العدد : ١٤٨٧٣ - الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٣ - الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

خطوات تمهيدية تنموية تنتظر المجلس النيابي القادم

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

الأربعاء ٢٨ نوفمبر ٢٠١٨ - 01:15

في المقال السابق تحدثنا عن مرحلة التحول التي نمر بها من الاعتماد على النفط إلى الاعتماد على إنتاجية المواطن وإبداعه وابتكاره وريادته في خلق اقتصاد منتج. هذا التحول يحتاج إلى أولا: إجراءات تمهيدية لكي يتجاوب مع التغيير الذي بدأ فعلا في المنطقة بحكم التغيير الذي حدث للثروة النفطية سواء من حيث قدرتها على الصمود أمام المستجدات التكنولوجية أو بسبب ضغط قوى السوق وتقلباته. وثانيا يحتاج إلى خطوات عملية لتكريسه في المجتمعات الخليجية بشكل عام وفي مجتمعنا بشكل خاص.

ما تحتاجه المنطقة من خطوات تمهيدية لا يقف عند المشاركة السياسية في اتخاذ القرار الذي لا بد أن يتم بكل حرية ولكنه يتطلب حزمة من الإصلاحات العملية طويلة المدى تنتج عن حوار مجتمعي تشارك فيه الحكومة ومجلس النواب ومنظمات المجتمع المدني مدعوم بإرادة سياسية وقناعة بحتمية التحول نحو الدولة المنتجة.

التحول نحو الدولة المنتجة يحتاج إلى جملة من الإصلاحات المترابطة تتفاعل لتخلق الشروط المواتية لإنجاح عملية التحول وتبدأ بخلق بيئة (ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية) صالحة تعزز حكم القانون، وتحترم الاجتهاد والكفاءة، وتحارب الفساد وتحاسب المفسدين، وترفض الوساطات والمحسوبية في التوظيف والتعيينات. بذلك تُعزز ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة ومنها الحكومة ومجلس النواب. ثانيا: يحتاج المواطن إلى توفير فرص عمل مجزية وتقليل معدلات البطالة من خلال إصلاح سوق العمل بحيث يتمكن المواطن من المنافسة على الوظائف وتحفيز أصحاب الأعمال لتوظيف المواطنين وتخصيص مهن محددة لهم تتزايد تدريجيا مع نمو القدرة على تدريب أعداد كافية للاستفادة من الفرص المتاحة. 

ثالثا: يحتاج هذا إلى إصلاح التعليم من خلال إعادة النظر في فلسفة وأهداف التعليم وتطوير المناهج، وجعل التعليم يتواءم مع متطلبات سوق العمل من خلال تنمية شخصية الطالب وتطوير قدراته الابتكارية والنقدية والإبداعية والقيادية وتنمية قدراته في اتخاذ القرار وحل المشكلات. كذلك من خلال زيادة الاستثمار في تدريب المدرسين وتطوير قدراتهم المهنية، ورفع مكانتهم الاقتصادية والاجتماعية. ولا يقل أهمية تطوير المناهج وطرق التدريس والبيئة المدرسية. والأهم من كل ذلك وضع معايير وطنية لتقييم مخرجات التعليم ومحاسبة الوزارة على نتائجها. وأخيرا زيادة الاستثمار في البحث العلمي وربطه بالشركات الصناعية ووضع أهداف تنموية محددة متصلة بتنويع الاقتصاد. 

إصلاح المنظومة الاقتصادية والاستثمارية هو الخطوة التمهيدية الرابعة وذلك من خلال سياسات اقتصادية وتنموية وصناعية واستثمارية موجهة نحو قطاع الصناعة والاستثمار في التكنولوجيا للإسهام في تنويع الاقتصاد ورفع الإنتاجية وزيادة الصادرات من السلع والخدمات لرفع الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي. أما الخطوة التمهيدية الخامسة فهي العمل على تضافر جهود الشركات الكبيرة لمساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة لخلق فرص عمل متنوعة للشباب، وخلق بيئة عمل تحفز النشاط التجاري والخدمي.

تطوير هذه البيئة المحفزة يكون الخطوة الخامسة ويتم وفق منظومة ابتكار وطنية مبنية على تعاون وثيق وتشابك بين الصناعة والبحث العلمي ومنظومة التعليم بمختلف مستوياتها، تدعمها سياسات سوق العمل المفضلة للبحريني وليس الاقتصاد المفتوح الذي ينادي به مجلس التنمية الاقتصادي. أما آخر تلك الخطوات فهو تعزيز مناخ التعاون بين الحكومة وغرفة تجارة وصناعة البحرين والمجلس التشريعي لدعم وتحفيز التدريب المهني في الشركات الصناعية الكبيرة، وإلزامها أن تطلب الأمر بتوفير التدريب لأبناء البلد وإحياء نظام التدريب المهني (الابرنتس) في شركة نفط البحرين وتعميمه على الشركات الكبرى الأخرى.

 تنفيذ مثل هذا الحزمة من الإصلاحات سوف يعتمد على أولا: تشكيل تكتل نيابي يتبنى هذا المسار الإصلاحي ويركز جهوده في خطوات منها العمل على إقناع مجلس النواب ومجلس الشورى والحكومة بضرورة البدء في عملية إصلاح تنموي اقتصادي شاملة وتحديد مسؤولية إدارة عملية الإصلاح وتنفيذها. ثانيا: العمل مع الحكومة على وضع أهداف واستراتيجيات الإصلاح بما في ذلك إصلاح منظومة التعليم وسوق العمل والبيئة الاستثمارية وما تحتاجه من إصلاح في الصحة والإسكان وخدمات البنى التحتية، وكذلك القيام بأي إصلاحات سياسية واجتماعية ضرورية لتحسين البيئة الاستثمارية لجذب الاستثمار المحلي والأجنبي ونقل التكنولوجيا المتقدمة. ثالثا: وضع سياسة التنمية الاقتصادية والصناعية لتحديد مجالات الاستثمار في الصناعة والتعليم والتدريب والبحث العلمي وربطها مع بعض لتكوِّن قاعدة لـ«منظومة الابتكار الوطنية» التي تؤسس لمسار التنمية في المنطقة وليس فقط للبحرين، وتخلق البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المناسبة للابتكار والإبداع والريادة.

رابعا: يتطلب الأمر بذل جهد خاص لدراسة وضع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والوقوف على متطلبات تنميتها وتدعيم علاقتها بالمؤسسات الكبيرة والصناعات الأساسية وتمكينها من الاستفادة من الفرص المتاحة من هذه الصناعات لخلق صناعات سلعية وخدمات إدارية وفنية ومالية، مشتقة من الصناعات الكبيرة. 

خامسا: ضرورة التعامل الجدي مع قضية الفساد والهدر في المال العام إذ إنها أهم معوقات خلق البيئة المناسبة للاستثمار وأهم الخطوات التمهيدية للتنمية المستدامة الشاملة والعادلة. هذا يحتم علينا إيجاد المؤسسات الكفيلة بمحاربة الفساد ووضع التشريعات والإجراءات التي تمنحها صلاحية واسعة في التحري وطلب الوثائق والمعلومات وكل ما يلزم للكشف عن الفساد وتقديمهم للنيابة.

وأخيرا فإن هذه الخطوات تحتاج إلى تَدارس خيارات التمويل على أن تبدأ بتقليص بعض بنود الميزانية وتشديد المحاسبة على الهدر والمشاريع غير الاستثمارية، وفرض الضرائب على الثروات وأرباح الشركات وفق جدول تصاعدي يشترط توافر الشفافية والمعلومات والمشاركة في القرار وتطبيق القانون على الجميع، كما تحتاج إلى توفير المعلومات الإحصائية ليتمكن المجتمع ومؤسساته من مساعدة الدولة في معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بعملية الإصلاحات المطلوبة ومراقبة التنفيذ بصرامة وشفافية. 

الخيار أمامنا وأمام دول مجلس التعاون إما التحول الناجح من الدولة الريعية إلى الدولة المنتجة أو البقاء حتى ننتظر مصير النفط ومصيرنا يحدده غيرنا. وفي حال اخترنا التغيير والتحول المنظم فإنه يجب إجراء الحوارات والدراسات لوضع رؤية مستفيدة من بعض ما تقدم بشرط المشاركة المجتمعية والنيابية ومشاركة المؤسسات التجارية والاقتصادية وذوي الاختصاص من البحرينيين في وضعها. على ألا تغفل مرحلة التمهيد والخطوات المذكورة بأن أهم أهداف التنمية هي رفاهية الإنسان والمجتمع وتحسين مستواه المعيشي من جميع النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

mkuwaiti@batelco.com.bh 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news