العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

التقرير الأوروبي حول مكافحة الإرهاب: توصيف شامل للتحديات وتحديد عملي للآليات

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٢٦ نوفمبر ٢٠١٨ - 01:15

في الثالث عشر من نوفمبر 2018 قام أعضاء اللجنة الخاصة في البرلمان الأوروبي المعنية بمكافحة الإرهاب بالتصويت على تقريرها بعنوان «أوجه القصور العملية والتشريعية في مكافحة الإرهاب في أوروبا» وسوف يعرض ذلك التقرير بشكله النهائي في جلسة عامة للبرلمان الأوروبي في ديسمبر المقبل، وأتصور أن ذلك التقارير يعد أحد أهم التقارير الجديرة بالاهتمام والمتابعة-حال صدروه بشكل نهائي- فهو نتاج عمل اللجنة التي أسسها الاتحاد الأوروبي عام 2017 وتتكون من 30 عضوًا وتتمثل مهامها في ثلاث الأولى: إجراء تقييمات بشأن التهديدات الإرهابية التي تواجه جميع الدول الأوروبية، والثانية: الإبلاغ عن أي مؤشرات للخلل في الإجراءات المطبقة من جانب دول الاتحاد الأوروبي في مواجهة الإرهاب ومنها آلية تبادل المعلومات وإجراءات تأمين الحدود، والثالثة: اقتراح الحلول التي تراها اللجنة مناسبة لمعالجة مظاهر ذلك الخلل.

وأتصور أن ذلك التقرير لا يكتسب أهميته من حيث مضمونه فحسب حيث تضمن نتائج مهمة للغاية منها تحديد دعاة الكراهية في الدول الأوروبية، ووضع معايير لقياس نزعات التطرف بما يعني أن التقرير بمثابة وثيقة استراتيجية واقعية تتضمن توصيفًا للتهديدات واقتراح آليات عملية لمواجهتها بل تكمن أهميته في آلية عمل التقرير ذاتها، صحيح أنه صادر عن البرلمان الأوروبي ولكنه ليس بيانًا رسميا بل وثيقة استراتيجية شاملة حصيلة ثرية من المناقشات أسهم في ثرائها عدة أمور أولها: المدة الزمنية التي استغرقها إعداد هذا التقرير وهي عام كامل بما يعني حرص أعضاء اللجنة المكلفين على توخي الدقة في صياغة مثل تلك التقارير الاستراتيجية التي ترتبط بأمن مواطني الاتحاد الأوروبي وليس أدل على ذلك من تقديم أعضاء اللجنة 1519 تعديلاً على التقرير خلال المناقشات، وثانيها: على الرغم من أن إعداد ذلك التقرير كان مسؤولية اللجنة المكلفة بذلك من البرلمان الأوروبي- تلك اللجنة التي تم تحديد مدة عملها بعام واحد فقط قابل للتجديد- فإن المناقشات تطلبت حضور عدد من المستشارين القانونيين والقضاء وأساتذة قانون وباحثين وخبراء أمنيين الأمر الذي أدى إلى التوصل إلى حصيلة متكاملة وواقعية من المناقشات الرصينة بين ممثلي الأجهزة المعنية بمكافحة الإرهاب في الدول الأوروبية من ناحية ورؤى خبراء القانون والأمن من ناحية ثانية، ما أسهم وبدقة في تحديد الثغرات التي شابت عمليات مواجهة العمليات الإرهابية، وثالثها: أن أحد فوائد المناقشات المطولة والموسعة للقضايا الأمنية هي تحديد الأولويات والتي حددها التقرير المشار إليه في مسألة التدابير العملية والتي كانت أحد أبرز توصيات التقرير ومنها اتخاذ المزيد من الإجراءات الاحترازية بشأن الإرهاب السيبراني، وإنشاء مركز فك التشفير الأوروبي والذي يمكن من خلاله الوصول إلى الرسائل المتبادلة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والتي تتضمن دعوات الكراهية والتطرف. 

وواقع الأمر أن الاهتمام الغربي بإعداد مثل هذه التقارير الاستراتيجية قد أضحى أكثر وضوحًا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 إذ دأبت الدول الغربية عمومًا على التعامل مع التحديات الأمنية من منظور أكثر شمولاً بحيث يضم الأجهزة الرسمية وكذلك مشاركة للخبراء والمعنيين في صياغة تلك الاستراتيجيات وخاصة تلك التي ترتبط بالأمن القومي للدول، ومنها المفهوم الاستراتيجي لحلف الناتو والذي لا يتجاوز صفحات معدودة ويصدر كل عشر سنوات، حيث رأى مسؤولو الحلف أن ميثاق الحلف-برغم أهميته-ربما لا يواكب التحديات الأمنية المتلاحقة ومن ثم ظهرت الحاجة إلى إصدار ذلك المفهوم الذي يعد نتاجًا للنقاش ليس فقط بين الدول أعضاء الحلف بل مع شركائه في الوقت ذاته لسبب بسيط هو أن تطبيق ذلك المفهوم سوف يشمل مصالح هؤلاء الشركاء وربما يتطلب إسهاماتهم بما يعني أنه لا بد أن يكون واقعيًا وشاملاً وبه بدائل مرنة، فضلاً عن استراتيجيات الأمن القومي التي تصدرها الدول الكبرى كل عدة سنوات وتنتهج النهج ذاته، حيث إن المناقشات حولها ربما تمتد أعوامًا ولا يقتصر الأمر على التقارير الاستراتيجية فحسب بل خلال إدارة الأزمات ذاتها والتاريخ به أمثلة عديدة نأخذ منها أزمة كادت تدفع العالم نحو هاوية مواجهة نووية مؤكدة وهي أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 حيث كان قرار الرئيس الأمريكي جون كيندي بتشكيل لجنة تنفيذية مكونة من 15 فردًا من خلفيات وخبرات مختلفة تمثلت مهامها الأساسية في ثلاثة أمور وهي تحليل الموقف من منظور استراتيجي وتقديم تفسيرات مختلفة لسلوك الاتحاد السوفيتي آنذاك الذي أقدم على وضع صواريخ في كوبا ثم تقديم خيارات للرئيس للاختيار فيما بينها، وقد قدمت اللجنة بالفعل للرئيس كيندي خمسة تفسيرات وسبعة حلول يتضمن كل منها المزايا والتأثيرات السلبية في الوقت ذاته، وعلى الرغم من أن تلك الأزمة كانت مفاجئة فإن الولايات المتحدة أدارتها بكفاءة من خلال تلك اللجنة رفيعة المستوى، ما أدى إلى التوصل إلى الخيار الأفضل للتعامل مع القرار السوفيتي ببناء قواعد لصواريخ نووية متوسطة المدى في كوبا التي تقع على بعد 65 كم من السواحل الأمريكية. 

وبرأيي فإن تقرير الاتحاد الأوروبي المشار إليه يقدم نموذجًا مهما لكيفية التعامل مع خطر الإرهاب الذي وإن انتهى جغرافيًا لكنه ربما يستمر فكرًا وأيديولوجيا بما يعنيه ذلك من ضرورة تكامل الجهود لصياغة استراتيجيات من شأنها مواجهة ذلك التحدي الذي لا يزال الخطر الأول الذي يهدد الأمن القومي لعديد من الدول بما يجعل من مواجهته مسؤولية مؤسسات المجتمع كافة من خلال رؤية استراتيجية شاملة.

مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news