العدد : ١٥١٢٩ - الأحد ٢٥ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٩ - الأحد ٢٥ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العلم والصحة

الليزر وجائزة نوبل... قصة طويلة ومستمرة

بقلم:د. حسان مانع

الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ - 11:27

أعلنت لجنة جائزة نوبل منذ أسبوع منح الجائزة في الفيزياء لعام 2018 إلى كل من آرثر أشكين (69 سنة)، من الولايات المتحدة الأمريكية، مناصفة مع كلٍ من جرار مورو (74 سنة)، من فرنسا، ودونا ستراكلاند (59 سنة)، من كندا. وقد منحوا هذه الجائزة، التي تعتبر أعلى تكريم عالمي للعلماء، مكافأة لهم واعترافا بإنجازاتهم العلمية المتميزة في مجال فيزياء وتكنولوجيا الليزر.

وقبل أن نوضح الاكتشافات والبحوث التي منحت من أجلها هذه المجموعة جائزة نوبل، نود أولاً وقبل كل شيء أن نجيب على السؤالين التاليين: أولاً، لماذا تمنح جائزة نوبل عن جهاز اخترع قبل أكثر من ستة عقود؟ وثانيًا، لماذا تكررت هذه العملية مرات عديدة منذ اختراعه؟ 

فمنذ عام 1964 منحت هذه الجائزة العالمية، لأكثر من عشر مرات، للعاملين في موضوع يتصل مباشرة بالليزر. كما نال العالم، المرحوم بإذن الله، أحمد زويل جائزة نوبل للكيمياء سنة 1999 لعمله في التصوير فائق السرعة للتفاعلات الكيميائية بواسطة الليزر الفمتوثاني.

ما هو الليزر كضوء وما خصائصه؟ وما مكونات الجهاز الذي يصدر هذا الضوء وبهذه الخصائص؟ 

ما كان للإنسان أن يدرك العالم الذي يحيط به لولا نعمة الرؤية، التي هي حاسة رئيسية من حواسه ترتبط أساسا بالضوء. إذ أنعم الله علينا بجهازٍ ضوئي، هو العين، نستطيع بواسطته استقبال وتحليل الضوء الساقط عليه ليشكل لنا صورة ثلاثية الأبعاد تحاكي البيئة التي نعيش فيها.

ولم يتوقف الإنسان عند هذا الحد بل راح يستغل هذه الحاسة لتحليل ودراسة الأضواء القادمة من المجرات والكواكب ليستنبط جميع خواصها الطبيعية. من أجل ذلك، ولما تبين له أن حواسه محدودة القدرة، صار يبتدع كاشفات ضوئية قادرة على تحليل وقياس الإشعاعات بكل أطوال أمواجها، من الكيلومتر إلى تلك التي لا تزيد على قطر نواة ذرة.

ولم يقتصر استعمال الضوء كأداة استكشاف على علم الفلك فقط، بل حتى في المختبرات العلمية ؛إذ لم يكن بوسع الإنسان استنطاق المادة واستخراج أسرارها من دون اللجوء إلى هذه الوسيلة الفعالة. فحين يسلط الضوء على جسم مادي فإنه يتفاعل معه بالانكسار، أو الامتصاص، أو التشتت، أو الحيود، أو غيرها من الظواهر، فيتم ربط هذه الظاهرة أو تلك بخواص المادة الكيميائية والفيزيائية. 

ومع مرور الوقت، وازدياد متطلبات البحوث العلمية والحاجة إلى حزم ضوئية ذات نقاء لوني حاد وشدة ضوئية عالية، ليتسنى للباحث الولوج إلى أعماق المادة ودراسة أدق تفاصيلها، جاء اختراعُ جهازٍ سمي بالليزر ليوفرَ جميع هذه المواصفات ويكون السلاح الفتاك لاستنطاق المادة وغيرها من التطبيقات الأخرى. فكلمة ليزر (LASER) هي مختصر لجملة: تضخيم الضوء بواسطة الانبعاث المستحث للإشعاع (Light Amplification by Stimulated Emission of Radiation).

وقد اخترع العالم الأمريكي ثيودور مايمان الليزر في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1960 واعتمد في اختراعه على البحوث العلمية التي نشرت خلال السنتين اللتين سبقتا ذلك السبق الرائع، وتحديدًا بحوث العالمين أرثر شافلوف وتشارلز تاونز. كما يجب ألا ننسى أن أساس فكرة الليزر، وهي ظاهرة الانبعاث المستحث، كانت قد اكتشفت قبل اختراع الليزر بحوالي أربعين سنة بواسطة العالم الشهير ألبرت أينشتاين.

وقد صمم مايمان أول جهاز ليزر من مادة الياقوت(Ruby) ! نعم من مادة الياقوت، ذلك الحجر الكريم الذي تتزين به النساء. غير أن الياقوت المستعمل هنا هو ياقوت صناعي وليس طبيعيا؛ أي أنه يحضر خلال أيام في المختبر، تحت درجة حرارة وضغط شبيهين باللذين تمارسهما الطبيعة لصنع الياقوت الطبيعي خلال ملايين السنين. كما أن الياقوت الصناعي المستعمل هنا لا يحتوي إلا على شائبة واحدة وهي أيون الكروميوم (Cr3+).

لم يكن اختيار الياقوت كمادة ليزرية (تسمى أحيانا الوسط المضخم) عشوائيا، بل لأن أيون الكروميوم يتميز بمستويات طاقة محددة ذات خواص مناسبة تماما لعملية تضخيم الضوء، بينما يوفر الجسم البلوري الحاضن لأيون الكروميوم الشروط الأخرى اللازمة لنجاحها. 

فيوضع قضيب الياقوت (أو أي مادة ليزرية أخرى) فيما يسمى بفجوة بصرية، ويسلط عليه ضوء من مصادر تقليدية كمصابيح الزينون وغيرها حتى تكون ذرات الكروميوم في حالة مثارة دائمًا. أما الفجوة فإنها تتشكل في الأجهزة الليزرية البسيطة من مرآتين متقابلتين تعكسان الضوء الصادر من المادة الليزرية لينتقل جيئة وإيابًا بين هاتين المرآتين. ويمر الضوء في كل رحلة ذهاب وإياب بالمادة الليزرية فيتضخم أكثر فأكثر. 

كيف يتم توليد الليزر

يجب التركيز هنا على الطريقة التي يولد فيها الضوء على مستوى الذرة لأنها هي التي تميز ضوء الليزر عن بقية الأضواء الناتجة من مصادر أخرى، سواء المصنعة كالمصابيح، أو الطبيعية كضوء الشمس والقمر والنجوم. 

فعند إصدار الضوء العادي في ذرات مادة ما، تثار ذرات الوسط (مصدر الضوء) بشكل ما، حراريًا أو كهربائيًا، فتصير الذرات في مستويات طاقة عليا. ولأن هذه المستويات غير مستقرة تعود الذرات المثارة إلى مستويات الطاقة الدنيا المستقرة حيث تصدر كل ذرة فوتونًا ضوئيًا تساوي طاقته الفرق بين مستويي الطاقة المذكورين. ولا يوجد تنسيق بين ذرات الوسط على لحظة الإصدار هذه، ولا على الاتجاه الذي يسلكه الفوتون الصادر في الفضاء، لأن العملية عشوائية تمامًا ولا تخضع إلا لقوانين الإحصاء. 

أما في حالة الليزر، فإن الذرة المثارة لا تعود إلى المستوى الأدنى تلقائيًا، بل بإيعاز وتحفيز من أحد الفوتونات المتجولة خلال الوسط. ويكون الفوتون الناتج توأمًا في خواصه مع الفوتون المحفز؛ أي أن للفوتونين نفس الطول الموجي ونفس الطاقة ونفس الاستقطاب... إلخ. ثم تتكرر هذه العملية حين يصادف هذان الفوتونان ذرات مثارة أخرى في مسارهما، فيصبح عدد الفوتونات المتوافقة أربعة، وتستمر العملية مرة أخرى وأخرى، وهكذا دواليك. وعندما تخرج هذه الفوتونات من الوسط تقوم مرآتا الفجوة بتغيير مسارها لترجعها إلى الوسط مرة ثانية فتتضخم أكثر فأكثر. وحينما تصل شدة ضوء الليزر داخل الفجوة إلى ذروتها تخرج من خلال إحدى المرآتين التي صنعت خصيصا بنفاذية بسيطة (عكس المرآة الأخرى التي يجب أن تكون عاكسة تامة للضوء).

فالطريقة التي تولد بها فوتونات ضوء الليزر مختلفة تمامًا عن تلك التي تولد بها فوتونات الضوء العادي. وينعكس هذا الاختلاف في المنشأ بوضوح في خواص الحزمتين الضوئيتين: الليزرية والعادية. إذ يتميز ضوء الليزر بالانتشار في الفراغ وفي الهواء وفي المواد الشفافة على شكل خط مستقيم لا يشوبه إلا شيء بسيط من التشعب والتعرج، ما يسمح باستعماله في تطبيقات سلمية كقياس المسافات البعيدة، وغير سلمية كتوجيه القنابل وتصويب الأسلحة وغيرها. 

وقد سمح نقاء لون الليزر (أي أنه يتميز بدقة طيفية عالية جدًا) بدراسة المواد وكشف أسرارها، وأسهم بشكل بارز في تطوير فيزياء المواد، والكيمياء، والبيولوجيا، والطب، وغيرها من المجالات. كما يتميز ضوء الليزر بالشدة العالية القادرة على تذويب وقطع ولحم أي معدن. بل إن هذه الخاصية تسمح لليزر بإسقاط الأقمار الاصطناعية وإلحاق الضرر بالطائرات والمنشآت الصناعية، كما لا ننسى أن البحوث النووية في بعض الدول المتقدمة تستعمل الليزر فائق الشدة للسيطرة على التفاعلات النووية الحرارية.

كيف يعمل الليزر

يمكن لليزر أن يشتغل بشكلين مختلفين: مستمر أو نبضي. ولكل شكل مميزات وتطبيقات خاصة. فالشكل النبضي، مثلاً، يسمح بتجميع عدد هائل من الفوتونات؛ أي من الشدة الضوئية، في خلال نبضة تدوم جزءا من ألف مليار جزء من الثانية. أو بتعبير آخر، تصل قدرة هذه النبضة إلى تريليونات الواط! وهذا يفتح المجال لتطبيقات لم يكن يحلم بها العلماء. إذ يسمح قصر الفترة الزمنية بدراسة كل الظواهر الطبيعية فائقة السرعة، بينما تسمح القدرة العالية بحصول التفاعلات نووية. 

كما يجب التنويه إلى خاصية أخرى لأشعة الليزر تسمى بالترابــط الزمني والفضائــي (Spatial and Temporal Coherence)، والتي يمكن شرحها على النحو التالي: يمكن اعتبار أي ضوء أنه موجات كهرومغناطيسية تنتشر مع بعضها في خط مستقيم، كأنها قطارات نقل، متفقة فيما بينها في خاصية الطور إذا كانت ليزر وغير متفقة إذا كانت ضوءًا عاديًا. ولذا فإن طول هذه القطارات يكون بعشرات أو مئات الكيلومترات بالنسبة إلى الليزر، بينما هو بضع ملليمترات وأقل بالنسبة إلى الضوء العادي! ولذا فإن هذه الميزة تسمح بإجراء تجارب التداخل الضوئي بالليزر بشكل لا متناهي من الدقة مقارنة بالضوء العادي. 

لقد استعملت هذه الخاصية في قياس وإثبات وجود ما يسمى بالموجات الجاذبية التي تنبأت بها نظرية النسبية العامة لأينشتاين منذ عام 1915. وفعلاً، قامت مجموعة من العلماء ببناء تجربة علمية لعب الليزر فيها الدور الرئيسي، وأثبتت تنبؤات نظرية النسبية العامة وعادت على أصحابها بجائزة نوبل للفيزياء في عام 2017. 

يتبين لنا مما تقدم أن ضوء الليزر يتميز عن الضوء العادي بميزات كثيرة ومتعددة جعلت منه أداة فعالة في كثير من المجالات العلمية والصناعية والطبية والعسكرية وغيرها. وبسبب هذا التشعب في الاستعمالات والتطبيقات الليزرية فإن البحث عن مواد ليزرية جديدة قادرة على إصدار أشعة ليزرية بأطوال موجية جديدة مازال مستمرًا إلى يومنا هذا. 

وعلى الرغم من أنه تم اكتشاف مئات الأوساط الليزرية، غازية أو سائلة، أو صلبة، خلال العقود الستة الماضية. والتي غطت أطوالاً موجية متعددة، إلا أن الحاجة إلى ليزرات جديدة لا تزال تظهر كل يوم.

الليزر وجوائز نوبل في الفيزياء والكيمياء 

1- 1964: الكسندر بروخوروف، تشارلز تاونز ونيكولاي بازوف: سمحت أبحاث هؤلاء العلماء الثلاثة في نظريات الليزر، لتيودور مايمان، باختراع أول ليزر في العالم سنة 1960.

2- 1971: دونيس كابور: طور كابور نظرية الهولوغرافيا، أو التصوير المجسم ثلاثي الأبعاد، وهي تطبيق مباشر لليزر لأنه المصدر الوحيد للأشعة المترابطة، ولا يمكن إجراء تجارب الهولوغرافيا من دون أشعة تتميز بهذه الخاصية.

3- 1981: نيكولاس بلومبرجن وأرثر شافلوف: لإسهاماتهم البارزة في تطوير التحليل الطيفي بواسطة الليزر وأبحاثهم المهمة في البصريات غير الخطية.

4- 1989: نورمان رمسي: طوَّر رمسي طريقة الرنين وميزر الهيدروجين، ما سمح باختراع الساعة النووية ذات الدقة العالية.

5- 1997: ستيفن شو، كلود كوهين تانوجي وويليام فيليبس: طوَّر هؤلاء العلماء طرق التبريد بواسطة الليزر، ما سمح بالتعمق في فهم أسرار الذرة وخواصها الأساسية.

6- 1999: أحمد زويل: عن التصوير فائق السرعة للتفاعلات الكيميائية بواسطة الليزر الفمتوثاني.

7- 2001: إريك كونل، والفكونك كتري وكارل فيمان: تبريد الذرات بواسطة الليزر وإيصال المادة إلى حالة بوز آينشتين من دون تجميدها كسائل أو جسم صلب.

8- 2005: جون هال وثيودور هانش: طورا التحليل الطيفي الليزري فائق الدقة بواسطة ليزر الفمتو ثانية وأسهما في جعل الساعة النووية أكثر دقة.

9- 2006: جون ماثر وجورج سموث: استعملا الميزر المحمول جوا بواسطة الأقمار الاصطناعية لقياس الإشعاع الفضائي المرتبط بالانفجار الكبير.

10- 2009: تشارلز كاو: طور كاو استعمال الألياف البصرية في الاتصالات واكتشف نوعًا من الألياف ذات الامتصاص المحدود والقادرة على نقل المعلومات بواسطة الليزر لمسافات طويلة.

11- 2017: كيب ثورن، راينر فيس وباري باريش: قياس وإثبات وجود ما يسمى بالموجات الجاذبية التي تنبأت بها نظرية النسبية العامة لآينشتين. حيث قام هؤلاء العلماء ببناء تجربة علمية بواسطة الليزر لإثبات ذلك.

12- 2018: أرثر أشكين، جرار مورو ودونا ستراكلاند: تطوير تكنولوجيا الليزر.

* أستاذ مشارك، قسم الفيزياء

جامعة البحرين

[email protected] 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news