العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

قمة العشرين 2018.. والآمال المرتقبة

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الخميس ٢٩ نوفمبر ٢٠١٨ - 01:00

تعقد في العاصمة الأرجنتينية، بيونس آيرس، في 29 نوفمبر الحالي قمة العشرين التي تعد المملكة العربية السعودية أحد أهم أضلاعها، وتعد هذه المجموعة هي حكومة العالم الاقتصادية، وقد توافق على إنشائها في 25 سبتمبر 1999 على هامش قمة مجموعة الثمانية في واشنطن، واعتبرها قاعدة أساس الحلول للخروج من أزماته الاقتصادية وتعزيز الاستقرار المالي الدولي بعد الأزمة المالية الآسيوية 1997. وعقدت هذه المجموعة أول قمة لها في نوفمبر 2008 إبان الأزمة المالية العالمية، وكانت الاجتماعات قبل ذلك تعقد على مستوى وزراء المالية.

تمثل هذه المجموعة 90% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و80% من حجم التجارة الدولية، وثلثي عدد سكان العالم، وتضم كبرى الاقتصادات العالمية المتقدمة والنامية من جميع أنحاء الأرض، فهي تضم الدول أعضاء مجموعة الثمانية و11 دولة من الاقتصادات الناشئة، ويعد الاتحاد الأوروبي العضو رقم 20. كما يحضر اجتماعات القمة مؤسسات دولية متعددة الأطراف كالاتحاد الإفريقي ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة التجارة العالمية، والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

ويمثل اجتماع بيونس آيرس أهمية خاصة للآمال المعلقة عليه لاتخاذ إجراءات قابلة للتنفيذ، وإيجاد إرادة لتنفيذها، لمنع انزلاق الاقتصاد العالمي إلى دوامة الهبوط، وتداعيات ذلك على مستويات التشغيل، خاصة في ظل التوترات التجارية القائمة بين بكين وواشنطن، بعد الإجراءات التي اتخذتها الأخيرة ضد واردات الولايات المتحدة من الصين، وما استتبعها من حرب تجارية انزلقت إليها دول أخرى في مجموعة العشرين بفرض عشرات التدابير المقيدة للتجارة بين شهري مايو وأكتوبر الماضيين، تغطي نحو 481 مليار دولار، كان من أهمها زيادة الرسوم الجمركية، الأمر الذي يضرب في مقتل سياسة حرية التجارة التي تقوم على ضمانتها وصيانتها منظمة التجارة العالمية.

ويأتي اجتماع بيونس آيرس في ظل إخفاقات الاجتماع الماضي في ألمانيا، بسبب الانقسامات بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، بشأن قضايا الهجرة والتجارة الدولية وتغير المناخ، ولهذا فإن البيان الصادر عن هذا الاجتماع عرف باسم 19 + 1 بسبب رفض الرئيس الأمريكي ترامب اتفاق باريس للمناخ الذي عقد في 2015 ووقع عليه 175 من رؤساء دول العالم في 22 أبريل 2016. وقد أعلن ترامب في الأول من يونيو 2017 انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من هذا الاتفاق، وجدد التزامه بهذا الموقف في قمة هامبورج، وإن كان البيان الصادر عن القمة قد أكد الاعتراف بأهمية الحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى ما يزيد على 2 درجة فوق مستويات ما قبل الصناعة، إلا أن الخلافات كانت حول وسائل تأمين تحقيق هذا الطموح.

وعلى الرغم من هذه الخلافات إلا أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي رأست المجموعة في تلك القمة، ظلت متعلقة بالآمال على أهمية التكاتف داخل مجموعة العشرين لحل المشاكل الاقتصادية بصورة أفضل، ودعم التنمية في كل مكان.

إلا أن الحرب التجارية التي أطلقها ترامب، وتسببت في صعود السياسات الحمائية وتهديدها لحرية التجارة، منذرة بحدوث حالة هبوط حاد في الاقتصاد الدولي، تجعل الآمال معلقة في اجتماعات بيونس آيرس، على إحداث تقارب أمريكي صيني بمناسبة اللقاءات الشخصية التي سيشهدها هذا الاجتماع بين الرئيسين الأمريكي والصيني، وقد يكون في مقدورها إثناء الرئيس الأمريكي عن عزمه فرض رسوم جمركية في يناير المقبل على مجموعة من السلع الاستهلاكية، ما يترتب عليه إجراءات مقابلة من قبل الصين، ولجوء دول العالم الأخرى إلى مثل هذه السياسات، والتي كانت بدايتها فرض الولايات المتحدة الأمريكية في ظل ولاية ترامب رسوما جمركية على الواردات الأمريكية من الصلب والألمونيوم بمقدار 25% على الصلب و10% على الألمونيوم، والتي طالت حتى الاتحاد الأوروبي والدول الحليفة للولايات المتحدة.

وإن كان موضوع حماية حرية التجارة وما تمثله السياسات الحمائية من تهديد للاقتصاد العالمي يفرض نفسه على أجندة قمة بيونس آيرس، فإن أجندة هذه القمة ستتناول أيضًا القضايا التقليدية المتعلقة بارتفاع معدل النمو، وتحقيق الاستقرار المالي، وإصلاح الهيكل الاقتصادي والهيكل المالي الدولي، وذلك إلى جانب قضايا أخرى.

ويظهر انعقاد مجموعة العشرين على مستوى قادة الدول منذ 2008. اهتمام هذه المجموعة بموضوع السياسات، لتأثيره البالغ في العمل الفني على مستوى المؤسسات، وقدرته على احتواء كثير من المشكلات من أعلى مستويات اتخاذ القرار، ومع الوقت أصبح العالم يعلق اهتمامه العام على هذه القمة وقدرتها على إيجاد حلول لمشكلاته الكبرى، وفي قمة بيونس آيرس فإن اللقاءات المرتقبة بين ترامب ونظيره الصيني من ناحية، وبين ترامب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان من ناحية أخرى، من الممكن أن يكون لها تأثيرها البالغ في حالة التجارة الدولية، وسياسات الطاقة، وسوق النفط بل وأسعاره.

ولكن إشكالية مجموعة العشرين مازالت إلى اللحظة الراهنة هي في افتقارها إلى استراتيجية طويلة الأجل توجه أعمالها، ومحاصرتها دائمًا بالسياسات المواتية للأحداث، فهل تنجح قمة بيونس آيرس في خلق تأثير كبير في توجيه ودفع الاقتصاد العالمي في اتجاه يبعده عن شبح الأزمة؟

في مراحل معينة، أثبتت مجموعة العشرين أنها قادرة على تحقيق أهدافها المتعلقة بتعزيز وتطوير الاقتصاد العالمي. وأوضح مثال على ذلك الإجراءات التي اتخذتها لمواجهة الركود الاقتصادي العالمي الذي حدث بين عامي 2007 و2008. والذي كبّد الأسواق في جميع أنحاء العالم خسائر فادحة. وخلال قمة عام 2009 توصل المشاركون إلى اتفاق لاحتواء الأزمة المالية العالمية من خلال الموافقة على اتخاذ إجراءات تحفيزية بقيمة 1.1 تريليون دولار، بتقديم دعم لصندوق النقد الدولي بقيمة 750 مليار دولار وتنفيذ التزام نحو 250 مليار دولار لتعزيز التجارة العالمية. وأثنى خبراء الشؤون المالية على تلك الإجراءات المنسقة الشاملة من قِبل المشاركين في القمة لدورها في الحد من تداعيات الأزمة المالية العالمية والحد من وقوع أزمة أخرى، حيث عززت قمة مجموعة العشرين عام 2009 التفاهم المشترك بأن زيادة التعريفات الجمركية لصالح الأسواق المحلية وهو ما كان له تداعيات سلبية على الاقتصاد، وربما كان هذا درسًا مستفادًا من حروب زيادة التعريفات الجمركية في الماضي. 

وفي المقابل، أخفقت المجموعة بشكل عام في مواصلة هذا المسار لتوسيع التجارة العالمية والتكامل المالي. «فمع تراجع الأزمة المالية المباشرة، فإن الجهود الرامية إلى التخطيط نحو إحداث نمو أسرع أو معالجة مشاكل الاختلالات العالمية كانت أقل نجاحًا» «وعلى مدى العامين الماضيين، انزلقت مجموعة العشرين نحو فوضى أكبر، حيث بدأ التوافق الواسع المؤيد للسوق والتجارة، والذي يدعم التعاون بين الاقتصادات الكبرى في التفتت» في ظل اتجاه قوى عالمية مثل الصين وأمريكا، على نحو متزايد، لاعتماد نهج حمائي حيال المشاركة الاقتصادية الخارجية. علاوة على ذلك، وكما أفاد تقرير أعده المنتدى الاقتصادي العالمي في سويسرا، فإن مجموعة العشرين قد حادت بشكل متكرر عن مبادئها الأساسية المتمثلة في توسيع الشمولية والتمثيل للقوى الاقتصادية العالمية الأقل تقدمًا، مثل الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وتركيا. وأوضح التقرير أن «الأمل في أن يتسع جدول أعمال مجموعة العشرين إلى ما بعد الاقتصاد العالمي ليشمل مناقشة القضايا السياسية، مثل قضايا الأمن وتغير المناخ»، والتي تُعد محورية.

لكن الأمر الأوضح هو أنه خلال السنوات الأخيرة، أصبح المنتدى حدثًا تنبثق عنه كل عام تطورات سياسية مهمة. فعلى سبيل المثال، في اجتماع هامبورج عام 2017 التقى دونالد ترامب، بفلاديمير بوتين، وذلك للمرة الأولى. 

ومرة أخرى، من المتوقع، أن يُعقد اجتماع آخر هذا العام في العاصمة الأرجنتينية، لمناقشة قضايا ما زالت تشهد توترًا، مثل الحرب الأهلية السورية، والتوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ومعاهدة القوى النووية متوسطة المدى، وغيرها. ويُجمع بعض المحللين على أن لقاء بوتين ترامب ليس اللقاء الأهم المُتوقع أن تشهده القمة. وبدلا من ذلك اللقاء، سيُعقد اجتماعان محوريان محتملان بين زعماء مختلفين من العالم.

أولهما -وهو ما يشغل وسائل الإعلام العالمية- حضور الأمير محمد بن سلمان ولي عهد السعودية، وأهمية هذا الحضور تكمن في حقيقة أنه من المقرر ملاقاة دونالد ترامب الذي يعد من أقوى المؤيدين له، لأن الإدارة الأمريكية تظل ملتزمة بتعميق العلاقات مع السعودية والتي تعتبرها بمثابة حليف محوري وسط حالة اضطراب تشهدها منطقة الشرق الأوسط فضلا عن دور الرياض في احتواء النفوذ الإيراني المتزايد، كما أن النفط السعودي يلعب دورا محوريا في تعزيز الاستراتيجيات الاقتصادية الأمريكية، ومن المرجح أن يتطرق ولي العهد السعودي إلى تذكير الرئيس الأمريكي بتلك النقطة أثناء اجتماعهما.

وثاني هذين الاجتماعين -الذي سبق أن أشرنا إليه- سيكون بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ؛ لمناقشة حرب التعريفات الجمركية التجارية الجارية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم أجمع. ومن المتوقع بشكل جدي أن يتعهد كلا الجانبين بعدم تصعيد حدة تلك الحرب أكثر من ذلك خلال الاجتماع، وأي اتفاق لتقليص حدة هذه الأجواء الحالية من شأنه أن يساعد في تعزيز الاستثمار والمضاربة بالبورصة وإحياء الأسواق المتعثرة. 

وفي حين أن وزراء المالية والمبعوثين وقادة العالم ربما يتوصلون إلى صياغة اتفاقات ثنائية ومتعددة الأطراف على حد سواء، مثلما حدث في الأعوام السابقة، للنمو بالاقتصاد العالمي، فإن من غير المرجح أن يحققوا أي نجاحات فيما يتعلق بتلبية الأهداف الرئيسية للمجموعة وهي توسيع نطاق الشمول الاقتصادي العالمي أو الحد من التهديد المتزايد للسياسات الحمائية، وبدلاً من ذلك سيكون التركيز على اللقاءين السابق الإشارة إليهما، وعلى الرغم من الأهداف الاقتصادية التي غالبًا لا يتم تلبيتها، فإن مجموعة الـ20 لا تزال تعتبر ذات أهمية لكونها بمثابة منتدى يتم من خلاله الاجتماع بين قادة الدول الاقتصادية العظمى وبإمكانها أن تقدم حلولا أو تزيد من التوترات والخلافات الاقتصادية الجارية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news