العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

الشعبوية العالمية.. عودة إلى «الزمن القبيح»

بقلم : د. أسعد عبدالرحمن

الجمعة ٣٠ نوفمبر ٢٠١٨ - 01:00

يعيش العالم اليوم عهدا قبيحا لا تظهر له نهاية في الأفق. فقد زادت هيمنة القوميين المتطرفين، والعنصريين، والمحافظين والمتدينين المتشددين، وخاصة في عالم ما بعد الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب)، بدءا من رئيس وزراء هنغاريا (فيكتور أوربن) مرورا برئيس الفلبين (رودريغو دوتيرتي) ورئيس وزراء بولندا (ماتيوش مورافيتسكي) ورئيس البرازيل (جايير بولسونارو) وغيرهم. «الوطنية» في نظر هؤلاء معاييرها فاشية تقسم المجتمع إلى مجموعتين متجانستين وعدائيتين: «الشعب النقي» و«النخبة الفاسدة». من هنا تكمن خطورة التيار الشعبوي الآخذ في تعزيز مكانته في دول العالم، حيث الخطاب العنصري هو المتقدم الرافض لأي وجهة نظر مخالفة.

منذ الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2016 تصاعد طغيان خطاب الكراهية على ما سواه، حتى ضربت الشعبوية دولا من كبريات الديمقراطيات في العالم كالبرازيل التي لا يخفي رئيسها حنينه المريض لإعادة الدكتاتورية مهددا شعبه بقبضة حديدية صارمة: «لا يمكننا الاستمرار في مغازلة الاشتراكية والشيوعية والشعبوية وتطرف اليسار»، متعهدا بأن يحكم البلاد «متبعا الكتاب المقدس والدستور» لكن اليمين المتطرف في أوروبا من قبل ذلك كان مسرحا لصعود اليمين الشعبوي المتطرف. فقد اشتد عود هذا اليمين في عديد من البلدان، وحتى إن لم يصل إلى الحكم، فإنه أصبح قوة لا يستهان بها: (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، النمسا، هولندا، إسبانيا، اليونان، الدانمارك، بريطانيا، ألمانيا، التشيك، سلوفاكيا) بل إن بعض هذه الأحزاب لم يعد يخفي توجهاته النازية ودعوته إلى النظم الفاشية والشمولية الدكتاتورية في حال تسلمه الحكم. وبالفعل، بات النظام الديمقراطي في هذه الدول يعيش أزمة ظاهرة، فيما لم تعد دولة ديمقراطية في العالم بمنأى عن صعود الشعبوية، تجمعها قواسم مشتركة ومتغيرات تعتبرها هذه الأحزاب تهديدات تستهدف الأمن والاستقرار الاقتصادي أجبرتها على رفض الآخر.

وفي السياق، طرح الكاتب الأمريكي (بول كروجمان) نظرة سوداوية، حيث كتب في مقال نشر في صحيفة «نيويورك تايمز» يقول: «بعد سقوط جدار برلين بفترة قصيرة، مازحني صديق مُختص بالعلاقات الدولية، قائلا: «الآن، بعد أن تحرّرت أوروبا الشرقية من الأيديولوجيا الشيوعية، تستطيع العودة إلى مسارها التاريخي الحقيقي، الفاشية». وحتى في ذلك الزمان، كانت دعابته حقيقية. أما في عام 2018 فلا يبدو الأمر نكتة على الإطلاق».

ويختم ملخصا أهم سبب لتصاعد الشعبوية في بلدان أوروبية والولايات المتحدة الأمريكية بالقول: «النقطة الأساسية هي أننا نُعاني من المرض نفسه (العنصرية البيضاء التي تجتاح العالم) الذي استطاع أن يُدمر الديمقراطية في دول غربية. ونحن قريبون للغاية من نقطة اللا عودة».

لكن ما الذي منح الأحزاب والحركات الشعبوية مركز ثقل في الساحة السياسية الأوروبية؟ الأسباب عديدة، بل وتلعب أدوارا متفاوتة من دولة إلى أخرى. ففي التقرير العالمي الشامل الصادر عن منظمة «هيومان رايتس ووتش» لعام 2017 الذي جاء تحت عنوان «التزايد الخطر في النزعة الشعبوية.. هجمات على قيم حقوق الإنسان حول العالم»، أوضح التقرير: «تزايدت جاذبية الشعبويين مع تزايد غضب الناس من الأوضاع الراهنة. في الغرب، يشعر الكثيرون بأنهم متخلفون عن الركب بسبب التغيرات التكنولوجية وعولمة الاقتصاد وتزايد الفوارق. تزرع أحداث الإرهاب المريعة الخوف والقلق في نفوس الناس، ولا يشعر بعضهم بالارتياح في مجتمعاتهم التي صارت أكثر تنوعا من الناحية العرقية والدينية. هناك شعور متنام بأن الحكومات تتجاهل انشغالات الناس، في مزيج السخط هذا، يزدهر بعض السياسيين، بل يمسكون بزمام السلطة، على أساس أن الحقوق تساعد فقط المتهم بالإرهاب أو طالب اللجوء على حساب الأمن والرفاه الاقتصادي والتفضيلات الثقافية للأغلبية المفترضة. وبذلك يجعلون اللاجئين والمهاجرين والأقليات أكباش فدى. كثيرا ما تذهب الحقيقة ضحية، بينما الأهلانية (تفضيل مصالح المولودين في البلد على حقوق المهاجرين) والعداء للأجانب والعنصرية ومعاداة الإسلام في تصاعد». 

وعلى الرغم من إصرار عديد من الدول على تحميل الأزمة المالية وتدفق أعداد كبيرة من اللاجئين الارتفاع الملحوظ في الشعبوية، يجب التأكيد أن هذه الأخيرة داخل المجتمع الأوروبي تشهد نموا منذ ثمانينيات القرن الماضي. فوفقًا لدراسة أجرتها (ياشكا مونك) من جامعة هارفارد، بالتعاون مع «معهد التغيير العالمي» الذي يرأسه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق (توني بلير)، فإن «التصويت الشعبوي في دول الاتحاد الأوروبي، في المتوسط، في عام 2000 كان بنسبة 8.5%، ولكنه بلغ 24.1% في عام 2017».

الأحزاب والحركات والتيارات الشعبوية تعيش حالة صعود في كل أنحاء العالم، لكن تبقى هناك منظومة القيم الراسخة التي ما زالت -في المؤمل- تشكل مانعا أمامها، والمتمثلة في الانفتاح والتسامح ومناهضة العنصرية، وهي قيم في الأصل تتشارك فيها معظم الدول المتحضرة في العالم.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news