمكن الذهاب إلى القول بتهديد استقراره، حيث يواجه بموجب هذه الموجة تهديدًا من قبل سياسيين وحكومات ساخطة كونه مؤسسة تتسم بطبيعة تتجاوز الحدود الوطنية. 

«الجارديان»، تناولت هذا الموضوع، تحت عنوان «الشعبوية الجديدة»، كشفت فيه عن المدى الحقيقي لاجتياح النزعة الشعبوية أنحاء القارة الأوروبية، فعلى مدار العقدين الماضيين بلغت حصة أصوات الأحزاب الشعبوية في دول الاتحاد أكثر من 25% بعد أن كانت 7%، وأصبحت هذه الأحزاب المتطرفة تسيطر الآن، أو تشكل جزءًا من 9 حكومات أوروبية، ومن بينها حركة «خمس نجوم» في إيطاليا، وحزب «مواطنون من أجل التنمية الأوروبية» في بلغاريا، وحزب «القانون والإنصاف» في بولندا، وحزب «فيدس» في المجر، وحزب «المواطنون الساخطون» في جمهورية التشيك، إلى جانب حزب سيريزا في اليونان، وحتى في الدول الديمقراطية الأكثر رسوخًا في الغرب وشمال أوروبا، حققت الأحزاب الشعبوية والمرشحون الشعبويون اكتساحًا غير مسبوق في العمليات الانتخابية مثل هولندا، وفرنسا، والسويد، والنمسا.

وتزامنًا مع تقارير الجارديان، يركز هذا التقرير على تحليل تطور التيارات الشعبوية في أوروبا والتهديدات التي تشكلها على الاتحاد الأوروبي، الذي اشتد وهنه بعد أزماته المتكررة.

لكن فى البداية: ما الذي منح الأحزاب والحركات الشعبوية مركز ثقل في الساحة السياسية الأوروبية؟ تقارير حقوقية توضح فى إجابتها أن جاذبية الشعبويين تتزايد مع غضب الناس من الأوضاع الراهنة في الغرب، فشعور كثيرين أنهم متخلفون عن الركب بسبب التغيرات التكنولوجية وعولمة الاقتصاد وتزايد الفوارق، وعدم ارتياحهم في مجتمعاتهم التي صارت أكثر تنوعًا من الناحية العرقية والدينية، أتاح الفرصة لسياسيين شعبويين للإمساك بزمام السلطة.

إذًا الأزمات فى رأي كثيرين هي الدافع وراء ظهور التيارات، من هؤلاء ماتياس روديوين، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة أمستردام، في صحيفة الجارديان، والذي يرى «أن الأزمة المالية، على سبيل المثال، تجعل الأحزاب السائدة عرضة بشدة للنقد القائل ان النخب السياسية الحاكمة قد أفسدت الأمور».

وبجانب الأزمات هناك سبب آخر داعم للحركات الشعبوية داخل أوروبا، أقل وضوحًا لكن ربما أكثر إثارة للقلق، هو الدب الروسي الذي يسعى لتمدد نفوذه على القارة الأوروبية، وهنا يشرح وليام جالستون من معهد «بروكينجز» للأبحاث قائلاً «أثبتت نقطة تبني الرئيس فلاديمير بوتين للنظرة القومية العرقية والتقليدية الدينية أنها تلقى قبولاً لدى الحركات الشعبوية، ولذلك عزز صعود هذه الحركات من النفوذ الروسي في جميع أنحاء القارة الأوروبية.

 فلا شك أن روسيا تنظر إلى نمو الاتحاد الأوروبي باعتباره تحديا لسلطتها ونفوذها الإقليميين، ولا سيما في ظل المساعي لضم المزيد من الأعضاء ضمن مجال نفوذه التقليدي، مثلما حدث مع انضمام بلغاريا ورومانيا عام 2007. وهو ما يحد من الأهمية الجيوستراتيجية لموسكو.

وفي معظم الحالات، تُخمد الشعبوية، كقوة سياسية، عند الخروج من الأزمات، ومع ذلك، يرى وليام آيه جالستون، زميل في دراسات الحوكمة التابعة لمعهد بروكينجز، أنه «رغم التعافي الاقتصادي الذي شهدته أوروبا عقب الأزمة الأخيرة وتراجع معدلات البطالة، فإن قوة ونفوذ الحركات الشعبوية لا تنفك تتصاعد». وفي مثل هذه الحالات يمكن أن تُعزى النزعة الشعبوية إلى الانقسامات السياسية الطويلة الأمد داخل المجتمع والتي غالبًا ما تظل خلايا نائمة في أوقات السلم والازدهار.

 ومن هذه المنطلقات تزعم التيارات الشعبوية، أن مواطني الدول الغربية «العاديين» يواجهون التهجير والتهميش بسبب سياسات الأحزاب التقليدية، وكانت القضية التي حظيت باهتمام الشعبويين الأوروبيين في السنوات الأخيرة هي «أزمة اللاجئين الأوروبيين»، التي دعمت حجة الأحزاب الشعبوية القائلة بأن النخب الحاكمة قد فتحت الحدود، ولم تكن قادرة على التعامل مع تدفق المهاجرين.

وتماشيًا مع الفكر الآيديولوجي لهؤلاء، طورت الأحزاب الشعبوية داخل الحكومة عبر جميع أنحاء أوروبا سياسات تهدف الى تعزيز شعبيتها الانتخابية، مثل تقييد سياسات الهجرة واللجوء، والسياسات الاجتماعية المحافظة مثل إعادة أهمية الكنيسة والسعي إلى كبح حقوق المثليين والأهم من ذلك كله، السياسات الأوروبية التي تسعى إلى التصدي لنمو الاتحاد الأوروبي واستعادة السيادة الوطنية، وهي النقطة الأبرز.

ولكن ما يخفف من هذا التهديد نسبيا، هو تفكير عدد من الإدارات الشعبوية الأوروبية فى إصلاح المنظمة من الداخل بدلا من الانسحاب بشكل كامل، بالنظر إلى المزايا الاقتصادية للبقاء داخل الاتحاد الأوروبي. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news