العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

إسرائيل وقوانينها العنصرية

الثلاثاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٨ - 10:51

يوم 19 يوليو الماضي اعتمد الكونجرس الإسرائيلي قانون ذا صبغة دستورية ينص على اعتبار إسرائيل دولة خاصة بالشعب اليهودي، وهو ما أثار جدلا واسعا وخلف ردود أفعال وانتقادات حادة. أما رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو فقد اعتبر أن القانون الجديد يؤسس بحقوق مواطني دولة إسرائيل من حيث أصلهم ومعتقداتهم. 

قال بنيامين نتنياهو: «هذه لحظة تاريخية فارقة في تاريخ الحركة الصهيونية. فبعد مرور مائة وعشرين سنة على نشر رؤية هيرتزل للدولة اليهودية ها أننا نكرس اليوم بالقانون المبدأ الأساس لوجودنا». أدلى بنيامين نتنياهو بهذا التصوير يوم 19 يوليو 2018، على الساعة الثالثة وخمسة وثلاثين دقيقة بعد أن تبنى البرلمان الإسرائيلي - الكنسيت – القانون الأساسي الجديد فهل يعابر بنيامين نتنياهو نفسه المؤسس الحقيقي للدولة اليهودية؟. 

يزعم بنيامين نتنياهو أن «إسرائيل هي الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط التي تحترم الحقوق الفردية لجميع مواطنيها» لكن غفل عن حقيقة أن هذا القانون الجديد يعطي الأولوية ليهودية الدولة كما أن الكثير من المواد التي وردت في هذا القانون تنتهك حقوق ما لا يقل عن مليونين من المواطنين من غير اليهود. 

ينص القانون الأساسي الجديد الذي اعتمده الكونجرس الإسرائيلي على مايلي: «الغرض من هذا القانون هو حماية شخصية دولة الشعب اليهودي بحيث تصدر القوانين معبرة عن دولة ديمقراطية يهودية انطلاقا من مبادئ إعلان الاستقلال». 

 وينص على أن إسرائيل هي «الدولة القومية للشعب اليهودي»، وأن حق تقرير المصير فيها «يخص الشعب اليهودي فقط».

كما ينص على أن تنمية الاستيطان اليهودي من القيم الوطنية، وتعمل الدولة لأجل تشجيعه ودعم إقامته وتثبيته، وهو يشير إلى أن أرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي، كما يقول إن القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة إسرائيل.

ينص القانون الجديد على أن العبرية هي اللغة الرسمية لدولة إسرائيل وهو ما يفقد اللغة العربية وضعها كلغة رسمية في دولة إسرائيل وذلك في انتظار تحديد وضعها الجديد في وقت لاحق. وبما أن إسرائيل لا تملك دستورا فإن القانون الأساسي الجديد يضاف إلى ترسانة القوانين التي سنتها إسرائيل منذ قيامها سنة 1948. 

لم ترد أية إشارة تذكر الى الإعلان عن استقلال دولة إسرائيل يوم 14 مايو 1948. لم يكن هذا الأمر مستغربا في حقيقة الأمر ذلك أن بنيامين نتنياهو لم يسبق له أن أتى على ذكر هذا الإعلان ولو مرة واحدة في مؤلفاته وكتاباته المتعلقة بتاريخ الحركة الصهيونية. 

لم ترد أيضا أي إشارة إلى النص الذي ظل يمثل أساسا منظومة فقط القضاء في إسرائيل، علما وأن ديفيد بن غوريون قد قرأ ذلك النص الأساس عندما كان يتولى منصبه كأول رئيس حكومة لدولة إسرائيل التي يعتبر هو مؤسسها. 

جاء في هذا النص القانوني ما يلي: «تظل إسرائيل دائما مفتوحة أمام اليهود في بلدان الشتات في مختلف أنحا العالم كما تعمل دولة إسرائيل على تنمية البلاد بما يصب في مصلحة كل مواطنيها على أساس من الحرية والعدالة والسلام، كما تضمن إسرائيل المساواة الكاملة ما بين جميع مواطنيها فيما يتعلق بالحقوق الاجتماعية والسياسية، دون أي تمييز على أساس المعتقد أو العرق أو الجنس. تضمن دولة إسرائيل أيضا حرية الضمير والمعتقد والتعليم والثقافة. 

يبتعد بنيامين نتنياهو أيضا في أطروحاته وأفكاره عن فلاديمير جابوتنسكي (1880-1940) والذي يعتبر الأب الروحي المؤسس للصهيونية الإصلاحية والقومية المناهضة للاشتراكية. أتي بنيامين نتنياهو في عديد المرات على ذكر جابوتنسكي غير أنه يتجاهل أمرا تاريخيا مهما. ففي آخر حياته في الأربعينيات من القرن الماضي أبدى هذا الزعيم الصهيوني التاريخي تأييده لقيام دولة ذات أغلبية اليهودية فوق إرث الامبراطورية البريطانية في فلسطين على أن يتولى يهودي منصب الرئاسي ويكون منصب نائب الرئيس من نصيب شخصية عربية. دعا جابوتنسكي أيضا في آخر حياته إلى ضرورة تكريس المساواة بين جميع المواطنين بقطع النظر عن جذورهم أو ديانتهم على أن يتساوى اليهود العرب واللغة العبرية والعربية في الأوضاع القانونية. 

عمل أرييه ناعور سكرتيرا في حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيجين (1977-1988) وهو اليوم يعمل أستاذا للعلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس. يعتبر أرييه ناعور أن «الرؤية القومية الليبيرالية التي عبر عنها جابوتنسكي تتناقض مع الليبيرالية الجديدة المتطرفة التي عبر عنها القانون الجديد الذي ينص على يهودية دولة إسرائيل، وهو القانون الذي ينتهك حقوق الأقليات الأمر الذي يكرس قيام نظام عرقي إثني». 

هكذا إذا يتضح لنا أن بنيامين نتنياهو قد غرق في الخلطة الإيديولوجية التي خلفها له والده بنسيون نتنياهو، الذي مات سنة 2012. كان بنزيون نتنياهو أكاديميا يعمل في الجامعة وقد تولى منصل وكيل وزارة لفترة وجيرة في حكومة جابوتنسكي علما وأنه قد طور نظريته الكارثية في قراءته للتاريخ اليهودي عبر العصور. سعى إلى تقديم الأدلة على أن معاداة السامية قديمة تعود إلى عصور التاريخ الأولى، وفي مصر قبل قرون من ظهور المسيحية. يقول بنسيون نتنياهو في أدبياته المتطرفة: «رغم مرور هذه العصور فإننا نحن اليهود لانزال مهددين بالإبادة عن آخرنا. يعتبر الناس اليوم أن المحرقة اليهودية - أو الهولوكوست – قد باتت أمرا من الماضي ولن تتكرر أبدا. هذا خطأ جسيم». 

ذلك ما جاء في فحوى الحوار الذي أجرته قناة Aroutz 2 التلفزيونية في حضور ابنه يوم 7 فبراير 2009. فقد اعتبر أن العربي هو العدو الرئيسي للشعب اليهودي مضيفا قوله: «هذه الأرض يهودية ولاحق فيها للعرب. لا يوجد هنا أي مكان للعرب ولن يكون لهم أي مكان ذلك أنهم لن يقبلوا أبدا بنا».

لقد حرص بنزيون نتنياهو على أن يتولى ابنه جعل اليهود في إسرائيل يدركون حجم الأخطار التي باتت تتهددهم. قال بنزيون نتنياهو ذات مرة قبل وفاته قبل ستة أعوام من الآن: «من أكر الأخطار الجسيمة التي تتهددنا اعتقاد اليسار في إسرائيل بأن العرب قد تخلوا تماما عن عزمهم على تدميرنا والقضاء علينا. إن العرب لن يتخلوا أبدا عن سعيهم للقضاء علينا وإلغاء وجودنا». 

نفس هذه المضامين المتطرفة هي التي ظلت تطغى على الخطاب السياسي الديماغوجي الذي ظل يردده بنيامين نتنياهو في كتبه التي نشرت قبل فترة قصيرة من توليه رئاسة الحكومة للمرة الأولى في الفترة ما بين 1996 و1999. 

تحت ضغط من الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون، قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي الشاب بنيامين نتنياهو على مضض مصافحة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وقد توصل معه إلى اتفاقين ينصان على انسحاب القوات الإسرائيلية من جزء من مدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة. 

قبل نتنياهو على مضض بذلك التنازل الصغير مضض حتى يتجنب أزمة كبيرة مع إجارة الرئيس كلينتون غير أنه فقد جراء ذلك عدة أصوات يمينية راديكالية كانت تؤيده في الكنسيت الإسرائيلي كما فقد تأييد أصوات الكثير من المستوطنين اليهود خلال الانتخابات البرلمانية التي أجريت سنة 1999. 

لقد اعتبر القادة الغربيون يومها ان ذلك التنازل الهامشي الذي قبل به رئيس الحكومة الإسرائيلية قد يكون مؤشرا على بعض البراغماتية في المواقف الإسرائيلية والتي يمكن بالتالي البناء عليها من أجل تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط بوجه عام. 

ما لبث ذلك التفاؤل أن تبدد في الغرب عندما اصطدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس الأمريكي الجديد آنذاك باراك أوباما في شهر مارس 2009. كان الرئيس أوباما قد دخل لتوه إلى البيت الأبيض وقد طلب من نتنياهو الاعتراف بالشرعية الفلسطينية والكف بالتالي عن بناء وتوسيع المستوطنات.

يوم14 يونيو 2009 القى نتنياهو خطابا علنا نطق فيه لأول مرة بكلمة «الدولة الفلسطينية» غير أنه أعلن عن عدة شروط تعكس طبيعة الفكر الإيديولوجي الصهيوني الذي يحمله – وخاصة شرط اعتراف الفلسطينيين بيهودية دولة إسرائيل. سارع رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله محمود عباس بالرد قائلا: «لا يمكن أبدا القبول بهذا الشرط الذي لم يرد ذكره في المفاوضات مع مصر والأدن أوو خلال المفاوضات التي كانت أفضت إلى اتفاقيات أوسلو سنة 1993».

أشار الرئيس محمود عباس في تبرير رفضه القاطع إلى أن وثيقة استقلال دولة إسرائيل نفسها لا تنص على يهوديتها. يذكر أن أول مسودة بالقانون الأساسي الذي ينص على يهودية دولة إسرائيل قد أودع لدى الكنيسيت في سنة 2011 وقد تقدم به آنذاك ابراهام موشي ديستر، النائب عن حب كاديما، والذي التحق بعد ذلك بحزب الليكود. 

قال ذلك النائب أنه يسعى من خلال مشروع القانون تكريس مفهوم إسرائيل كدولة للشعب اليهودي. فقد ظل اليمين بصفة عامة يسعى لتحديد هوية جدية لإسرائيل كدولة يهودية ثم بعد ذلك كدولة ديمقراطية. أما اليسار فقد ظل يتمسك بمفهومه لإسرائيل كدولة ديمقراطي ثم تكون بعد ذلك يهودية. 

تواصلت النقاشات إلى أن اعتبر بنيامين نتنياهو أنه بات في أفضل موقع ممكن. فعلى الصعيد الداخلي، تعتبر الحكومة الائتلافية التي شكلها عقب انتخابات 2015 الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل، وقد عملت تلك الحكومة منذ تشكيلها على توسيع نطاق البناء الاستيطانية وإطلاق مشاريع استيطانية جديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة مع السعي لتفادي أي أزمة ما «المجتمع الدولي» – هذا المجتمع الدولي الذي يكتفي على أية حال بالتنديد والشجب والتعبير عن الاحتجاج. 

برهنت هذه الحكومة اليمينية المتطرفة عن تجانسها في الكنيسيت الإسرائيلي وهو ما يتجلى من خلال أهدافها المشتركة التي سعت من ورائها إلى الحد من نفذ مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني وغيرها من السياسات المتطرفة الأخرى. شرعت هذه الحكومة عديد القوانين التي تستهدف بعض المنظمة مثل منظمة «قدامى الجنود المناهضون لاحتلال الأراضي الفلسطينية» ومنظمة «كسر جدار الصمت» إضافة إلى بعض منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة مثل بيت سليم. تتسق كل هذه الإجراءات الرامية إلى التضييق على المجتمع المدني اليهودي تماما مثل الرؤية الي وضعها بنسيون نتنياهو وغرسها في ابنه من بعد بنيامين نتنياهو. 

يتولى آياليت شاكيد منصب وزير العدل وهو من قيادات الحزب الديني اليميني المتطرف «البيت اليهودي» كما أنه دخل على خط المواجهة مع المحكمة العليا الإسرائيلية، التي يتهمها بأنها ليبيرالية أكثر من اللازم. ستتولى المحكمة العليا خلال الأشهر القليلة القادمة البت في كثير من الشكاوى المرفوعة ضد القانون الإسرائيلي الجديد الدي ينص على يهودية الدولة الإسرائيلية. لقد أطلق الوزير المتطرف آياليت شاكيد تصريحا عنيفا قال فيه بالحرف الواحد: «إذا ما أصدرت المحكمة قرار بإلغاء قانون يهودية إسرائيل فإن ذلك سيكون إيذانا بالحرب». 

أما المستوى الدولي فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يمكنه أن يحلم بوضع من هذا الوضع الراهن. ففي البيت الأبيض يوجد رئيس أمريكي اسمه دونالد ترامب وهو من أكبر أصدقاء اليمين الإسرائيلي. أنما في أوروبا فإنه يمكن لبنيامين نتنياهو الاعتماد على القادة اليونانيين والقبارصة الذي أبرم معهم عدة اتفاقيات. 

يحظى رئيس الحكومة الإسرائيلي خاصة بتأييد كبير من المجر وبولندا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا، وهي الجبهة التي يقودها رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان. يمكن لهذه الدول أن تعرقل أي قرارات قد تصدر عن بروكسل بإدانة إسرائيل وسياساتها.

تقول عالمة الاجتماع إيفا إيلوز أن هناك رابطة إيديولوجية قوية ما بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وبعص الدوائر والنظم المعادية لأصحاب الفكر الليبيرالي. تناهض هذه التيارات الراديكالية كل ما من شأنه أن يؤدي إلى تحلل الطابع والهوية الدينية والاثنية والثقافية والعرقية للدولة الإسرائيلية التي يريدونها دولة عرقية يهودية صرفة. 

تعتبر إسرائيل أيضا نموذجا حيا للدول المنهضة للهجرة والمهاجرين غير أنها تؤيد فقط الهجرة اليهودية من بلدان الشتات لأن ذلك يكرس العرق اليهودية على بقية الأعراق والأجناس الأخرى. في نفس الوقت تظل إسرائيل تردد أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط – وهي الصفة الضرورية التي تتمسك بها حتى تظل تحظى بالتأييد من بقية الأمم الديمقراطية الغربية التي تغلق عينها على السياسات القمعية الإسرائيلية في تعاملها مع الشعب الفلسطيني.

يقول الصحفي والنائب الإسرائيلي السابق عن حزب ميرتس اليساري مستهزئا أن المبدأ المشترك الذي يجمع اليوم ما القادة المجريين بقيادة رئيس الوزراء الحالي فيكتور أوربان والساسة البولنديين من ناحية ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو التالي «سامحني على معاداتي للسامية في الماضي سأسامحك على احتلالك للأراضي الفلسطينية».

قبل اعتماد بصيغته النهائية يوم 19 يوليو الماضي، خضعت مسودة مشروع القانون، التي تقدم بها ابراهام موشي ديستر، النائب عن حب كاديما، والذي التحق بعد ذلك بحزب الليكود، للعديد من التغييرات. فقد تم حذف كلمة «الديمقراطية» كما أعيدت صياغة البنود التي تنص على إنشاء مجالس محلية على أساس إثني وديني. 

ينض القانون في صيغته النهائية على إنشاء وتنمية المجمعات السكانية اليهودية يمثل قيمة قومية وهو ما يزيد في عنصرية هذا القانون، وهوما يؤكد عليه موردخاي كرمنيتزر، رجل القانون والمدير المساعد السابق للمعهد الإسرائيلي للديمقراطي.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news