العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

لنرب أنفسنا وأبناءنا على مهارات التفكير التأملي

بقلم: د. خالد أحمد بوقحوص

الخميس ٢٩ نوفمبر ٢٠١٨ - 01:00

يعد عديد من التربويين التفكير التأملي من المهارات المهمة التي نحتاج إليها في حياتنا اليومية، والتي يجب أن نربي أنفسنا وأبناءنا عليها وعلى ممارستها في مختلف المواقف الحياتية لمواجهة الكثير من المتغيرات وحل المشكلات والتعامل مع الصعوبات من خلال معايشتها، لاستخلاص الدروس والعبر منها، وكسب الخبرات العملية والمهارات الميدانية من تلك المواقف وحسن الاستفادة منها وتوظيفها والبناء عليها في مواقف جديدة، كما يكتسب الفرد الممارس للتفكير التأملي المرونة في التفكير لتغيير وتعديل المواقف والقناعات وبعد النظر والفهم المتعمق بعد استخدام مهارات التفكير التأملي لتلك المواقف، ما يؤدي إلى استنتاج وصنع المعنى لدى الفرد، ما يعزز الدافعية لديه نحو مزيد من التعلم والتحسن المستمر في أدائه وفي ممارساته العملية سواء في الوظيفة التي يقوم بها أو المواقف الحياتية التي يمر بها أو ممارساته بصورة عامة، كما أنه يساعد على فهم أعمق للأمور ويكسب الفرد قدرة على التحليل والربط والاستنتاج، وذلك أفضل من استقبال المعلومات من أشخاص آخرين، ما يقلل من القدرات العقلية ويضر بها فيقتل عملية التفكير والإبداع والتحليل والتخيل والبحث والاستقصاء والتصدي للمشكلات.

ولأهمية هذا النوع من التفكير وأهمية توظيفه في حياتنا العملية حث ديننا الإسلامي الحنيف على أهميته وأهمية استخدامه حتى في التوصل إلى قدرة الخالق سبحانه وتعالى، فقد أكد سبحانه وتعالى في آياته الكريمة ضرورة التفكر والنظر في آيات الكون المتعددة والمتنوعة فقال سبحانه: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران: 190-191).

وقال تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت: 20).

(أَفَلا يَنظُرُونَ إلى الإِبِلِ كَيفَ خُلِقَت وَإِلى الأَرضِ كَيفَ سُطِحَت وَإِلى الجِبَالِ كَيفَ نُصِبَت وَإِلى السَّمَاءِ كَيفَ رُفِعَت) الغاشية 17-20.

وهناك العديد والعديد من الآيات الأخرى التي حثت وتحث باستمرار على التفكر والنظر والتأمل للوصول إلى الحقيقة وتأكيد وتعزيز الإيمان في النفوس والتعرف على الخالق سبحانه وتعالى. وكذلك استخدامه في مختلف مناحي الحياة لتطوير وارتقاء الإنسان.

وهناك عديد من التعاريف التي ذكرتها الدراسات والبحوث للتفكير التأملي ويمكن إيجازها بصورة عامة في التعريف بأنه نشاط عقلي يقوم به الإنسان من خلال عملية التأمل للموقف الذي أمامه أو الذي مر به، والتدبر والتأمل والنظر وإعادة النظر مرة بعد أخرى، وطرح عديد من التساؤلات والاستفسارات حوله سواء قبل الموقف أو أثنائه أو بعده، وتحليل الموقف أو المواقف إلى عناصره الأساسية، من خلال تفكيك مكوناتها وإدراك الحقائق والعلاقات التي تربطها ووضع التفسير المناسب لها للوصول إلى النتائج التي نحتاج إليها لتطوير أنفسنا وسلوكياتنا وتحقيق المزيد من المكتسبات ومحاولة فهمه واستيعابه للوصول إلى نتائج مناسبة لتحسينه وتطويره، وطرح الحلول المناسبة له؛ إذ إن التغيرات السلوكية التي تحدث عند الإنسان لا تحدث فقط عن طريق المعارف والمعلومات بل عن طريق الممارسة والوعي الذاتي من خلال الملاحظة والتقويم والتحليل.

وهناك مهارات متعددة للتفكير التأملي يمكن إيجازها في خمس مهارات ذكرها عدد من الباحثين، وهي: التأمل والملاحظة، والكشف عن المغالطات، والوصول إلى استنتاجات، وإعطاء تفسيرات مقنعة، ووضع حلول مقترحة.

وقد عرّفه جون ديوي المفكر التربوي المعروف بأنه التفكير المتعمق بالعمل بنية تحسينه.

ويمكن وصف الممارس للتفكير التأملي بالفرد الذي يلعب دورين مهمين في الوقت نفسه، أولهما دور الممثل الدرامي على خشبة المسرح ومن الناحية الثانية دور الناقد الجالس بين الجمهور يراقب الأداء ويحلله.

فخلاصة التفكير التأملي أنه وقفة مراجعة بينك وبين نفسك في حالة من الصفاء الذهني لمراجعة بعض المواقف التي تمر بها أو مررت بها في حياتك لاستخلاص الدروس والعبر منها بهدف تعزيز الإيجابيات وتفادي الأخطاء والتي من خلالها يحدث التطور الذاتي المستمر لك من خلال ما مررت به من مواقف.

فإذا كان هذا تعريف التفكير التأملي وتلك أهدافه والتي من أبرزها الارتقاء بالإنسان وعمله وحياته فمن المهم تدريب أبنائنا عليه وتعويدهم وتعويد أنفسنا على استخدام هذا النوع من التفكير.

أساليب تنمية التفكير التأملي:

هناك عديد من الأساليب التي يمكن من خلالها تنمية التفكير التأملي سواء للفرد نفسه أو من يريد أن يدربهم على تنمية هذا النوع من التفكير وذلك من خلال استخدام وممارسة الأساليب التالية:

‭{‬ اختيار موقف من المواقف التي مررت بها، والذي تشعر بعد الانتهاء منه أنك غير مرتاح من نتائجه أو الممارسات التي تمت به، وتشعر أنك بحاجة إلى تطويره أو تعديله ليصبح ملائما لك في المستقبل إذا ما تكرر مثل هذا الحدث، سواء كان هذا الموقف في أدائك لعملك الرسمي أو في العلاقات الأسرية أو تعاملك مع أحد الأبناء أو مع أحد الأصدقاء أو غيرها من المواقف الحياتية المتنوعة من خلال استحضاره ذهنيا أو كتابيا للتأمل فيه وتحليله.

‭{‬ تصور الموقف وصفه بتفاصيله وأحداثه المتتالية وشخصياته المشاركة فيه والوقت الذي تم خلاله بتسلسل وترابط كما حدث. 

‭{‬ حدد العناصر الأساسية والأفكار الرئيسية التي يتكون منها الموقف، مع محاولة تحديد نقاط الضعف في الموقف أو الثغرات وتحديد نقاط القوة فيه، كما يجب التفريق بين الرأي والحقيقة. 

‭{‬ اطرح التساؤلات واستخدم الأسئلة التي تعتمد على الانتقال التدريجي نحو الإجابة الصحيحة، وتفسير كل إجابة ونقدها ليسهل الوصول إلى التعميم الصحيح، مع تحليل المعرفة إلى أبعادها وربط المواقف الحالية بالخبرات والمواقف السابقة، ومن المهم طرح عدد من الأسئلة قبل الحدث وأثناء الحدث وبعد الحدث.

‭{‬ حدد الإيجابيات أو نقاط القوة في الموقف أو السلبيات أو نقاط الضعف واقتراح حلول إجرائية لتعزيز نقاط القوة وتفادي نقاط الضعف لو تكرر ذلك الموقف.

‭{‬ اطرح على نفسك سؤالا لو أنك مررت بالموقف ذاته الآن ما الذي ترغب في تعديله، أو ماذا يمكن أن يحدث لو غيرت كذا أو أضفت كذا في الموقف للوصول إلى الصورة الصحيحة والمناسبة لك.

‭{‬ إثارة الشك والتساؤلات حول الموقف أو القناعات الراسخة لديك ليسهل مراجعتها ونقدها بهدف تحسينها.

‭{‬ اعرض الموقف في صورة مشكلة أو غموض معين يحتاج إلى حل لتحفيز التفكير والنظر إلى الموقف بصورة تأملية.

‭{‬ حفز نفسك أو أبناءك على ابتكار أفكار جديدة وطرح حلول بديلة للمواقف المطروحة ومكافأتهم على تلك الحلول أو اطرح أكبر عدد ممكن من البدائل الممكنة.

‭{‬ اعرض الحدث كتابيا ليساعدك على استيعابه وتحليله والتعليق عليه وتوثيقه كخبرة يمكن الاستفادة منها في المرات القادمة التي قد يتكرر فيها مثل هذا الحدث.

‭{‬ تعويد النفس والأبناء على الحوار الذاتي أو التحاور معهم حول موقف أو قضية محددة لتدريبهم وتعويدهم على مهارات التفكير التأملي.

‭{‬ كلف الأبناء بالقيام ببعض المشاريع أو الأعمال ومناقشة نتائجها وطريقة تنفيذها معهم من أجل التحسين والتطوير. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news